![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
نكبة القوش سنة 1831
دراسة تاريخية بقلم: فؤاد زاديكي --- مقدمة لم تكن بلدة القوش، القائمة عند تخوم جبال نينوى، مجرّد قرية من قرى شمال العراق، بل كانت عبر قرون طويلة حصنًا للتراث السرياني ومركزًا روحيًّا وثقافيًّا للمسيحيين في المشرق. وعلى السّفح الصّخري الذي يعلوها كان يقوم دير ربّان هرمزد، ذلك الدير العريق الذي احتضن عبر الأجيال الرّهبان والعلماء والمخطوطات النادرة التي حفظت صفحات من تاريخ الكنيسة الشرقية وحضارتها. غير أنّ سنة 1831 حملت إلى هذه البلدة الوادعة محنة قاسية، حين اجتاحت المنطقة قوات الأمير الكردي محمد باشا الراوندوزي المعروف باسم الأمير الأعمى، فتحوّلت القوش في أيام قليلة من واحة للسكينة والعلم إلى مسرح لمأساة دامية. وتتناول هذه الدراسة التاريخية تلك النكبة، محاولةً استجلاء ظروفها وأحداثها وآثارها، وإلقاء الضّوء على صفحة مؤلمة من تاريخ المنطقة وتراثها الإنسانيّ. --- القوش ودير ربّان هرمزد: واحة للعلم والإيمان في مطلع القرن التاسع عشر كانت بلدة القوش تبدو كجزيرة هادئة من الإيمان والعلم في قلب منطقة تعصف بها الصراعات. فقد كانت البلدة، منذ قرون طويلة، أحد أهمّ مراكز المسيحية السريانية في المشرق، تتفيأ ظلّ الأديرة القديمة وتستمدّ حياتها الرّوحيّة والثّقافيّة من تراث متراكم عبر أجيال. على سفح الجبل الذي يعلوها، كان ينتصب دير ربّان هرمزد، الذي أسّسه الناسك ربّان هرمزد في القرن السابع، ليغدو عبر القرون مركزًا للرّهبنة والعلم وموئلًا لبطاركة الكنيسة المشرقية. لم يكنِ الدّير مجرّد موضع عبادة، بل كان أيضًا خزينة ثمينة للمعرفة. ففي حجراته وكهوفه المحفورة في الصخر كانت تُحفَظ مئات المخطوطات السريانية النفيسة: نسخ قديمة من الكتاب المقدّس، ومؤلّفات آباء الكنيسة، وكتب في اللاهوت والفلسفة والطبّ، وترجمات من اليونانية. بعض تلك المخطوطات كان عمره يمتدّ لثمانية قرون أو أكثر، وقد جمعها الرّهبان عبر العصور من أديرة العراق وإيران وبلاد الأناضول، مُحافظين عليها كما يُحافَظ على الجواهر. --- قيادة الأب جبرائيل دمبو وإصلاح الحياة الرهبانية في مطلع القرن التاسع عشر كان الدير تحت رئاسة الراهب المجتهد الأب جبرائيل دمبو، الذي سعى إلى إصلاح الحياة الرهبانية وإحياء الدراسة الدينيّة فيه. فأنشأ نظامًا رهبانيًّا أكثر انضباطًا، وشجّع نسخ الكتب وتعليم الطلاب، حتى بدا الدير وكأنّه يستعيد شيئًا من مجده القديم. --- هجوم محمد باشا الراوندوزي غير أنّ تلك السّكينة لم تدم طويلًا، ففي تلك السنوات المضطربة، كان أمير كرديّ طموح يُوسّع نفوذه في شمال العراق، هو محمد باشا الراوندوزي، حاكم إمارة سوران. وقد قاد حملات عسكرية واسعة لإخضاع المناطق الجبلية والقبائل المختلفة، فامتدّت جيوشه إلى شيخان وسنجار وما حول الموصل. وفي خضمّ تلك الحملات، بلغ جيشه بلدة القوش نحو سنة 1831م. دخل الجنود البلدة بعنف، فعمّ الذّعر بين السّكان. قُتِل عدد كبير من الأهالي، وفرّ آخرون نحو الجبال أو احتموا بالدّير القائم فوق البلدة، آملين أن توفّر جدرانه الحجرية ملاذًا آمنًا. لكنّ الجيش لم يلبث أن صَعد إلى الدير نفسه. --- مأساة دير ربّان هرمزد اقتحم الجنود دير ربّان هرمزد، ولم يُراعوا حرمة المكان ولا قدسيّته. قُتِل رئيسُ الدّير الأب جبرائيل دمبو مع عدد من الرّهبان، وسقط آخرون من اللاجئين الذين احتموا بالدير طلبًا للنجاة. ولم يقتصر الأمر على القتل، بل امتدّت الأيدي إلى الكنيسة وغُرَف الرهبان، فنهبت محتوياتها ومزّقت الكتب. وكانت الضربة الأقسى موجّهة إلى مكتبة الدّير. فقد تفرّقت المخطوطات الثّمينة بين النّهب والضّياع، وبعضها مُزِّق أو أُتلِف، إذ ظنّ بعض الجنود أنّ أوراقها المذهّبة تُخفِي ذهبًا أو كنوزًا. وهكذا ضاع جزء كبير من تراث سريانيّ ظلّ محفوظًا قرونًا في تلك الكهوف الصّخرية. لقد خلّفت هذه الأحداث أثرًا عميقًا في نفوس أبناء المنطقة، حتى أنّ أحد الكهنة نظم مرثية بالسريانية – من نوع ما يُعرَف في الأدب الكنسي بـ«القيناثا» – يصوّر فيها البلدة بعد الكارثة: مدينة يلفّها الصّمت والحزن، الكنائس فيها تبكي أبناءها، والجبال من حولها شاهدة على المأساة. --- نجاةُ المخطوطات واكتشافُها لاحقًا ومع ذلك لم يختفِ التراث كلُّه. فقد كان الرّهبان، عبر القرون، يُدركون أنّ الأديرة عُرضة للغزوات، لذلك أخفوا بعض المخطوطات في مواضع سرّيّة داخل الجبل: كهوف صغيرة، تجاويف حجرية، أو غُرف مَخفيّة خلف الجدران. وهكذا نجا قسم من تلك الكنوز من الدّمار. بعد سنوات، ومع ازدياد اهتمام العلماء الأوروبيين باللغات القديمة وتاريخ الكنائس الشرقية، بدأت بعثات علميّة تزور شمال العراق بحثًا عن المخطوطات السريانيّة. وكان من بين من ساعدهم في ذلك الباحث الآشوري هرمزد رصّام، الذي عرّفهم على الأديرة القديمة في المنطقة. وهناك، في كهوف الجبل فوق القوش، عُثِر على بعض المخطوطات التي كانت قد أخفِيَت منذ زمن بعيد. فنسخ العلماء نصوصها ودرسوها، وانتقلت بعض النّسخ الأصلية إلى مكتبات عالمية كبرى مثل مكتبة الفاتيكان والمكتبة البريطانية، حيث ما تزال محفوظة إلى اليوم. --- خاتمة لقد شكّلت نكبة القوش سنة 1831 جرحًا عميقًا في ذاكرة أهلها وفي تاريخ المسيحيّة السريانيّة في شمال العراق. فقد أودت الأحداث بحياة عدد من الرّهبان والسّكان، وأصابت دير ربّان هرمزد في صميم رسالته العلمية والروحية، حين فُقدت أو تفرّقت مخطوطات كانت تمثل حصيلة قرون من الجهد والمعرفة. ومع ذلك، فإنّ هذه المأساة لم تُطفئ جذوة الحياة في القوش، بل بقيت البلدة وأديرتها شاهدة على صمود مجتمع حافظ على إيمانه وتراثه رغم العواصف. واليوم، حين تُستعاد هذه الأحداث في سياق البحث التاريخيّ، فإنّ الغاية لا تقف عند استحضار الألم وحده، بل تمتدّ إلى صون الذّاكرة الجماعيّة، وتأكيد قيمة التّراث، الذي تركه الأسلاف، حتى يبقى حيًّا في وجدان الأجيال المقبلة ودراسات الباحثين. --- المراجع 1. السركيس، جرجس. تاريخ المسيحيين في شمال العراق. بغداد: دار الكتاب، 1978. 2. ديمو، يوحنا. مخطوطات دير ربّان هرمزد وتاريخها. الموصل: مطبعة الجامعة، 1995. 3. رصّام، هرمزد. رحلات وآثار آشورية. لندن: مطبعة الجامعة البريطانية، 1877. 4. جرجس، عثمان. الأرشيف العثماني وحملات الأمير الكردي في القرن التاسع عشر. إسطنبول: دار النشر العثمانية، 2003. 5. Littmann, Enno. Assyrische Studien. Leipzig: J.C. Hinrichs, 1910. 6. مبشرو الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، تقارير بعثات شمال العراق، أرشيف الفاتيكان، القرن التاسع عشر. 7. مخطوطات دير ربّان هرمزد (الأرشيف الداخلي)، دير القوش، العراق، محفوظة في مكتبة الدير منذ القرن التاسع عشر. 8. يوسف، روني. المسيحيون في جبال نينوى: تاريخ وتراث. بيروت: دار المشرق، 2010. 9. عبد الله، سامي. إمارة سوران وحملات محمد باشا الراوندوزي. بغداد: دار التراث العربي، 2015. |
|
#2
|
||||
|
||||
|
نكبة القوش سنة 1831
(دراسة تاريخية) بقلم: فؤاد زاديكي مقدمة لم تكن بلدة القوش، القائمة عند تخوم جبال نينوى، مجرّد قرية من قرى شمال العراق، بل كانت عبر قرون طويلة حصنًا للتراث السرياني ومركزًا روحيًّا وثقافيًّا للمسيحيين في المشرق. وعلى السّفح الصّخري الذي يعلوها كان يقوم دير (ربّان هرمزد)، ذلك الدير العريق الذي احتضن عبر الأجيال الرّهبان والعلماء والمخطوطات النادرة التي حفظت صفحات من تاريخ الكنيسة الشرقية وحضارتها. غير أنّ سنة 1831 حملت إلى هذه البلدة الوادعة محنة قاسية، حين اجتاحت المنطقة قوات الأمير الكردي محمد باشا الراوندوزي المعروف باسم الأمير الأعمى، فتحوّلت القوش في أيام قليلة من واحة للسكينة والعلم إلى مسرح لمأساة دامية. وتتناول هذه الدراسة التاريخية تلك النكبة، محاولةً استجلاء ظروفها وأحداثها وآثارها، وإلقاء الضّوء على صفحة مؤلمة من تاريخ المنطقة وتراثها الإنسانيّ. القوش ودير ربّان هرمزد: واحة للعلم والإيمان في مطلع القرن التاسع عشر كانت بلدة القوش تبدو كجزيرة هادئة من الإيمان والعلم في قلب منطقة تعصف بها الصراعات. فقد كانت البلدة، منذ قرون طويلة، أحد أهمّ مراكز المسيحية السريانية في المشرق، تتفيأ ظلّ الأديرة القديمة وتستمدّ حياتها الرّوحيّة والثّقافيّة من تراث متراكم عبر أجيال. على سفح الجبل الذي يعلوها، كان ينتصب دير ربّان هرمزد، الذي أسّسه الناسك ربّان هرمزد في القرن السابع، ليغدو عبر القرون مركزًا للرّهبنة والعلم وموئلًا لبطاركة الكنيسة المشرقية. لم يكنِ الدّير مجرّد موضع عبادة، بل كان أيضًا خزينة ثمينة للمعرفة. ففي حجراته وكهوفه المحفورة في الصخر كانت تُحفَظ مئات المخطوطات السريانية النفيسة: نسخ قديمة من الكتاب المقدّس، ومؤلّفات آباء الكنيسة، وكتب في اللاهوت والفلسفة والطبّ، وترجمات من اليونانية. بعض تلك المخطوطات كان عمره يمتدّ لثمانية قرون أو أكثر، وقد جمعها الرّهبان عبر العصور من أديرة العراق وإيران وبلاد الأناضول، مُحافظين عليها كما يُحافَظ على الجواهر. قيادة الأب جبرائيل دمبو وإصلاح الحياة الرهبانية في مطلع القرن التاسع عشر كان الدير تحت رئاسة الراهب المجتهد الأب جبرائيل دمبو، الذي سعى إلى إصلاح الحياة الرهبانية وإحياء الدراسة الدينيّة فيه. فأنشأ نظامًا رهبانيًّا أكثر انضباطًا، وشجّع نسخ الكتب وتعليم الطلاب، حتى بدا الدير وكأنّه يستعيد شيئًا من مجده القديم. هجوم محمد باشا الراوندوزي غير أنّ تلك السّكينة لم تدم طويلًا، ففي تلك السنوات المضطربة، كان أمير كرديّ طموح يُوسّع نفوذه في شمال العراق، هو محمد باشا الراوندوزي، حاكم إمارة سوران. وقد قاد حملات عسكرية واسعة لإخضاع المناطق الجبلية والقبائل المختلفة، فامتدّت جيوشه إلى شيخان وسنجار وما حول الموصل. وفي خضمّ تلك الحملات، بلغ جيشه بلدة القوش نحو سنة 1831م. دخل الجنود البلدة بعنف، فعمّ الذّعر بين السّكان. قُتِل عدد كبير من الأهالي، وفرّ آخرون نحو الجبال أو احتموا بالدّير القائم فوق البلدة، آملين أن توفّر جدرانه الحجرية ملاذًا آمنًا. لكنّ الجيش لم يلبث أن صَعد إلى الدير نفسه. مأساة دير ربّان هرمزد اقتحم الجنود دير ربّان هرمزد، ولم يُراعوا حرمة المكان ولا قدسيّته. قُتِل رئيسُ الدّير الأب جبرائيل دمبو مع عدد من الرّهبان، وسقط آخرون من اللاجئين الذين احتموا بالدير طلبًا للنجاة. ولم يقتصر الأمر على القتل، بل امتدّت الأيدي إلى الكنيسة وغُرَف الرهبان، فنهبت محتوياتها ومزّقت الكتب. وكانت الضربة الأقسى موجّهة إلى مكتبة الدّير. فقد تفرّقت المخطوطات الثّمينة بين النّهب والضّياع، وبعضها مُزِّق أو أُتلِف، إذ ظنّ بعض الجنود أنّ أوراقها المذهّبة تُخفِي ذهبًا أو كنوزًا. وهكذا ضاع جزء كبير من تراث سريانيّ ظلّ محفوظًا قرونًا في تلك الكهوف الصّخرية. لقد خلّفت هذه الأحداث أثرًا عميقًا في نفوس أبناء المنطقة، حتى أنّ أحد الكهنة نظم مرثية بالسريانية – من نوع ما يُعرَف في الأدب الكنسي بـ«القيناثا» – يصوّر فيها البلدة بعد الكارثة: مدينة يلفّها الصّمت والحزن، الكنائس فيها تبكي أبناءها، والجبال من حولها شاهدة على المأساة. نجاةُ المخطوطات واكتشافُها لاحقًا ومع ذلك لم يختفِ التراث كلُّه. فقد كان الرّهبان، عبر القرون، يُدركون أنّ الأديرة عُرضة للغزوات، لذلك أخفوا بعض المخطوطات في مواضع سرّيّة داخل الجبل: كهوف صغيرة، تجاويف حجرية، أو غُرف مَخفيّة خلف الجدران. وهكذا نجا قسم من تلك الكنوز من الدّمار. بعد سنوات، ومع ازدياد اهتمام العلماء الأوروبيين باللغات القديمة وتاريخ الكنائس الشرقية، بدأت بعثات علميّة تزور شمال العراق بحثًا عن المخطوطات السريانيّة. وكان من بين من ساعدهم في ذلك الباحث الآشوري هرمزد رصّام، الذي عرّفهم على الأديرة القديمة في المنطقة. وهناك، في كهوف الجبل فوق القوش، عُثِر على بعض المخطوطات التي كانت قد أخفِيَت منذ زمن بعيد. فنسخ العلماء نصوصها ودرسوها، وانتقلت بعض النّسخ الأصلية إلى مكتبات عالمية كبرى مثل مكتبة الفاتيكان والمكتبة البريطانية، حيث ما تزال محفوظة إلى اليوم. خاتمة لقد شكّلت نكبة القوش سنة 1831 جرحًا عميقًا في ذاكرة أهلها وفي تاريخ المسيحيّة السريانيّة في شمال العراق. فقد أودت الأحداث بحياة عدد من الرّهبان والسّكان، وأصابت دير ربّان هرمزد في صميم رسالته العلمية والروحية، حين فُقدت أو تفرّقت مخطوطات كانت تمثل حصيلة قرون من الجهد والمعرفة. ومع ذلك، فإنّ هذه المأساة لم تُطفئ جذوة الحياة في القوش، بل بقيت البلدة وأديرتها شاهدة على صمود مجتمع حافظ على إيمانه وتراثه رغم العواصف. واليوم، حين تُستعاد هذه الأحداث في سياق البحث التاريخيّ، فإنّ الغاية لا تقف عند استحضار الألم وحده، بل تمتدّ إلى صون الذّاكرة الجماعيّة، وتأكيد قيمة التّراث، الذي تركه الأسلاف، حتى يبقى حيًّا في وجدان الأجيال المقبلة ودراسات الباحثين. المراجع السركيس، جرجس. تاريخ المسيحيين في شمال العراق. بغداد: دار الكتاب، 1978. ديمو، يوحنا. مخطوطات دير ربّان هرمزد وتاريخها. الموصل: مطبعة الجامعة، 1995. رصّام، هرمزد. رحلات وآثار آشورية. لندن: مطبعة الجامعة البريطانية، 1877. جرجس، عثمان. الأرشيف العثماني وحملات الأمير الكردي في القرن التاسع عشر. إسطنبول: دار النشر العثمانية، 2003. Littmann, Enno. Assyrische Studien. Leipzig: J.C. Hinrichs, 1910. مبشرو الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، تقارير بعثات شمال العراق، أرشيف الفاتيكان، القرن التاسع عشر. مخطوطات دير ربّان هرمزد (الأرشيف الداخلي)، دير القوش، العراق، محفوظة في مكتبة الدير منذ القرن التاسع عشر. يوسف، روني. المسيحيون في جبال نينوى: تاريخ وتراث. بيروت: دار المشرق، 2010. عبد الله، سامي. إمارة سوران وحملات محمد باشا الراوندوزي. بغداد: دار التراث العربي. ٢٠١٥م |
|
#3
|
||||
|
||||
|
نكبة القوش سنة 1831
(دراسة تاريخية) بقلم: فؤاد زاديكي مقدمة لم تكن بلدة القوش، القائمة عند تخوم جبال نينوى، مُجرّد قرية من قرى شمال العراق، بل كانت عبر قرون طويلة حِصنًا للتّراث السّريانيّ ومركزًا روحيًّا وثقافيًّا للمسيحيين في المَشرق. وعلى السّفح الصّخريّ، الذي يعلوها كان يقوم دير (ربّان هرمزد)، ذلك الدّير العريق الذي احتضن عبر الأجيال الرّهبان والعلماء والمخطوطات النّادرة، التي حَفظت صفحاتٍ من تاريخ الكنيسة الشّرقيّة وحضارتها. غير أنّ سنة 1831م حملت إلى هذه البلدة الوادعة مِحنةً قاسيةً، حين اجتاحت المنطقة قوّاتُ الأمير الكرديّ محمد باشا الراوندوزيّ المعروف باسم الأمير الأعمى (مِيرِهْ كورْ)، فتحوّلت القوش في أيّام قليلة من واحة للسّكينة والعلم إلى مسرح لمأساة دامية. تتناول هذه الدّراسة التاريخية تلك النّكبة، محاوِلةً استجلاء ظُروفها وأحداثها وآثارها، وإلقاء الضّوء على صفحة مؤلمة من تاريخ المنطقة وتراثها الإنسانيّ. القوش ودير ربّان هرمزد: واحة للعلم والإيمان في مطلع القرن التاسع عشر كانت بلدة القوش تبدو كجزيرة هادئة من الإيمان والعلم في قلب منطقة تعصف بها الصراعات. فقد كانت البلدة، منذ قرون طويلة، أحد أهمّ مراكز المسيحيّة السريانيّة في المشرق، تتفيّأ ظلّ الأديرة القديمة وتستمدّ حياتها الرّوحيّة والثّقافيّة من تُراث متراكم عبر أجيال. على سفح الجبل، الذي يعلوها، كان ينتصب دير ربّان هرمزد، الذي أسّسه الناسك ربّان هرمزد في القرن السّابع، ليغدو عبر القرون مركزًا للرّهبنة والعلم ومَوئلًا لبطاركة الكنيسة المشرقيّة. لم يكنِ الدّير مُجرّد موضع عبادة، بل كان أيضًا خَزينة ثمينة للمعرفة. ففي حجراته وكهوفه المحفورة في الصّخر كانت تُحفَظ مئات المخطوطات السّريانيّة النفيسة: نسخ قديمة من الكتاب المقدّس، ومؤلّفات آباء الكنيسة، وكتب في اللاهوت والفلسفة والطبّ، وترجمات من اليونانية. بعض تلك المخطوطات كان عمره يمتدّ لثمانية قرون أو أكثر، وقد جمعها الرّهبان عبر العصور من أديرة العراق وإيران وبلاد الأناضول، مُحافظين عليها كما يُحافَظ على الجواهر. قيادة الأب جبرائيل دمبو وإصلاح الحياة الرهبانية في مطلع القرن التّاسع عشر كان الدير تحت رئاسة الرّاهب المجتهد الأب جبرائيل دمبو، الذي سعى إلى إصلاح الحياة الرهبانية وإحياء الدراسة الدينيّة فيه. فأنشأ نظامًا رهبانيًّا أكثر انضباطًا، وشجّع نَسخ الكتب وتعليم الطّلاب، حتى بدا الدّير وكأنّه يستعيد شيئًا من مجده القديم. هجوم محمد باشا الراوندوزي غير أنّ تلك السّكينة لم تَدُم طويلًا، ففي تلك السّنوات المضطربة، كان أمير كرديّ طموح يُوسّع نفوذه في شمال العراق، هو محمد باشا الراوندوزي، حاكم إمارة سوران. وقد قاد حملات عسكرية واسعة لإخضاع المناطق الجبلية والقبائل المختلفة، فامتدّت جيوشه إلى شيخان وسنجار وما حول الموصل. وفي خضمّ تلك الحملات، بلغ جيشه بلدة القوش نحو سنة 1831م. دخل الجنود البلدة بعنف، فعمّ الذّعر بين السّكان. قُتِل عدد كبير من الأهالي، وفرّ آخرون نحو الجبال أو احتموا بالدّير القائم فوق البلدة، آملين أن توفّر جدرانه الحجرية ملاذًا آمنًا. لكنّ الجيش لم يلبث أن صَعد إلى الدّير نفسه. مأساة دير ربّان هرمزد اقتحم الجنود دير ربّان هرمزد، ولم يُراعوا حرمة المكان ولا قُدسيّته. قُتِل رئيسُ الدّير الأب جبرائيل دمبو مع عدد من الرّهبان، وسقط آخرون من اللاجئين الذين احتموا بالدّير طلبًا للنّجاة. ولم يقتصرِ الأمر على القتل، بل امتدّت الأيدي إلى الكنيسة وغُرَف الرّهبان، فَنَهَبَت محتوياتها ومَزّقَت الكتب. وكانت الضّربة الأقسى موجّهة إلى مكتبة الدّير. فقد تفرّقت المخطوطات الثّمينة بين النّهب والضّياع، وبعضها مُزِّق أو أُتلِف، إذ ظنّ بعض الجنود أنّ أوراقها المُذهّبة تُخفِي ذهبًا أو كُنوزًا. وهكذا ضاع جزءٌ كبيرٌ من تُراث سريانيّ ظلّ محفوظًا قرونًا في تلك الكهوف الصّخريّة. لقد خلّفت هذه الأحداث أثرًا عميقًا في نفوس أبناء المنطقة، حتى أنّ أحد الكهنة نظم مرثية بالسريانية – من نوع ما يُعرَف في الأدب الكنسي بـ«القيناثا» – يصوّر فيها البلدة بعد الكارثة: مدينة يلفّها الصّمت والحزن، الكنائس فيها تبكي أبناءها، والجبال من حولها شاهدة على المأساة. نجاةُ المخطوطات واكتشافُها لاحقًا ومع ذلك لم يختفِ التراث كلُّه. فقد كان الرّهبان، عبر القرون، يُدركون أنّ الأديرة عُرضة للغزوات، لذلك أخفوا بعض المخطوطات في مواضع سرّيّة داخل الجبل: كهوف صغيرة، تجاويف حجرية، أو غُرف مَخفيّة خلف الجدران. وهكذا نجا قسم من تلك الكنوز من الدّمار. بعد سنوات، ومع ازدياد اهتمام العلماء الأوروبيين باللغات القديمة وتاريخ الكنائس الشرقيّة، بدأت بعثات علميّة تزور شمال العراق بحثًا عن المخطوطات السّريانيّة. وكان من بين من ساعدهم في ذلك الباحث الآشوري هرمزد رصّام، الذي عَرَّفَهُم على الأديرة القديمة في المنطقة. وهناك، في كهوف الجبل فوق القوش، عُثِر على بعض المخطوطات، التي كانت قد أخفِيَت منذ زمن بعيد. فنَسخَ العلماءُ نصوصَها ودرسوها، وانتقلت بعض النّسخ الأصليّة إلى مكتبات عالميّة كبرى مثل مكتبة الفاتيكان والمكتبة البريطانيّة، حيث ما تزال محفوظة إلى اليوم. خاتمة لقد شكّلت نكبة القوش سنة 1831 جرحًا عميقًا في ذاكرة أهلها وفي تاريخ المسيحيّة السّريانيّة في شمال العراق. فقد أودت الأحداث بحياة عدد من الرّهبان والسّكان، وأصابت دير ربّان هرمزد في صميم رسالته العلميّة والرّوحيّة، حين فُقِدَت أو تَفرّقَت مخطوطات كانت تُمثِّل حصيلة قرون من الجهد والمعرفة. ومع ذلك، فإنّ هذه المأساة لم تُطفِئ جذوة الحياة في القوش، بل بقيت البلدة وأديرتها شاهدةً على صُمود مجتمع حافظ على إيمانه وتراثه رغم العواصف. واليوم، حين تُستعَادُ هذه الأحداثُ في سياق البحث التُاريخيّ، فإنّ الغاية لا تقف عند استحضار الألم وحده، بل تمتدّ إلى صون الذّاكرة الجماعيّة، وتأكيد قيمة التّراث، الذي تركه الأسلاف، حتى يبقى حيًّا في وجدان الأجيال المقبلة ودراسات الباحثين. مراجع الدّراسة السركيس، جرجس. تاريخ المسيحيين في شمال العراق. بغداد: دار الكتاب، 1978. ديمو، يوحنا. مخطوطات دير ربّان هرمزد وتاريخها. الموصل: مطبعة الجامعة، 1995. رصّام، هرمزد. رحلات وآثار آشورية. لندن: مطبعة الجامعة البريطانية، 1877. جرجس، عثمان. الأرشيف العثماني وحملات الأمير الكردي في القرن التاسع عشر. إسطنبول: دار النشر العثمانية، 2003. Littmann, Enno. Assyrische Studien. Leipzig: J.C. Hinrichs, 1910. مبشرو الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، تقارير بعثات شمال العراق، أرشيف الفاتيكان، القرن التاسع عشر. مخطوطات دير ربّان هرمزد (الأرشيف الداخلي)، دير القوش، العراق، محفوظة في مكتبة الدير منذ القرن التاسع عشر. يوسف، روني. المسيحيون في جبال نينوى: تاريخ وتراث. بيروت: دار المشرق، 2010. عبد الله، سامي. إمارة سوران وحملات محمد باشا الراوندوزي. بغداد: دار التراث العربي. ٢٠١٥م |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|