Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 11:52 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,066
افتراضي الذاكرة والسلطة: لماذا تحاول العهود الجديدة محو الماضي؟ بقلم: فؤاد زاديكي من يقرأ ا

الذاكرة والسلطة: لماذا تحاول العهود الجديدة محو الماضي؟

بقلم: فؤاد زاديكي

من يقرأ التاريخ الطويل للبشرية يلاحظ أنّ واحدة من أكثر الظواهر تكرارًا ليست فقط الحروب أو تبدّل الدول، بل محاولة كلّ عهد جديد إعادة تشكيل ذاكرة الناس وقطع الصّلة بما سبقه. فكثيرًا ما تتعامل السلطات الجديدة، سواء كانت دينية أو سياسية أو أيديولوجية، مع الماضي بوصفه خصمًا يجب إضعافه أو تشويهه أو محوه بالكامل، لأنُ بقاء رموزه وأفكاره وآثاره قد يهدّد شرعية النظام الجديد أو ينافسه في عقول الناس. ولهذا نجد عبر القرون صورًا متكررة من إحراق الكتب، وتدمير المعابد، وتحطيم التماثيل، وإلغاء اللغات القديمة، بل وحتى إعادة كتابة التاريخ نفسه.

إنّ السلطة الجديدة غالبًا لا تريد فقط حكم الحاضر، بل تريد أيضًا امتلاك تفسير الماضي وتوجيه المستقبل. ولذلك فإنّ السيطرة على الذاكرة تصبح أداة من أدوات الحكم. فالكتب ليست مجرّد أوراق، وإنُما خزائن للهُوِيّة والمعرفة والعقائد والتجارب الإنسانية، ومَنْ يسيطر على ما يُقرَأ وما يُنسَى يستطيع التأثير في طريقة تفكير المجتمع كلّه. ولهذا شهد التاريخ موجات متكرّرة من تدمير التراث كلّما ظهرت قوّة جديدة تعتبر نفسها بداية “العصر الصحيح” وترى فيما سبقها انحرافًا أو خطرًا أو وثنية أو تهديدًا سياسيًا.

وقد عرف الشرق القديم أمثلة عديدة على ذلك، فبعد انتشار المسيحية في مناطق واسعة من العالم السرياني والآرامي والروماني، تعرّضت معابد وثنية ومكتبات ونصوص قديمة للإهمال أو التدمير، باعتبار أنّ بعضها يُمثّل العقائد السابقة، التي عارضتها الكنيسة. ومع ذلك فإنّ الصورة التاريخية ليست أحادية بالكامل، لأنّ السريان المسيحيين أنفسهم لعبوا لاحقًا دورًا كبيرًا في حفظ التراث اليوناني والفلسفي والطبّي وترجمته، وهو ما يوضّح أنّ التاريخ أكثر تعقيدًا من مجرّد صراع بين “تدمير” و”حفظ”. فالحضارات كثيرًا ما تهدم جانبًا من الماضي بينما تُنقذ جانبًا آخر منه.

ومن أشهر القضايا المثيرة للجدل في هذا السياق قضية مكتبة الإسكندرية، التي ارتبط اسمها في الوعي الإنساني بفكرة ضياع المعرفة. فهناك روايات تاريخية متأخّرة نَسَبت إلى المسلمين إحراق المكتبة بعد فتح مصر، وقد ذكر هذه الرواية مؤرخون مثل ابن القفطي وعبد اللطيف البغدادي وغيرهما، ولهذا لا يُمكن القول إنّ القصّة لم تُذكر إطلاقًا في المصادر. غير أنُ عددًا من الباحثين والمؤرخين المعاصرين يشكّكون في دقّة الرواية بصيغتها الشائعة، لأنّ هذه المصادر ظهرت بعد الفتح الإسلامي بقرون طويلة، في حين أنّ المصادر الأقرب زمنيًا للحدث لا تقدّم وصفًا واضحًا للحادثة. كما أنّ المكتبة نفسها كانت قد تعرّضت قبل الفتح الإسلامي بمئات السنين لسلسلة من الحروب والاضطرابات والتراجع التدريجي منذ العهد الروماني والبيزنطي، ما يجعل بعض المؤرخين يتساءلون عمّا إذا كانت المكتبة الكبرى ما تزال موجودة أصلًا بصورتها القديمة عند دخول المسلمين إلى مصر. ومع ذلك يبقى النقاش التاريخي قائمًا، ويبقى احتمال تعرّض أجزاء من مكتبات الإسكندرية للدمار عبر مراحل متعدّدة أمرًا واردًا في نظر بعض الباحثين.

أمّا ما فعله المغول بقيادة هولاكو خان عند سقوط بغداد سنة 1258، فهو من أكثر الكوارث الثقافية وضوحًا في التاريخ الإسلامي. فقد تعرّضت المدينة لمذبحة هائلة، ودُمرت مكتباتها ومراكزها العلمية، وضاعت مخطوطات وعلوم تراكمت عبر قرون. وقد وصفت بعض الروايات نهر دجلة بأنّه اسودّ من حبر الكتب المُلقاة فيه، وهي صورة قد تحمل مبالغة أدبية لكنّها تعبّر عن حجم الصّدمة الحضارية التي خلّفها سقوط بغداد.

ولم يقتصر الأمر على الشرق الأوسط، بل تكرّر في حضارات أخرى عديدة. ففي الصّين القديمة أمر الإمبراطور Qin Shi Huang بحرق الكتب ودفن عدد من العلماء أحياءً في محاولة لفرض وحدة فكرية وإلغاء المدارس الفلسفية المنافسة. وفي أوروبا شهدت محاكم التفتيش إتلاف كتب اعتبرت هرطقية أو مخالفة للعقيدة الرسمية. وعندما وصل الإسبان إلى الأمريكيتين بعد سقوط حضارات المايا والأزتك، قام رجال دين ومستعمرون بحرق مخطوطات السكان الأصليين لأنّها عُدت وثنية، فضاع جزء ضخم من تراث تلك الشعوب إلى الأبد.

وفي العصر الحديث استمرّت الظاهرة بأشكال مختلفة. ففي ألمانيا النازية قاد نظام Adolf Hitler حملات منظمة لحرق الكتب سنة 1933، واستهدفت مؤلفات الفلاسفة واليهود والمعارضين السياسيين وكلّ ما عُدّ “فكرًا غير ألماني”. كما شهدت الثورة الثقافية الصينية تدميرًا واسعًا للمعابد والآثار والكتب القديمة تحت شعار القضاء على “الأفكار القديمة”. وحتى في العقود الأخيرة قام تنظيم داعش بتدمير آثار تاريخية في الموصل وتدمر بدافع أيديولوجي متشدّد رأى في هذه الآثار تهديدًا لعقيدته.

ومع ذلك فإنُ التاريخ يعلمنا أنّ الحضارات، التي ازدهرت حقًّا لم تكن تلك التي أحرقت ما قبلها، بل تلك التي استوعبت تراث الآخرين وأضافت إليه. فالحضارة الإسلامية نفسها ازدهرت حين ترجم السريانُ علوم اليونان والفرس والهنود في بيت الحكمة حيث قامَت بتطويرها، وأوروبا الحديثة استفادت لاحقًا من التراث العربي والإغريقي معًا. فالمعرفة الإنسانية لا تتقدّم بالمحو، بل بالتّراكم والنّقد والتُطوير.

إنّ تدمير الكتب والآثار لا يمحو الماضي كما يتخيّل البعض، بل يكشف غالبًا خوف السلطة الجديدة من قوّة الذاكرة. فالأفكار التي تحتاج إلى إحراق الكتب كي تعيش هي أفكار تخشَى المنافسة. أمّا الحضارات الواثقة من نفسها فهي لا تخاف من بقاء تراث مَنْ سَبَقَها، بل تدرسه وتناقشه وتبني فوقه. ولهذا فإنّ خسارة أيّ مكتبة أو مخطوط أو أثر تاريخي، مهما كان مصدره الدّينيّ أو القوميّ، هي في النهاية خسارة للإنسانية كلّها، لأنّ ذاكرة البشر المشترَكة تُبنى من تراكم كلّ تلك الحضارات التي تعاقبت على الأرض.

الشواهد والأحداث التاريخية المذكورة

الجدل حول إحراق مكتبة الإسكندرية بعد الفتح الإسلامي لمصر.

تدمير مكتبات بغداد عند الغزو المغولي سنة 1258.

حرق الكتب في عهد الإمبراطور الصيني تشين شي هوانغ.

إحراق الكتب في ألمانيا النازية سنة 1933.

تدمير التراث خلال الثورة الثقافية الصينية.

إحراق مخطوطات المايا والأزتك بعد الغزو الإسباني.

تدمير الآثار والمكتبات على يد تنظيم داعش في العراق وسوريا.

إغلاق أو تدمير بعض المعابد والنصوص الوثنية بعد انتشار المسيحية في الإمبراطورية الرومانية والشرق القديم.


المراجع

ابن القفطي، إخبار العلماء بأخبار الحكماء.

عبد اللطيف البغدادي، الإفادة والاعتبار.

Edward Gibbon، تاريخ اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية.

Will Durant، قصة الحضارة.

Hugh Kennedy، When Baghdad Ruled the Muslim World.

Lucien X. Polastron، Books on Fire: The Destruction of Libraries Throughout History.

Fernando Báez، A Universal History of the Destruction of Books.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:32 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke