![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مِنْ كِتابِي «هَوَامِش» (سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ) مُلْحَقُ طُفُولَتِنَا (8) بقلم: فؤاد زاديكي فِي رِحَابِ قَرْيَةِ بَرَّهْ بَيْت (خَانْ يُونُس)، الْوَاقِعَةِ فِي رِيفِ مَدِينَةِ دِيرِيكَ وَالتَّابِعَةِ لَهَا، كَانَتْ الْبِدَايَاتُ الأُولَى لِطُفُولَتِي، هُنَاكَ حَيْثُ امْتَزَجَتْ مَلَامِحُ الأَرْضِ بِمَلَامِحِ الذَّاكِرَةِ، وَحَيْثُ بَدَأَتْ خُطُوَاتِي الأُولَى فِي عَالَمٍ لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ حُدُودَهُ بَعْدُ. فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَانَتْ تُقِيمُ عَائِلَةُ جَدِّي إِلْيَاسَ، وَكَانَ أَبِي كَبْرُو وَاحِدًا مِنْ أَبْنَائِهِ، لِتَتَشَكَّلَ بِذَلِكَ نُوَاةُ الْبَيْتِ الَّذِي احْتَضَنَ طُفُولَتِي الأُولَى بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ بَسَاطَةٍ وَبَرَاءَةٍ. تَتَدَاخَلُ فِي ذَاكِرَتِي الْيَوْمَ صُوَرٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ؛ بَعْضُهَا غَائِمُ الْمَلَامِحِ كَأَنَّهُ ضَبَابٌ بَعِيدٌ، وَبَعْضُهَا الآخَرُ مَا زَالَ حَاضِرًا بِكُلِّ وُضُوحٍ، لَمْ تَنَلْ مِنْهُ الأَيَّامُ وَلَا تَعَاقُبُ السَّنَوَاتِ. كُنْتُ آنَذَاكَ طِفْلًا صَغِيرًا يَلْهُو بَيْنَ الأَزِقَّةِ وَالتُّرَابِ، أَتَحَرَّكُ بِدَافِعِ الْفُضُولِ الْفِطْرِيِّ، دُونَ أَنْ أَمْتَلِكَ وُعْيًا حَقِيقِيًّا بِمَا يَدُورُ حَوْلِي أَوْ مَا تَعْنِيهِ تَصَرُّفَاتِي فِي مِيزَانِ الْكِبَارِ. كُنْتُ الْابْنَ الْبِكْرَ لِوَالِدَيَّ، وَلِذَلِكَ حَظِيتُ بِمَا يُشْبِهُ التَّدْلِيلَ الْخَاصَّ، وَهُوَ أَمْرٌ كَانَ شَائِعًا فِي الْبِيئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي نَشَأْتُ فِيهَا، حَيْثُ يُنْظَرُ إِلَى الْمَوْلُودِ الأَوَّلِ بِوَصْفِهِ امْتِدَادًا مُبَاشِرًا لِلْعَائِلَةِ وَاسْمِهَا وَسُمْعَتِهَا، كَأَنَّهُ حَلْقَةٌ تُضَافُ إِلَى سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْجُذُورِ الْمُمْتَدَّةِ فِي التَّارِيخِ وَالْعَائِلَةِ وَالْمَكَانِ. غَيْرَ أَنِّي، وَمِنْ مَنْظُورِ الْيَوْمِ، أَرَى فِي ذَلِكَ الْمَيْلِ نَوْعًا مِنْ عَدَمِ الْإِنْصَافِ غَيْرِ الْمُتَعَمَّدِ تَجَاهَ بَقِيَّةِ الأَبْنَاءِ، الَّذِينَ لَا ذَنْبَ لَهُمْ فِي أَنْ يُمْنَحَ الأَوْلَوِيَّةُ أَوِ الِاهْتِمَامُ الزَّائِدُ لِأَخِيهِمُ الأَكْبَرِ، حَتَّى إِنَّ هَذَا التَّمَيُّزَ كَانَ يَمْتَدُّ أَحْيَانًا إِلَى الأَلْقَابِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَيُعْرَفُ الأَبُ بِكُنْيَةِ ابْنِهِ الْبِكْرِ. لَا أَسْتَطِيعُ تَحْدِيدَ عُمْرِي الدَّقِيقِ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ الأُولَى، وَلَا أَمْتَلِكُ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ الْمُبَاشِرَةِ مَا يُثْبِتُ تَفَاصِيلَهَا لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ، لَكِنَّ مَا ظَلَّ رَاسِخًا فِي ذَاكِرَتِي هُوَ مَا كَانَتْ تَرْوِيهِ لِي وَالِدَتِي، حَنَّةُ، الَّتِي كَانَتْ الأَقْرَبَ إِلَى تَفَاصِيلِ يَوْمِيَّاتِنَا وَحَيَاتِنَا الْمَنْزِلِيَّةِ، وَالأَكْثَرَ الِاصْطِقَاقًا بِعَالَمِ الطُّفُولَةِ الأَوَّلِ. كَانَتْ أُمِّي كَثِيرًا مَا تَسْتَعِيدُ أَمَامِي مَوَاقِفَ وَسُلُوكِيَّاتٍ صَدَرَتْ عَنِّي فِي تِلْكَ السِّنِّ الْمُبَكِّرَةِ، كُنْتُ أُؤَدِّيَهَا بِعَفْوِيَّةٍ تَامَّةٍ، دُونَ إِدْرَاكٍ لِمَعَانِي الْكَلِمَاتِ أَوْ لِوَقْعِهَا عَلَى الآخَرِينَ. كَانَتْ تَحْكِي لِي، أَحْيَانًا بِابْتِسَامَةٍ وَأَحْيَانًا بِشَيْءٍ مِنَ الْحَرَجِ، كَيْفَ كُنْتُ أَنْطِقُ عِبَارَاتٍ لَا أَفْهَمُ مَعْنَاهَا، أَوْ أَقُومُ بِتَصَرُّفَاتٍ تُثِيرُ الدَّهْشَةَ وَالِارْتِبَاكَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَأَنَّنِي أَكْتَشِفُ اللُّغَةَ وَالْحَيَاةَ مَعًا دُونَ وَسِيطٍ أَوْ تَفْسِيرٍ. وَمِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْمَوَاقِفِ الَّتِي كَانَتْ تَذْكُرُهَا مِرَارًا، أَنِّي كُنْتُ أُوَجِّهُ عِبَارَاتٍ غَيْرَ لَائِقَةٍ إِلَى الْخَالَةِ نَازَةَ، زَوْجَةِ سَفَرْ شِيَعَا، كُلَّمَا مَرَّتْ قُرْبَ بَيْتِنَا أَوْ جَاءَتْ لِزِيَارَةٍ عَابِرَةٍ أَوْ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ. كَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَخْرُجُ مِنِّي كَأَنَّهَا دَفَعَاتٌ بَرِيئَةٌ بِلَا وُعْيٍ، بَيْنَمَا كَانَتِ الْخَالَةُ نَازَةُ تُقَابِلُ ذَلِكَ بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ، لَا تَحْمِلُ فِي ظَاهِرِهَا أَيَّ غَضَبٍ أَوْ انْزِعَاجٍ، بَلْ مَزِيجًا مِنَ الدَّهْشَةِ وَالتَّسَامُحِ، وَهِيَ تَسْأَلُنِي بِعَفْوِيَّةٍ: «يَا ابْنِي، مَاذَا فَعَلْتُ لَكَ حَتَّى تَقُولَ هَذَا الْكَلَامَ؟» كَانَتْ وَالِدَتِي، فِي الْمُقَابِلِ، تَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَجَلِ وَالْحَرَجِ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاقِفِ، فَتُسَارِعُ إِلَى تَوْبِيخِي وَتَأْنِيبِي بِلُطْفٍ أُمِّيٍّ، ثُمَّ تَعْتَذِرُ مِنَ الْخَالَةِ نَازَةَ الَّتِي كَانَتْ بِدَوْرِهَا تَتَفَهَّمُ تَمَامًا طَبِيعَةَ الْمَوْقِفِ، مُدْرِكَةً أَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنْ طِفْلٍ صَغِيرٍ لَا يَحْمِلُ قَصْدًا وَلَا وُعْيًا، فَتَرُدُّ بِابْتِسَامَةٍ مُطْمَئِنَّةٍ: «لَا بَأْسَ، اْتْرُكِيهِ، لَا تَضْرِبِيهِ وَلَا تَقْسِي عَلَيْهِ، فَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَا يَقُولُ.» وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَوَاقِفُ اسْتِثْنَاءً، بَلْ كَانَتْ تَتَكَرَّرُ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَمِنْ بَيْنِهَا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْعَمُّ لَحْدُو بْنُ حَنُو كَارِيسِي، وَهُوَ أَحَدُ أَصْدِقَاءِ وَالِدِي الْمُقَرَّبِينَ، وَكَانَ يَتَمَيَّزُ بِرُوحٍ مَرِحَةٍ وَخَفِيفَةِ الظِّلِّ. كَانَ يَحْمِلُنِي بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ أَحْيَانًا وَهُوَ يَضْحَكُ، ثُمَّ يَقُولُ لِي مَازِحًا: «سَأُعْطِيكَ فَرَنْكًا إِذَا ذَهَبْتَ إِلَى أُولَئِكَ الرِّجَالِ وَالشَّبَابِ الْوَاقِفِينَ قُرْبَ الْحَائِطِ وَقُلْتَ لَهُمْ: أَبُوي خِرِي الْيَوْمَ فِي الصُّوپَّا.» كَانَ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الْمُزَاحَ وَإِضْفَاءَ جَوٍّ مِنَ الضَّحِكِ وَالْمَرَحِ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُنَفِّذُ مَا يَطْلُبُهُ مِنِّي بِحَرْفِيَّةِ الطُّفُولَةِ الصَّادِقَةِ، دُونَ أَنْ أَفْهَمَ مَغْزَى الْكَلِمَاتِ أَوْ مَا قَدْ تُثِيرُهُ مِنْ حَرَجٍ أَوْ ضَحِكٍ أَوْ دَهْشَةٍ عِنْدَ الآخَرِينَ. وَحِينَ كُنْتُ أَعُودُ وَأُرَدِّدُ مَا قِيلَ لِي، كَانَ الْعَمُّ لَحْدُو يَبْلُغُ دَرَجَةً مِنَ السُّرُورِ وَالِانْتِشَاءِ الْبَرِيءِ، كَأَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِبَرَاءَةِ الْمَوْقِفِ أَكْثَرَ مِنْ نَتَائِجِهِ. وَقَدْ قِيلَ لِي لَاحِقًا إِنَّ بَعْضَ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ كَانَتْ تُقَابَلُ أَحْيَانًا بِشَيْءٍ مِنَ الْقَسْوَةِ أَوِ الِانْزِعَاجِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ تَكْرَارِ تِلْكَ التَّجَارِبِ الطُّفُولِيَّةِ، الَّتِي كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ لِي مُجَرَّدَ لَعِبٍ غَيْرِ وَاعٍ بِالْكَلِمَاتِ وَالْمَوَاقِفِ. وَلَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْعَمَّ لَحْدُو قَدْ رَحَلَ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى «الْأَخْدَارِ السَّمَاوِيَّةِ» فِي السُّوِيدِ قَبْلَ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ، إِلَّا حِينَ بَلَغَنِي الْخَبَرُ لَاحِقًا، فَاسْتَعَدْتُ صُورَتَهُ وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَحْمِلُنِي بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لِرُوحِهِ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ، وَلِذِكْرَاهُ امْتِدَادٌ فِي صَفَحَاتِ الْعُمُرِ. وَهَكَذَا كَانَتْ تَمْضِي أَيَّامُ الطُّفُولَةِ الأُولَى، بَسِيطَةً فِي ظَاهِرِهَا، عَمِيقَةً فِي أَثَرِهَا، نَعِيشُ فِيهَا عَلَى سَجِيَّتِنَا، مُحَاطِينَ بِعَالَمٍ وَاسِعٍ مِنَ الْبَرَاءَةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الْحِسَابَاتِ، وَلَا تُدْرِكُ ثِقَلَ الْكَلِمَاتِ، وَلَكِنَّهَا تَبْقَى، رَغْمَ مَرُورِ الزَّمَنِ، مِنْ أَكْثَرِ مَا يَبْقَى حَيًّا فِي الذَّاكِرَةِ، لَا يَبْهَتُ وَلَا يَزُولُ. التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 08-05-2026 الساعة 07:11 AM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|