حَقِيقَةُ النُّورِ المُقَدَّسِ فِي كَنِيسَةِ القِيَامَةِ: دِرَاسَةٌ تَجْمِيعِيَّةٌ ف
حَقِيقَةُ النُّورِ المُقَدَّسِ فِي كَنِيسَةِ القِيَامَةِ: دِرَاسَةٌ تَجْمِيعِيَّةٌ
فُؤَادُ زَادِيكِي
يُعْرَفُ الْحَدَثُ الَّذِي يُسَمَّى «النُّورَ المُقَدَّسَ» أَوْ «النَّارَ المُقَدَّسَةَ» بِأَنَّهُ طَقْسٌ دِينِيٌّ يَحْدُثُ سَنَوِيًّا فِي كَنِيسَةِ الْقِيَامَةِ فِي الْقُدْسِ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَسْبِقُ عِيدَ الْفِصْحِ عِنْدَ الْمَسِيحِيِّينَ. وَفِي هَذَا الْحَدَثِ يَجْتَمِعُ آلَافُ الْحُجَّاجِ وَالْمُؤْمِنِينَ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ وَحَوْلَهَا، حَيْثُ يَتِمُّ إِغْلَاقُ مَوْضِعِ الْقَبْرِ، الَّذِي يُعْتَقَدُ أَنَّهُ قَبْرُ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَطْرِيَرْكُ الْكَنِيسَةِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْيُونَانِيَّةِ وَحْدَهُ إِلَى الدَّاخِلِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَالتَّرَاتِيلِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ يَخْرُجُ حَامِلًا شُمُوعًا مُشْتَعِلَةً مِنْ نُورٍ يَظْهَرُ فِي الدَّاخِلِ دُونَ وَسَائِلَ إِشْعَالٍ ظَاهِرَةٍ، ثُمَّ يَتِمُّ تَمْرِيرُ هَذَا النُّورِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى شُمُوعِهِمْ وَيَنْتَشِرَ فِي أَنْحَاءِ الْكَنِيسَةِ.
وَتُفَسِّرُ الْكَنَائِسُ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ هَذَا الْحَدَثَ عَلَى أَنَّهُ عَامَلٌ رُوحِيٌّ وَإِشَارَةٌ إِلَى قِيَامَةِ الْمَسِيحِ فِي عِيدِ الْفِصْحِ، وَتَعْتَبِرُهُ بَعْضُ التَّقَالِيدِ دَلِيلًا عَلَى بَرَكَةٍ إِلَهِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ تَحْدُثُ فِي كُلِّ عَامٍ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ ذِي أَهَمِّيَّةٍ كُبْرَى لَدَى الْمَسِيحِيِّينَ. أَمَّا الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الطَّوَائِفِ الْمَسِيحِيَّةِ فَغَالِبًا مَا تَنْظُرُ إِلَى الْحَدَثِ بِوَصْفِهِ طَقْسًا تَارِيخِيًّا وَرَمْزِيًّا مُهِمًّا، دُونَ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ. وَفِي الْمُقَابِلِ، يَرَى بَعْضُ الْبَاحِثِينَ وَالْمُؤَرِّخِينَ أَنَّ الْحَدَثَ يَنْتَمِي إِلَى طَقُوسٍ دِينِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَطَوَّرَتْ عَبْرَ الْقُرُونِ دَاخِلَ كَنِيسَةِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَوَفَّرُ تَوْثِيقٌ عِلْمِيٌّ مُحَايِدٌ يُثْبِتُ حُصُولَ ظَاهِرَةٍ تَخْرُقُ الْقَوَانِينَ الطَّبِيعِيَّةَ.
وَقَدْ ظَهَرَتْ أُوْلَى الْإِشَارَاتِ التَّارِيخِيَّةِ إِلَى هَذَا النَّمَطِ مِنَ الطُّقُوسِ فِي وَصْفِ الرَّحَّالَةِ وَالْحُجَّاجِ الْمَسِيحِيِّينَ فِي الْعُصُورِ الْوُسْطَى، حَيْثُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ نُورٍ يَتَشَكَّلُ فِي لَيْلَةِ الْفِصْحِ دَاخِلَ الْقَبْرِ، ثُمَّ تَطَوَّرَتِ الرِّوَايَاتُ فِي فَتْرَاتٍ لَاحِقَةٍ خِلَالَ الْعَصْرِ الْبَيْزَنْطِيِّ ثُمَّ الْعُثْمَانِيِّ، حَيْثُ أَصْبَحَ الطَّقْسُ أَكْثَرَ تَثْبِيتًا وَتَنَظِيمًا وَمُتَكَرِّرًا بِشَكْلٍ سَنَوِيٍّ. وَمَعَ غِيَابِ وَسَائِلِ التَّصْوِيرِ وَالتَّوْثِيقِ الْحَدِيثِ فِي تِلْكَ الْفَتَرَاتِ، ظَلَّتِ الْمَعْرِفَةُ بِالْحَدَثِ مَبْنِيَّةً عَلَى شَهَادَاتِ الْمُعَايَنَةِ وَرِوَايَاتِ الرَّحَّالَةِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ فِي تَفَاصِيلِهَا.
وَفِي التَّفْسِيرِ الْعِلْمِيِّ وَالنَّقْدِيِّ لِلْحَدَثِ، يُشِيرُ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ مَا يُشَاهَدُ مِنْ نُورٍ وَاشْتِعَالٍ يَتِمُّ ضِمْنَ طُقُوسٍ دِينِيَّةٍ تَجْرِي دَاخِلَ مَكَانٍ مَحْدُودٍ وَمُغْلَقٍ جُزْئِيًّا، مِمَّا يَجْعَلُ مُلَاحَظَةَ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ أَمْرًا صَعْبًا. وَيُؤَكِّدُ التَّحْلِيلُ الطَّبِيعِيُّ أَنَّ النَّارَ فِي جَوْهَرِهَا نَارٌ عَادِيَّةٌ مِنْ شَمْعٍ أَوْ وَقُودٍ، وَأَنَّ مَا يُفَسِّرُ عَدَمَ الْإِحْرَاقِ فِي بَعْضِ اللَّحَظَاتِ الْأُولَى يَعُودُ إِلَى طَرِيقَةِ التَّمْرِيرِ السَّرِيعِ لِلشَّمْعِ وَبُعْدِ الْيَدِ عَنْ لَهِيبِهَا وَضَعْفِ الْهَبَّةِ فِي بَدَايَةِ الاشْتِعَالِ، وَلَيْسَ إِلَى اخْتِلَافٍ فِي الْقَوَانِينِ الطَّبِيعِيَّةِ لِلِاحْتِرَاقِ.
وَيَرْتَبِطُ دُخُولُ بَطْرِيَرْكِ الْأُرْثُوذُكْسِ وَحْدَهُ إِلَى الْقَبْرِ بِتَقَالِيدَ كَنَسِيَّةٍ وَاتِّفَاقَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ تَعُودُ إِلَى مَا يُعْرَفُ بِنِظَامِ «الْوَضْعِ الْقَائِمِ» فِي الْكَنِيسَةِ، حَيْثُ تَتَقَاسَمُ عِدَّةُ طَوَائِفَ مَسِيحِيَّةٍ الْمَكَانَ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ الدِّينِيَّةَ. وَيُفَسَّرُ هَذَا الدُّخُولُ الْفَرْدِيُّ دِينِيًّا عَلَى أَنَّهُ رَمْزٌ لِلتَّأَمُّلِ وَالْقَدَاسَةِ وَالِارْتِبَاطِ بِقِصَّةِ الْقِيَامَةِ، فِي حِينَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ تَارِيخِيًّا كَجُزْءٍ مِنْ تَنْظِيمِ طَقْسٍ مُعَقَّدٍ تَشَكَّلَ عَبْرَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ.
وَبِذَلِكَ يُمْكِنُ الْخُلُوصُ إِلَى أَنَّ ظَاهِرَةَ النُّورِ الْمُقَدَّسِ تَقِفُ عَلَى تَقَاطُعٍ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالتَّقْلِيدِ وَالتَّفْسِيرِ التَّارِيخِيِّ، حَيْثُ يَرَاهَا الْمُؤْمِنُونَ عُنْصُرًا رُوحِيًّا مُقَدَّسًا مُرْتَبِطًا بِالْفِصْحِ وَالْقِيَامَةِ، فِي حِينَ يَعُدُّهَا الْبَاحِثُونَ ظَاهِرَةً طَقْسِيَّةً قَدِيمَةً لَهَا بُنْيَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَتَارِيخِيَّةٌ مُمْتَدَّةٌ، دُونَ وُجُودِ إِثْبَاتٍ عِلْمِيٍّ قَاطِعٍ عَلَى طَبِيعَتِهَا الْخَارِقَةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|