![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
حِينَ يَكْبُرُ الْخَوْفُ فِي أَعْيُنِنَا
بِقَلَمِ: الْبَاحِثِ فُؤَادِ زَادِيكِي فِي رِحْلَةِ الْحَيَاةِ، لَا يَسِيرُ الْإِنْسَانُ دَائِمًا فِي الطُّرُقِ الَّتِي اخْتَارَهَا، وَلَا تَأْتِي الْأَيَّامُ كُلُّهَا عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي يَتَمَنَّاهَا، فَقَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ فَجْأَةً أَمَامَ مَوْقِفٍ يُرْبِكُهُ، أَوْ تَحَدٍّ يَرَاهُ أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِهِ، أَوْ طَرِيقٍ يَظُنُّهُ شَدِيدَ الْوُعُورَةِ حَتَّى يَخَالَ أَنَّهُ جَبَلٌ لَا يُمْكِنُ تَسَلُّقُهُ، وَغَيْمَةٌ بَعِيدَةٌ لَا تَطَالُهَا يَدُهُ. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ، يَتَسَلَّلُ الْخَوْفُ إِلَى النَّفْسِ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَكْبُرَ فِيهَا حَتَّى يُصْبِحَ هُوَ الصَّوْتَ الْأَعْلَى. تَبْدَأُ الْأَسْئِلَةُ بِالتَّهَافُتِ: مَاذَا لَوْ فَشِلْتُ؟ مَاذَا لَوْ سَاءَتِ الْأُمُورُ؟ مَاذَا لَوْ لَمْ أَجِدْ مَخْرَجًا؟ وَهَكَذَا يَنْتَقِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ مُوَاجَهَةِ مَا هُوَ قَائِمٌ إِلَى الْخَوْفِ مِمَّا قَدْ يَكُونُ، فَيَعِيشُ أَحْدَاثًا لَمْ تَقَعْ، وَيَتْعَبُ مِنْ نَتَائِجَ لَمْ تَحْدُثْ بَعْدُ. وَهُنَا تَكْمُنُ إِحْدَى مُشْكِلَاتِ الْقَلَقِ الْكُبْرَى: أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِالْوَاقِعِ، بَلْ يُضِيفُ إِلَيْهِ مِنْ خَيَالِهِ مَا يَكْفِي لِإِرْهَاقِ صَاحِبِهِ. فَالْمُشْكِلَةُ قَدْ تَكُونُ مَحْدُودَةً، لَكِنَّ الْخَوْفَ يُوَسِّعُ حُدُودَهَا. وَالْعَقَبَةُ قَدْ تَكُونُ قَابِلَةً لِلْحَلِّ، لَكِنَّ الْقَلَقَ يُقْنِعُنَا بِأَنَّهَا نِهَايَةُ الطَّرِيقِ. وَمَا كَانَ مُجَرَّدَ احْتِمَالٍ يَتَحَوَّلُ فِي أَذْهَانِنَا إِلَى حَقِيقَةٍ مُؤَكَّدَةٍ، حَتَّى نَبْدَأَ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى أَسَاسِ الْخَوْفِ لَا عَلَى أَسَاسِ الْوَاقِعِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي لَحْظَةِ الاضْطِرَابِ هُوَ أَنْ يَهْدَأَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ. لَيْسَ كُلُّ مَا نَشْعُرُ بِهِ حَقِيقَةً، وَلَيْسَ كُلُّ مَا نَخَافُهُ جَدِيرًا بِأَنْ نُصَدِّقَهُ. وَالْمَشَاعِرُ، عَلَى صِدْقِهَا، لَيْسَتْ دَائِمًا دَلِيلًا دَقِيقًا عَلَى حَقِيقَةِ الْأَشْيَاءِ. قَدْ نَشْعُرُ بِأَنَّ الْأَمْرَ أَكْبَرُ مِنْ قُدْرَتِنَا، بَيْنَمَا تَكُونُ قُدْرَتُنَا أَكْبَرَ مِمَّا نَتَصَوَّرُ، وَقَدْ نَشْعُرُ بِأَنَّ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا مُغْلَقَةٌ، بَيْنَمَا يَكُونُ هُنَاكَ بَابٌ وَاحِدٌ فَقَطْ لَمْ نَنْتَبِهْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ شَغَلَنَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْجُدْرَانِ. وَمِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ يَسْأَلَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ: مَا الَّذِي يَحْدُثُ فِعْلًا؟ وَمَا الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ مِنْ مَخَاوِفِي؟ مَا الَّذِي أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ، وَمَا الَّذِي لَا أَمْلِكُ تَغْيِيرَهُ؟ وَمَا الْخُطْوَةُ الَّتِي يُمْكِنُنِي الْقِيَامُ بِهَا الْآنَ، بَدَلَ أَنْ أُرْهِقَ نَفْسِي بِالتَّفْكِيرِ فِي الطَّرِيقِ كُلِّهِ؟ فَالْحَيَاةُ لَا تَطْلُبُ مِنَّا دَائِمًا أَنْ نَعْرِفَ كَيْفَ سَنَصِلُ إِلَى النِّهَايَةِ، وَإِنَّمَا تَطْلُبُ مِنَّا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ أَنْ نُحْسِنَ اخْتِيَارَ الْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ. إِنَّ الْجَبَلَ لَا يُصْعَدُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا بِخُطُوَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ؛ وَكَذَلِكَ مُشْكِلَاتُ الْحَيَاةِ. حِينَ نَنْظُرُ إِلَيْهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً تَبْدُو ثَقِيلَةً وَمُخِيفَةً، أَمَّا حِينَ نُقَسِّمُهَا إِلَى أَجْزَاءٍ، وَنَتَعَامَلُ مَعَ كُلِّ جُزْءٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ صُعُوبَتِهَا يَتَرَاجَعُ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الرَّوِيَّةِ. فَكَمْ مِنْ قَرَارٍ اتَّخَذَهُ الْإِنْسَانُ فِي لَحْظَةِ خَوْفٍ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ حِينَ هَدَأَتْ نَفْسُهُ! وَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ قَالَهَا تَحْتَ ضَغْطِ الْغَضَبِ، أَوْ خُطْوَةٍ أَقْدَمَ عَلَيْهَا تَحْتَ وَطْأَةِ الْقَلَقِ، ثُمَّ اكْتَشَفَ أَنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ قَلِيلًا لَرَأَى الْأُمُورَ بِصُورَةٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا. لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالرَّوِيَّةِ أَنْ نَهْرُبَ مِنَ الْمُشْكِلَةِ أَوْ نُؤَجِّلَ وَاجِبَاتِنَا، وَإِنَّمَا أَنْ نُعْطِيَ الْعَقْلَ فُرْصَةً كَيْ يَعْمَلَ بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ الانْفِعَالِ. فَالنَّفْسُ الْمُضْطَرِبَةُ تَرَى الْأَشْيَاءَ مِنْ خِلَالِ اضْطِرَابِهَا، أَمَّا النَّفْسُ الْهَادِئَةُ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَزِنَهَا بِقَدْرٍ أَكْبَرَ مِنَ الْإِنْصَافِ. وَالْقُوَّةُ، فِي هَذَا السِّيَاقِ، لَا تَعْنِي أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ مُدَّعِيًا أَنَّهُ لَا يَخَافُ. فَالْخَوْفُ شُعُورٌ طَبِيعِيٌّ، وَالضَّعْفُ لَحْظَةٌ بَشَرِيَّةٌ، وَالانْكِسَارُ أَحْيَانًا جُزْءٌ مِنَ التَّجْرِبَةِ. لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الْقَوِيِّ وَالْإِنْسَانِ الْمُسْتَسْلِمِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَشْعُرُ بِالْخَوْفِ ثُمَّ يَسْتَعِيدُ زِمَامَ نَفْسِهِ، أَمَّا الثَّانِي فَيَتْرُكُ الْخَوْفَ يَتَّخِذُ عَنْهُ قَرَارَاتِهِ. يُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ: أَنَا خَائِفٌ، لَكِنَّنِي سَأُفَكِّرُ. وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ: الطَّرِيقُ صَعْبٌ، لَكِنَّنِي سَأَبْدَأُ. وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ: لَا أَعْرِفُ مَاذَا سَيَحْدُثُ، لَكِنَّنِي لَنْ أَعِيشَ الْيَوْمَ فِي خَوْفِ الْغَدِ. وَهَذَا مِنْ أَنْضَجِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ الْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ: أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يَمْلِكُهُ وَمَا لَا يَمْلِكُهُ. فَنَحْنُ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَحَكَّمَ فِي كُلِّ الظُّرُوفِ، وَلَا فِي آرَاءِ النَّاسِ، وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا فِي تَقَلُّبَاتِ الْأَيَّامِ. لَكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَحَكَّمَ فِي طَرِيقَةِ اسْتِجَابَتِنَا، وَفِي مِقْدَارِ مَا نَبْذُلُهُ مِنْ جُهْدٍ، وَفِي الْقَرَارَاتِ الَّتِي نَتَّخِذُهَا، وَفِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نُحَافِظُ بِهَا عَلَى اتِّزَانِنَا حِينَ تَضْطَرِبُ الْأَشْيَاءُ مِنْ حَوْلِنَا. وَقَدْ يَكُونُ قَبُولُ مَا لَا نَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ جُزْءًا مِنَ الْقُوَّةِ، وَلَيْسَ اسْتِسْلَامًا لَهَا. فَلَيْسَ مَعْنَى الْمُقَاوَمَةِ أَنْ نُحَارِبَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا أَنْ نَبْذُلَ مَا نَسْتَطِيعُ فِيمَا نَسْتَطِيعُ، ثُمَّ نَتْرُكَ مَا وَرَاءَ قُدْرَتِنَا دُونَ أَنْ نَسْتَهْلِكَ أَرْوَاحَنَا فِي مُحَاوَلَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهِ. وَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْكَ مَوْقِفٌ مَا، فَلَا تَحْمِلْ نَفْسَكَ عِبْءَ الْغَدِ كُلَّهُ. عَالِجْ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ الْيَوْمَ. خُذْ بِالْأَسْبَابِ، اطْلُبِ الْمَشُورَةَ، أَصْلِحْ مَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ، وَتَعَلَّمْ مِنَ الْخَطَإِ إِنْ أَخْطَأْتَ. وَلَا تَجْعَلْ تَعَثُّرًا وَاحِدًا حُكْمًا نِهَائِيًّا عَلَى قُدْرَتِكَ، فَالْإِنْسَانُ لَا يُقَاسُ بِعَدَدِ الْمَرَّاتِ الَّتِي سَقَطَ فِيهَا، وَإِنَّمَا بِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّهُوضِ وَاسْتِئْنَافِ الطَّرِيقِ. وَلْنَتَذَكَّرْ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ الْمَخَاوِفِ لَا تَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الْحُضُورِ فِي حَيَاتِنَا. لَقَدْ مَرَرْنَا مِنْ قَبْلُ بِأَيَّامٍ ظَنَنَّا أَنَّنَا لَنْ نَتَجَاوَزَهَا، ثُمَّ تَجَاوَزْنَاهَا. وَأَحَاطَتْ بِنَا مُشْكِلَاتٌ حَسِبْنَا أَنَّهَا سَتَبْقَى طَوِيلًا، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَعْدَ زَمَنٍ مُجَرَّدَ ذِكْرَى. وَمَا أَكْثَرَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أَخَافَتْنَا بِالْأَمْسِ، وَلَمْ يَعُدْ لَهَا الْيَوْمَ فِي نُفُوسِنَا إِلَّا أَثَرٌ خَافِتٌ. لِذَلِكَ لَا تَجْعَلْ لَحْظَةً وَاحِدَةً تُقْنِعُكَ بِأَنَّ الْحَيَاةَ كُلَّهَا قَدْ ضَاقَتْ. فَرُبَّمَا كَانَ مَا تَرَاهُ نِهَايَةً مُجَرَّدَ مُنْعَطَفٍ، وَمَا تَظُنُّهُ سُقُوطًا بِدَايَةً لِتَعَلُّمٍ جَدِيدٍ، وَمَا تَخْشَاهُ الْيَوْمَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي سَتَكْتَشِفُ غَدًا أَنَّهُ عَلَّمَكَ كَيْفَ تَكُونُ أَكْثَرَ حِكْمَةً وَثَبَاتًا. إِنَّ رِحْلَةَ الْحَيَاةِ لَا تَخْلُو مِنَ الْجِبَالِ، لَكِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مُطَالَبًا بِأَنْ يَهْزِمَ الْجَبَلَ دُفْعَةً وَاحِدَةً. يَكْفِي أَنْ يَبْدَأَ بِالصُّعُودِ. وَلَا تَخْلُو مِنَ الْغُيُومِ، لَكِنَّ الْغَيْمَةَ مَهْمَا اشْتَدَّتْ لَا تَعْنِي أَنَّ الشَّمْسَ غَابَتْ إِلَى الْأَبَدِ. فَإِذَا دَاهَمَكَ الْخَوْفُ، فَلَا تَسْتَسْلِمْ لَهُ، وَإِذَا اضْطَرَبَتْ رُؤْيَتُكَ، فَلَا تَتَعَجَّلِ الْحُكْمَ، وَإِذَا ثَقُلَ الطَّرِيقُ، فَقَسِّمْهُ إِلَى خُطُوَاتٍ. اهْدَأْ، وَفَكِّرْ، وَخُذْ بِالْأَسْبَابِ، وَاسْتَعِنْ بِمَنْ تَثِقُ بِهِمْ، ثُمَّ امْضِ. فَلَيْسَتِ الشَّجَاعَةُ أَنْ نَمْضِيَ فِي الْحَيَاةِ دُونَ خَوْفٍ، فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَمْلِكُهُ بَشَرٌ؛ وَإِنَّمَا الشَّجَاعَةُ أَنْ نَشْعُرَ بِالْخَوْفِ، ثُمَّ نَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ الصَّحِيحِ، وَنَسْتَعِيدَ لِأَنْفُسِنَا حَقَّهَا فِي التَّفْكِيرِ وَالاخْتِيَارِ. وَفِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، قَدْ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَخْتَارَ كُلَّ مَا يَحْدُثُ لَنَا، لَكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَخْتَارَ أَلَّا نَسْمَحَ لِمَا يَحْدُثُ لَنَا بِأَنْ يَهْزِمَنَا مِنَ الدَّاخِلِ. فَلَا تَجْعَلِ الْخَوْفَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَقِيقَةِ، وَلَا تَجْعَلِ الْغَيْمَةَ تَحْجُبُ عَنْكَ اتِّسَاعَ السَّمَاءِ، وَلَا تَجْعَلْ عَثْرَةً فِي الطَّرِيقِ تُقْنِعُكَ بِأَنَّ الرِّحْلَةَ انْتَهَتْ. فَفِي رِحْلَةِ الْحَيَاةِ، كَثِيرًا مَا يَكُونُ الطَّرِيقُ الَّذِي أَخَافَنَا هُوَ نَفْسُهُ الطَّرِيقَ الَّذِي اكْتَشَفْنَا فِيهِ قُوَّتَنَا. الْبَاحِثُ فُؤَادُ زَادِيكِي |
|
#2
|
||||
|
||||
|
حِينَ يَكْبُرُ الْخَوْفُ فِي أَعْيُنِنَا
بِقَلَمِ: الْبَاحِثِ فُؤَادِ زَادِيكِي فِي رِحْلَةِ الْحَيَاةِ، لَا يَسِيرُ الْإِنْسَانُ دَائِمًا فِي الطُّرُقِ الَّتِي اخْتَارَهَا، وَلَا تَأْتِي الْأَيَّامُ كُلُّهَا عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي يَتَمَنَّاهَا، فَقَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ فَجْأَةً أَمَامَ مَوْقِفٍ يُرْبِكُهُ، أَوْ تَحَدٍّ يَرَاهُ أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِهِ، أَوْ طَرِيقٍ يَظُنُّهُ شَدِيدَ الْوُعُورَةِ حَتَّى يَخَالَ أَنَّهُ جَبَلٌ لَا يُمْكِنُ تَسَلُّقُهُ، وَغَيْمَةٌ بَعِيدَةٌ لَا تَطَالُهَا يَدُهُ. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ، يَتَسَلَّلُ الْخَوْفُ إِلَى النَّفْسِ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَكْبُرَ فِيهَا حَتَّى يُصْبِحَ هُوَ الصَّوْتَ الْأَعْلَى. تَبْدَأُ الْأَسْئِلَةُ بِالتَّهَافُتِ: مَاذَا لَوْ فَشِلْتُ؟ مَاذَا لَوْ سَاءَتِ الْأُمُورُ؟ مَاذَا لَوْ لَمْ أَجِدْ مَخْرَجًا؟ وَهَكَذَا يَنْتَقِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ مُوَاجَهَةِ مَا هُوَ قَائِمٌ إِلَى الْخَوْفِ مِمَّا قَدْ يَكُونُ، فَيَعِيشُ أَحْدَاثًا لَمْ تَقَعْ، وَيَتْعَبُ مِنْ نَتَائِجَ لَمْ تَحْدُثْ بَعْدُ. وَهُنَا تَكْمُنُ إِحْدَى مُشْكِلَاتِ الْقَلَقِ الْكُبْرَى: أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِالْوَاقِعِ، بَلْ يُضِيفُ إِلَيْهِ مِنْ خَيَالِهِ مَا يَكْفِي لِإِرْهَاقِ صَاحِبِهِ. فَالْمُشْكِلَةُ قَدْ تَكُونُ مَحْدُودَةً، لَكِنَّ الْخَوْفَ يُوَسِّعُ حُدُودَهَا. وَالْعَقَبَةُ قَدْ تَكُونُ قَابِلَةً لِلْحَلِّ، لَكِنَّ الْقَلَقَ يُقْنِعُنَا بِأَنَّهَا نِهَايَةُ الطَّرِيقِ. وَمَا كَانَ مُجَرَّدَ احْتِمَالٍ يَتَحَوَّلُ فِي أَذْهَانِنَا إِلَى حَقِيقَةٍ مُؤَكَّدَةٍ، حَتَّى نَبْدَأَ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى أَسَاسِ الْخَوْفِ لَا عَلَى أَسَاسِ الْوَاقِعِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي لَحْظَةِ الاضْطِرَابِ هُوَ أَنْ يَهْدَأَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ. لَيْسَ كُلُّ مَا نَشْعُرُ بِهِ حَقِيقَةً، وَلَيْسَ كُلُّ مَا نَخَافُهُ جَدِيرًا بِأَنْ نُصَدِّقَهُ. وَالْمَشَاعِرُ، عَلَى صِدْقِهَا، لَيْسَتْ دَائِمًا دَلِيلًا دَقِيقًا عَلَى حَقِيقَةِ الْأَشْيَاءِ. قَدْ نَشْعُرُ بِأَنَّ الْأَمْرَ أَكْبَرُ مِنْ قُدْرَتِنَا، بَيْنَمَا تَكُونُ قُدْرَتُنَا أَكْبَرَ مِمَّا نَتَصَوَّرُ، وَقَدْ نَشْعُرُ بِأَنَّ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا مُغْلَقَةٌ، بَيْنَمَا يَكُونُ هُنَاكَ بَابٌ وَاحِدٌ فَقَطْ لَمْ نَنْتَبِهْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ شَغَلَنَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْجُدْرَانِ. وَمِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ يَسْأَلَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ: مَا الَّذِي يَحْدُثُ فِعْلًا؟ وَمَا الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ مِنْ مَخَاوِفِي؟ مَا الَّذِي أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ، وَمَا الَّذِي لَا أَمْلِكُ تَغْيِيرَهُ؟ وَمَا الْخُطْوَةُ الَّتِي يُمْكِنُنِي الْقِيَامُ بِهَا الْآنَ، بَدَلَ أَنْ أُرْهِقَ نَفْسِي بِالتَّفْكِيرِ فِي الطَّرِيقِ كُلِّهِ؟ فَالْحَيَاةُ لَا تَطْلُبُ مِنَّا دَائِمًا أَنْ نَعْرِفَ كَيْفَ سَنَصِلُ إِلَى النِّهَايَةِ، وَإِنَّمَا تَطْلُبُ مِنَّا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ أَنْ نُحْسِنَ اخْتِيَارَ الْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ. إِنَّ الْجَبَلَ لَا يُصْعَدُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا بِخُطُوَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ؛ وَكَذَلِكَ مُشْكِلَاتُ الْحَيَاةِ. حِينَ نَنْظُرُ إِلَيْهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً تَبْدُو ثَقِيلَةً وَمُخِيفَةً، أَمَّا حِينَ نُقَسِّمُهَا إِلَى أَجْزَاءٍ، وَنَتَعَامَلُ مَعَ كُلِّ جُزْءٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ صُعُوبَتِهَا يَتَرَاجَعُ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الرَّوِيَّةِ. فَكَمْ مِنْ قَرَارٍ اتَّخَذَهُ الْإِنْسَانُ فِي لَحْظَةِ خَوْفٍ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ حِينَ هَدَأَتْ نَفْسُهُ! وَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ قَالَهَا تَحْتَ ضَغْطِ الْغَضَبِ، أَوْ خُطْوَةٍ أَقْدَمَ عَلَيْهَا تَحْتَ وَطْأَةِ الْقَلَقِ، ثُمَّ اكْتَشَفَ أَنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ قَلِيلًا لَرَأَى الْأُمُورَ بِصُورَةٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا. لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالرَّوِيَّةِ أَنْ نَهْرُبَ مِنَ الْمُشْكِلَةِ أَوْ نُؤَجِّلَ وَاجِبَاتِنَا، وَإِنَّمَا أَنْ نُعْطِيَ الْعَقْلَ فُرْصَةً كَيْ يَعْمَلَ بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ الانْفِعَالِ. فَالنَّفْسُ الْمُضْطَرِبَةُ تَرَى الْأَشْيَاءَ مِنْ خِلَالِ اضْطِرَابِهَا، أَمَّا النَّفْسُ الْهَادِئَةُ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَزِنَهَا بِقَدْرٍ أَكْبَرَ مِنَ الْإِنْصَافِ. وَالْقُوَّةُ، فِي هَذَا السِّيَاقِ، لَا تَعْنِي أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ مُدَّعِيًا أَنَّهُ لَا يَخَافُ. فَالْخَوْفُ شُعُورٌ طَبِيعِيٌّ، وَالضَّعْفُ لَحْظَةٌ بَشَرِيَّةٌ، وَالانْكِسَارُ أَحْيَانًا جُزْءٌ مِنَ التَّجْرِبَةِ. لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الْقَوِيِّ وَالْإِنْسَانِ الْمُسْتَسْلِمِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَشْعُرُ بِالْخَوْفِ ثُمَّ يَسْتَعِيدُ زِمَامَ نَفْسِهِ، أَمَّا الثَّانِي فَيَتْرُكُ الْخَوْفَ يَتَّخِذُ عَنْهُ قَرَارَاتِهِ. يُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ: أَنَا خَائِفٌ، لَكِنَّنِي سَأُفَكِّرُ. وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ: الطَّرِيقُ صَعْبٌ، لَكِنَّنِي سَأَبْدَأُ. وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ: لَا أَعْرِفُ مَاذَا سَيَحْدُثُ، لَكِنَّنِي لَنْ أَعِيشَ الْيَوْمَ فِي خَوْفِ الْغَدِ. وَهَذَا مِنْ أَنْضَجِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ الْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ: أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يَمْلِكُهُ وَمَا لَا يَمْلِكُهُ. فَنَحْنُ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَحَكَّمَ فِي كُلِّ الظُّرُوفِ، وَلَا فِي آرَاءِ النَّاسِ، وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا فِي تَقَلُّبَاتِ الْأَيَّامِ. لَكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَحَكَّمَ فِي طَرِيقَةِ اسْتِجَابَتِنَا، وَفِي مِقْدَارِ مَا نَبْذُلُهُ مِنْ جُهْدٍ، وَفِي الْقَرَارَاتِ الَّتِي نَتَّخِذُهَا، وَفِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نُحَافِظُ بِهَا عَلَى اتِّزَانِنَا حِينَ تَضْطَرِبُ الْأَشْيَاءُ مِنْ حَوْلِنَا. وَقَدْ يَكُونُ قَبُولُ مَا لَا نَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ جُزْءًا مِنَ الْقُوَّةِ، وَلَيْسَ اسْتِسْلَامًا لَهَا. فَلَيْسَ مَعْنَى الْمُقَاوَمَةِ أَنْ نُحَارِبَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا أَنْ نَبْذُلَ مَا نَسْتَطِيعُ فِيمَا نَسْتَطِيعُ، ثُمَّ نَتْرُكَ مَا وَرَاءَ قُدْرَتِنَا دُونَ أَنْ نَسْتَهْلِكَ أَرْوَاحَنَا فِي مُحَاوَلَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهِ. وَإِذَا اشْتَدَّ عَلَيْكَ مَوْقِفٌ مَا، فَلَا تَحْمِلْ نَفْسَكَ عِبْءَ الْغَدِ كُلَّهُ. عَالِجْ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ الْيَوْمَ. خُذْ بِالْأَسْبَابِ، اطْلُبِ الْمَشُورَةَ، أَصْلِحْ مَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ، وَتَعَلَّمْ مِنَ الْخَطَإِ إِنْ أَخْطَأْتَ. وَلَا تَجْعَلْ تَعَثُّرًا وَاحِدًا حُكْمًا نِهَائِيًّا عَلَى قُدْرَتِكَ، فَالْإِنْسَانُ لَا يُقَاسُ بِعَدَدِ الْمَرَّاتِ الَّتِي سَقَطَ فِيهَا، وَإِنَّمَا بِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّهُوضِ وَاسْتِئْنَافِ الطَّرِيقِ. وَلْنَتَذَكَّرْ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَ الْمَخَاوِفِ لَا تَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الْحُضُورِ فِي حَيَاتِنَا. لَقَدْ مَرَرْنَا مِنْ قَبْلُ بِأَيَّامٍ ظَنَنَّا أَنَّنَا لَنْ نَتَجَاوَزَهَا، ثُمَّ تَجَاوَزْنَاهَا. وَأَحَاطَتْ بِنَا مُشْكِلَاتٌ حَسِبْنَا أَنَّهَا سَتَبْقَى طَوِيلًا، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَعْدَ زَمَنٍ مُجَرَّدَ ذِكْرَى. وَمَا أَكْثَرَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أَخَافَتْنَا بِالْأَمْسِ، وَلَمْ يَعُدْ لَهَا الْيَوْمَ فِي نُفُوسِنَا إِلَّا أَثَرٌ خَافِتٌ. لِذَلِكَ لَا تَجْعَلْ لَحْظَةً وَاحِدَةً تُقْنِعُكَ بِأَنَّ الْحَيَاةَ كُلَّهَا قَدْ ضَاقَتْ. فَرُبَّمَا كَانَ مَا تَرَاهُ نِهَايَةً مُجَرَّدَ مُنْعَطَفٍ، وَمَا تَظُنُّهُ سُقُوطًا بِدَايَةً لِتَعَلُّمٍ جَدِيدٍ، وَمَا تَخْشَاهُ الْيَوْمَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي سَتَكْتَشِفُ غَدًا أَنَّهُ عَلَّمَكَ كَيْفَ تَكُونُ أَكْثَرَ حِكْمَةً وَثَبَاتًا. إِنَّ رِحْلَةَ الْحَيَاةِ لَا تَخْلُو مِنَ الْجِبَالِ، لَكِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مُطَالَبًا بِأَنْ يَهْزِمَ الْجَبَلَ دُفْعَةً وَاحِدَةً. يَكْفِي أَنْ يَبْدَأَ بِالصُّعُودِ. وَلَا تَخْلُو مِنَ الْغُيُومِ، لَكِنَّ الْغَيْمَةَ مَهْمَا اشْتَدَّتْ لَا تَعْنِي أَنَّ الشَّمْسَ غَابَتْ إِلَى الْأَبَدِ. فَإِذَا دَاهَمَكَ الْخَوْفُ، فَلَا تَسْتَسْلِمْ لَهُ، وَإِذَا اضْطَرَبَتْ رُؤْيَتُكَ، فَلَا تَتَعَجَّلِ الْحُكْمَ، وَإِذَا ثَقُلَ الطَّرِيقُ، فَقَسِّمْهُ إِلَى خُطُوَاتٍ. اهْدَأْ، وَفَكِّرْ، وَخُذْ بِالْأَسْبَابِ، وَاسْتَعِنْ بِمَنْ تَثِقُ بِهِمْ، ثُمَّ امْضِ. فَلَيْسَتِ الشَّجَاعَةُ أَنْ نَمْضِيَ فِي الْحَيَاةِ دُونَ خَوْفٍ، فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَمْلِكُهُ بَشَرٌ؛ وَإِنَّمَا الشَّجَاعَةُ أَنْ نَشْعُرَ بِالْخَوْفِ، ثُمَّ نَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ الصَّحِيحِ، وَنَسْتَعِيدَ لِأَنْفُسِنَا حَقَّهَا فِي التَّفْكِيرِ وَالاخْتِيَارِ. وَفِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، قَدْ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَخْتَارَ كُلَّ مَا يَحْدُثُ لَنَا، لَكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَخْتَارَ أَلَّا نَسْمَحَ لِمَا يَحْدُثُ لَنَا بِأَنْ يَهْزِمَنَا مِنَ الدَّاخِلِ. فَلَا تَجْعَلِ الْخَوْفَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَقِيقَةِ، وَلَا تَجْعَلِ الْغَيْمَةَ تَحْجُبُ عَنْكَ اتِّسَاعَ السَّمَاءِ، وَلَا تَجْعَلْ عَثْرَةً فِي الطَّرِيقِ تُقْنِعُكَ بِأَنَّ الرِّحْلَةَ انْتَهَتْ. فَفِي رِحْلَةِ الْحَيَاةِ، كَثِيرًا مَا يَكُونُ الطَّرِيقُ الَّذِي أَخَافَنَا هُوَ نَفْسُهُ الطَّرِيقَ الَّذِي اكْتَشَفْنَا فِيهِ قُوَّتَنَا. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|