ظاهرة مزاد الزيتونة لدى الكنيسة السريانية بقلم: فؤاد زاديكي تُعدّ ظاهرة "مزاد الزيت
ظاهرة مزاد الزيتونة لدى الكنيسة السريانية
بقلم: فؤاد زاديكي
تُعدّ ظاهرة "مزاد الزيتونة" من الممارسات، التي عرفتها الكنائس السريانية والمشرقية لسنوات طويلة، وهي عادة اجتماعية ارتبطت بمناسبات دينية مثل "أحد الشعانين". ورغم أنّها بدأت في سياق تاريخي لدعم الكنيسة واحتياجاتها المالية، إلّا أنّها تحمل في طياتها أبعادًا تُثير الجدل من المنظورَين الرّوحي والاجتماعي.
لم تنشأ هذه العادة تاريخيًّا، كعقيدة كنسية أو نصّ ليتورجي، بل بدأت كنوع من "النذر" (Doro) لدعم الأوقاف الكنسية والفقراء في فترات كانت الرعايا تفتقر فيها إلى مصادر دخل ثابتة. ويُرمَز لغصن الزيتون كرسالة سلام وبركة، وكان التنافس على شرائه يُفسَّر قديمًا كسباق في عمل الخير والمشاركة الجماعية بين أبناء الرعية الواحدة.
مع مرور الوقت، انحرفت هذه الممارسة عن جوهرها الإيماني لتتحوّل إلى وسيلة "للفخفخة الفارغة" والاستعراض الاجتماعي، وهو ما يتعارض كلّيًّا مع روح التّواضع المسيحي. وتتجلّى هذه المظاهر السّلبية في عدّة نقاط:
١ - التّكريس الطبقي: يتحوّل المزاد إلى صراع نفوذ بين الأغنياء والوجهاء، ممّا يُحَوِّل "البركة" إلى سِلعة تُبَاع لِمَنْ يملك المال، ويدفع أكثر وهذا يخلق شعورًا بالدّونية والنّقص لدى الفقراء، الذين يشاهدون مشهدًا يغيب عنه مبدأ المساواة الروحية.
٢ - التّظاهر الكاذب: في حالات كثيرة، كان المزاد يَرسُو على أشخاص بدافع الوجاهة الاجتماعية فقط، حيث يُسمع صوت المنادي بوضوح وهو يرفع القيمة: "الزيتونة على فلان بمائة... وفلان دفع مائة وخمسين... ثم ثلاثمائة" حتى قد تتجاوز الألف. والمفارقة أنّ الكثيرين ممّن كان يَرسُو عليهم المزاد قد لا يدفعون المبلغ كاملًا أو يتهرّبون مِن دفعه لاحقًا، ممّا يُثبت أنّ الهدف كان "الظُّهور" لا "العطاء".
٣ - مناقضة جوهر الإنجيل: إنّ تحويل باحة الكنيسة إلى ساحة للمزايدات العلنية يشوّه الرّوح الكنسية، ويذكرنا بموقف السيد المسيح من قلب طاولات الصّيارفة. فالعطاء الحقيقي بحسب الإنجيل هو الذي لا تَعرِف فيه "الشّمال ما تفعله اليمين"، بينما المزاد يجعل العطاء مشروطًا بالصّيت العلني.
إنّ هذه الصورة تشكّل تشويهًا للروح الكنسية الصافية، فهي ممارسة اجتماعية دخلت باحة الكنيسة واستمرّت كعُرف لتأمين المصاريف، لكنّها في جوهرها تفتقر للمدلول الكنسيّ الرسميّ. إنّ استمرارَها بهذا الشّكل التقليدي يَخدش وجه الكنيسة الجامعة، ويُحوِّل الرمزية الروحية لغصن الزيتون إلى أداة للتّفرقة بدلًا من أن تكون جسرًا للسلام والمساواة بين جميع المؤمنين، أغنياءً وفقراء.
أذكر جيّدًا حين كنّا في ديريك وأيّام تلك المناسبة، كم كانت تحصل حالات شجار بين الأغنياء، الذين كانوا يتناحرون فيما بينهم للحصول على الزيتونة، فقط من أجل إظهار أنّ ذلك بمقدورهم، وهم أكثر إيمانًا من غيرهم، كما كان يُتَهَيّأ لهم. مواقف كانت تبعث على الحزن والأسف، ومع ذلك فهي كانت تحصل وتتكرّر في كلّ عام في أحد الشّعانين.
__________________
fouad.hanna@online.de
|