تفكيك البنية الإمبراطورية في العصور الوسطى: قراءة نقدية في ثنائية النص والواقع التاري
تفكيك البنية الإمبراطورية في العصور الوسطى: قراءة نقدية في ثنائية النص والواقع التاريخي
بقلم الباحث: فؤاد زاديكي
إنّ القراءة النقدية للتاريخ السياسي والتشريعي في العصور الوسطى تقتضي إخضاع النصوص التأسيسية والمنظومات الإجرائية لأدوات التأريخ العلمي المجرّد، بعيدًا عن القراءات اللاهوتية أو التبريرات الدفاعية، التي تحاول إخراج الظواهر البشرية عن سياقها الطبيعي. عند فحص العبارة النصية "كنتم خير أمة أخرجت للناس"، نجد أنّ استخدام الفعل الماضي "كنتم" من الناحية اللغوية والدلالية، وخارج إطار التأويلات الدينية الدائرية، يمثّل توصيفًا ظرفيًّا مشروطًا بسلوكيات وأدوار حضارية محدّدة، وليس صكًّا أبديًّا بالاستعلاء العرقي أو القومي العابر للأزمان والممتدّ للأجيال اللاحقة. إنّ المنطق العلمي يربط خيرية أيّ أمّة أو كيان بحجم المنفعة التراكمية والإنتاجية المعرفية والإنسانية، التي تقدّمها للبشرية، وهو ما يفسّر التفوّق الحضاري والعلمي المعاصر للمجتمعات الغربية، التي قادت قفزات تكنولوجية وعلمية وطبية غير مسبوقة أسهمت في رفع مستوى الوعي البشري وتطوير أدوات الحياة، رغم ما شاب رحلة صعودها أيضًا من نزعات استعمارية كلاسيكية.
وعند إخراج حركة الفتوحات الإسلامية المبكّرة من إطار السّرد التبشيري، الذي يصفها بنشر الهداية، وإعادة وضعها في سياق علم الاجتماع السياسي، تظهر كحركة توسّع عسكري إمبراطوري نَمَطِيّة، مدفوعة برغبة النُّخَب الجديدة في السّيطرة على خطوط التجارة العالمية والاستحواذ على الموارد الاقتصادية للامبراطوريات المُنهَكة كالبيزنطية والساسانية. هذا التوسّع أدّى بالضرورة إلى إخضاع شعوب أصلية في بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا وفارس بقوّة السلاح، وتحويلهم إلى رعايا خاضعين لسيادة دولة جديدة. وفي هذا السّياق، لم تكن الاتفاقيات التاريخية كـ "العهدة العمرية" لساكني بيت المقدس أو عهود عمرو بن العاص في مصر وثائق تسامُح بالمفهوم الحداثي، بل كانت عقود إذعان استسلامية فرضها المنتصر العسكري لتنظيم الخضوع وضمان السلم الأهلي بما يكفل تدفق الجباية، إذ تضمنت بنودًا تمييزية صريحة فرضت عزلًا اجتماعيًّا ونفسيًّا يكرّس فوقية الطبقة الحاكمة ودونيّة السكان الأصليين في أرض آبائهم وأجدادهم، من خلال تقييد المظهر، وركوب الدواب، وحظر بناء أو ترميم الكنائس، وإقصاء الهُوِيّة البصرية لغير المسلمين.
تكاملت هذه المنظومة التشريعية مع أداة مالية طبقية تمثّلت في "الجزية"، والتي لم تكن خيارًا لحماية الطوائف، بل ضريبة رؤوس تمييزية وعقابية أثقلت كاهل السكان الأصليين ماديًّا ونفسيًّا، وشكلت أداة ضغط اقتصادي قاهرة لإجبارهم على ترك معتقداتهم واعتناق الدين الجديد للتخلص من أعبائها وعواقبها الاجتماعية، لدرجة دفع ببعض الولاة في العصر الأموي، كالحجاج بن يوسف، إلى رفض إسلام الموالي للحفاظ على موارد الخزينة من السقوط. في المقابل، كانت "الزكاة" ضريبة داخلية مخصّصة لتحصين الجماعة الحاكمة وتوطيد بنيتها الاجتماعية، بينما شكّل الخراج والجزية المفروضان على الأقاليم المفتوحة المموّل الأساسي لجيوش التوسّع والقصور. بناءً على هذه الشواهد، فإنّ المنظومة، التي أسّستها تلك الإمبراطورية لا تختلف في جوهرها القهري عن النظم الإمبراطورية الرومانية أو البيزنطية أو الاستعمارية اللاحقة، ممّا يُجرّد أيّ محاولة لإسقاط وصف "الخيريّة" على تلك الممارسات من مصداقيتها العلمية والتاريخية، ويجعل منها توظيفًا أيديولوجيًّا لتبرير الهيمنة والتمييز، في حين يظلّ المُنجز الإنساني الحقيقي رهنًا بما تقدّمه الأمم من معرفة وعدالة ونفع للبشريّة جمعاء.
__________________
fouad.hanna@online.de
|