Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 09:31 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,246
افتراضي حِينَ تَضْطَرِبُ الطُّرُقُ فِي الدَّاخِلِ (٩) الباحث: فُؤَاد زَادِيكِي عِنْدَمَا ت

حِينَ تَضْطَرِبُ الطُّرُقُ فِي الدَّاخِلِ

(٩)

الباحث: فُؤَاد زَادِيكِي

عِنْدَمَا تَخْتَلِطُ الأُمُورُ عَلَى الإِنْسَانِ، وَتَتَشَابَكُ فِي ذِهْنِهِ الخُيُوطُ، حَتَّى لَا يَعُودُ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ وَمَا يَجِبُ أَنْ يَتَرَيَّثَ فِيهِ، يَدْخُلُ فِي دَائِرَةٍ مِنَ الحَيْرَةِ وَالقَلَقِ، وَيَجِدُ نَفْسَهُ وَسَطَ عَالَمٍ مِنَ الأَسْئِلَةِ، الَّتِي لَا تَهْدَأُ، وَالأَفْكَارِ، الَّتِي تَتَدَافَعُ فِي رَأْسِهِ دُونَ أَنْ تَهْتَدِيَ إِلَى مَرْسًى.
وَلَيْسَ أَشَدَّ عَلَى النَّفْسِ مِنْ أَنْ تَفْقِدَ وَضُوحَ الرُّؤْيَةِ وَهِيَ تَحَاوِلُ أَنْ تَخْتَارَ طَرِيقَهَا. فَالإِنْسَانُ لَا يَتْعَبُ دَائِمًا مِنْ كَثْرَةِ المَسَافَاتِ، الَّتِي يَقْطَعُهَا، بَلْ قَدْ يَتْعَبُ أَكْثَرَ حِينَ يَقِفُ فِي مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ، لَا يَدْرِي أَيَّ اتِّجَاهٍ يَسْلُكُ، وَأَيَّ طَرِيقٍ يَتْرُكُ، وَأَيَّ صَوْتٍ يُصَدِّقُ.
وَمَا أَصْعَبَ أَنْ يَكُونَ المَرْءُ أَسِيرَ فِكْرِهِ، يَسْأَلُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ: هَلْ أَخْطَأْتُ؟ هَلْ كُنْتُ مُحِقًّا؟ مَاذَا لَوْ أَنَّنِي اخْتَرْتُ غَيْرَ مَا اخْتَرْتُ؟ وَمَاذَا لَوْ أَنَّ الطَّرِيقَ، الَّذِي أَخْشَى سُلُوكَهُ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ الطَّرِيقُ الَّذِي سَيَقُودُنِي إِلَى مَا أَرْجُوهُ؟
هُنَا يَبْدَأُ القَلَقُ فِي أَنْ يَأْخُذَ مَسَاحَةً أَكْبَرَ مِنْ حَجْمِهِ، فَيَتَسَلَّلُ إِلَى أَعْمَاقِ النَّفْسِ، وَيَسْرِقُ مِنَ الإِنْسَانِ طُمَأْنِينَتَهُ، وَيُحَوِّلُ أَيَّامَهُ إِلَى انْتِظَارٍ ثَقِيلٍ، وَلَيَالِيَهُ إِلَى مُحَاوَلَاتٍ مُرْهِقَةٍ لِإِسْكَاتِ عَقْلٍ لَا يَكُفُّ عَنِ التَّفْكِيرِ.
وَحِينَ يَسْتَحْكِمُ التَّشَوُّشُ، لَا يَعُودُ العَقْلُ يَعْمَلُ فِي صَفَائِهِ المَعْهُودِ، فَكَثْرَةُ التَّفْكِيرِ لَا تَعْنِي دَائِمًا عُمْقَ التَّفْكِيرِ، وَكَثْرَةُ الأَسْئِلَةِ لَا تَعْنِي دَائِمًا قُرْبَ الوُصُولِ إِلَى الإِجَابَةِ. قَدْ يَكُونُ الذِّهْنُ مُثْقَلًا بِالأَفْكَارِ، وَلَكِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ فَاقِدٌ لِلقُدْرَةِ عَلَى تَرْتِيبِهَا وَفَهْمِهَا وَوَضْعِ كُلِّ فِكْرَةٍ فِي مَوْضِعِهَا.
وَلِذَلِكَ يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ، فِي بَعْضِ مَرَاحِلِ حَيَاتِهِ، إِلَى أَنْ يَتَوَقَّفَ قَلِيلًا، لَا لِيَسْتَسْلِمَ لِلحَيْرَةِ، وَلَا لِيَهْرُبَ مِنْ وَاقِعِهِ، بَلْ لِيَسْتَعِيدَ هُدُوءَهُ، الَّذِي فَقَدَهُ فِي زِحَامِ الأَفْكَارِ. فَإِنَّ بَعْضَ القَرَارَاتِ لَا تُرَى بِوُضُوحٍ وَنَحْنُ نَرْكُضُ خَلْفَهَا، وَإِنَّ بَعْضَ الحَقَائِقِ لَا تَظْهَرُ إِلَّا حِينَ نُسْكِتُ ضَجِيجَ الدَّاخِلِ وَنَمْنَحُ أَنْفُسَنَا فُرْصَةً لِلتَّأَمُّلِ.
إِنَّ الهُدُوءَ لَيْسَ عَجْزًا، وَالتَّرَيُّثَ لَيْسَ ضَعْفًا، وَأَنْ تَقُولَ: «لَا أَعْرِفُ الآنَ» لَا يَعْنِي أَنَّكَ فَاشِلٌ فِي فَهْمِ حَيَاتِكَ. فَبَعْضُ الأُمُورِ تَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ لِتَنْكَشِفَ، وَبَعْضُ الطُّرُقِ لَا تُعْرَفُ صَلَاحِيَتُهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَخْطُوَ فِيهَا خُطْوَاتٍ. وَمِنْ حِكْمَةِ الإِنْسَانِ أَنْ يُدْرِكَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِجَابَةً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ كِتَابًا مَفْتُوحًا نَعْرِفُ آخِرَ صَفْحَاتِهِ مُنْذُ البِدَايَةِ.
وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ ظَنَّ المَرْءُ أَنَّ الحَيْرَةَ نِهَايَةٌ، فَإِذَا بِهَا تَكُونُ بِدَايَةَ وَعْيٍ جَدِيدٍ! وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ شَعَرَ أَنَّ الطَّرِيقَ قَدْ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُهُ، ثُمَّ اكْتَشَفَ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنَّ ذَلِكَ الإِغْلَاقَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا دَفْعًا لَهُ نَحْوَ طَرِيقٍ آخَرَ أَكْثَرَ مُلَاءَمَةً لَهُ، كَمَا يقُولُ المَثَلُ العامِّيُّ: "مَا يصِيرْ شِي إلّا لَخَيرْ الإنسَانْ"
إِنَّ الإِنْسَانَ حِينَ يَفْقِدُ السَّكِينَةَ، يَفْقِدُ مَعَهَا جُزْءًا مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى رُؤْيَةِ الأَشْيَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهَا، فَالقَلَقُ يُضَخِّمُ الصَّغِيرَ، وَيُرَبِّكُ الوَاضِحَ، وَيَجْعَلُ المَجْهُولَ أَكْثَرَ رُعْبًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِي الوَاقِعِ. أَمَّا النَّفْسُ الهَادِئَةُ، فَتَنْظُرُ إِلَى المَشْكِلَةِ بِعَيْنٍ أَقْرَبَ إِلَى الحَقِيقَةِ، وَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يَسْتَحِقُّ الخَوْفَ وَمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَبَيْنَ مَا يَجِبُ إِصْلَاحُهُ وَمَا يَجِبُ التَّخَلِّي عَنْهُ.
لِذَلِكَ، لَا تَجْعَلْ مِنْ حَيْرَتِكَ سِجْنًا، وَلَا مِنْ قَلَقِكَ قَاضِيًا يَحْكُمُ عَلَى مُسْتَقْبَلِكَ. خُذْ نَفَسًا هَادِئًا، وَضَعْ أَفْكَارَكَ أَمَامَكَ كَأَنَّكَ تُرَتِّبُ أَشْيَاءَ غُرْفَةٍ بَعْدَ عَاصِفَةٍ، سَتَكْتَشِفُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا أَرْهَقَكَ لَمْ يَكُنْ بِالحَجْمِ، الَّذِي تَصَوَّرْتَهُ، وَأَنَّ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ، الَّتِي أَقْلَقَتْكَ لَمْ تَكُنْ تَحْتَاجُ إِلَى إِجَابَةٍ عَاجِلَةٍ، بَلْ إِلَى قَلْبٍ أَهْدَأَ وَعَقْلٍ أَكْثَرَ اتِّزَانًا.
فَالحَيَاةُ لَا تَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا أَنْ نَضْمَنَ كُلَّ النَّتَائِجِ، وَلَا أَنْ نَمْشِيَ فِي طُرُقٍ مَضْمُونَةٍ مِنْ أَوَّلِ خُطْوَةٍ. إِنَّهَا تَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَمْشِي وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا بَعْضَ الطَّرِيقِ، وَكَيْفَ نَثِقُ بِقُدْرَتِنَا عَلَى التَّصَرُّفِ حِينَ تَتَغَيَّرُ الظُّرُوفُ، وَكَيْفَ نُدْرِكُ أَنَّ الوُضُوحَ لَا يَأْتِي دَائِمًا قَبْلَ الخُطْوَةِ، بَلْ قَدْ يَأْتِي بَعْدَهَا.
وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الإِنْسَانُ حِينَ تَضْطَرِبُ الأُمُورُ حَوْلَهُ هُوَ أَنْ يُعِيدَ السَّلَامَ إِلَى دَاخِلِهِ. فَإِذَا هَدَأَ الدَّاخِلُ، أَمْكَنَ لِلعَقْلِ أَنْ يَرَى، وَلِلقَلْبِ أَنْ يَطْمَئِنَّ، وَلِلقَرَارِ أَنْ يَنْضُجَ، وَلِلطَّرِيقِ أَنْ يَظْهَرَ.
وَفِي نِهَايَةِ الأَمْرِ، لَيْسَتْ كُلُّ الحَيْرَةِ ضَلَالًا، وَلَيْسَ كُلُّ التَّأَخُّرِ خُسْرَانًا، وَلَيْسَ كُلُّ تَعَثُّرٍ سُقُوطًا. قَدْ تَكُونُ بَعْضُ اللَّحَظَاتِ المُرْبِكَةُ، الَّتِي نَعِيشُهَا هِيَ الَّتِي تُعِيدُ تَشْكِيلَنَا مِنَ الدَّاخِلِ، وَتُعَلِّمُنَا أَنْ نَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى أَنْفُسِنَا، وَأَكْثَرَ فَهْمًا لِحَقِيقَةِ مَا نُرِيدُ.
فَلَا تَخَفْ مِنْ لَحْظَةٍ لَا تَعْرِفُ فِيهَا أَيْنَ تَذْهَبُ، رُبَّمَا كَانَتْ تِلْكَ اللَّحْظَةُ بِدَايَةَ أَنْ تَعْرِفَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ تَصِلَ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:41 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke