هَلْ شُعُورُ الِانْتِقَامِ غَرِيزَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ؟ بِقَلَمِ البَاحِثِ: فُؤَاد زَاد
هَلْ شُعُورُ الِانْتِقَامِ غَرِيزَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ؟
بِقَلَمِ البَاحِثِ: فُؤَاد زَادِيكِي
تَتَقَاطَعُ فِي مَسْأَلَةِ الِانْتِقَامِ هَوَاجِسُ عِلْمِ النَّفْسِ، وَمُقَارَبَاتُ عِلْمِ الأَحْيَاءِ التَّطَوُّرِيِّ، وَرُؤَى الفَلْسَفَةِ، لِتَضَعَنَا أَمَامَ سُؤَالٍ بِنْيَوِيٍّ لَطَالَمَا شَغَلَ الفِكْرَ الإِنْسَانِيَّ: هَلْ رَغْبَةُ الرَّدِّ بِالمِثْلِ وَالتَّشَفِّي مِنَ الظَّالِمِ غَرِيزَةٌ مُتَجَذِّرَةٌ فِي الطَّبْعِ البَشَرِيِّ، أَمْ أَنَّهَا سُلُوكٌ مُكْتَسَبٌ تُمْلِيهِ البِيئَةُ وَتُغَذِّيهِ الثَّقَافَاتُ؟
إِنَّ الإِجَابَةَ عَنْ هَذَا التَّسَاؤُلِ تَقْتَضِي تَفْكِيكَ المَشْهَدِ الإِنْسَانِيِّ فِي أَبْعَادِهِ الأُولَى. فَمِنَ المَنْظُورِ البِيُولُوجِيِّ وَالتَّطَوُّرِيِّ، لَا يَبْدُو الِانْتِقَامُ مُجَرَّدَ "شَرٍّ مُحَبَّبٍ" أَوْ زَلَّةٍ نَفْسِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ آلِيَّةٌ تَطَوُّرِيَّةٌ عَتِيقَةٌ نَشَأَتْ مَعَ الإِنْسَانِ الأَوَّلِ كَأَدَاةٍ لِحِفْظِ البَقَاءِ وَحِمَايَةِ الجَمَاعَةِ. فِي العُصُورِ البِدَائِيَّةِ، وَحَيْثُ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ سُلُطَاتٌ مَرْكَزِيَّةٌ وَلَا قَوَانِينُ نَاظِمَةٌ، كَانَ العُزُوفُ عَنِ الِانْتِقَامِ يُفَسَّرُ عَلَى أَنَّهُ ضَعْفٌ صَرِيحٌ، وَيُحِيلُ صَاحِبَهُ إِلَى هَدَفٍ سَهْلٍ وَمُسْتَبَاحٍ. وَمِنْ هُنَا، كَانَ الرَّدُّ العَنِيفُ يُرْسِلُ إِشَارَةَ رَدْعٍ وَاضِحَةً مَفَادُهَا أَنَّ لِلِاعْتِدَاءِ تَكْلِفَةً بَاهِظَةً، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ وَسِيلَةً لِمُعَاقَبَةِ الخَارِجِينَ عَنْ قِيَمِ القَبِيلَةِ لِضَمَانِ تَمَاسُكِهَا. وَلَمْ يَقِفِ الأَمْرُ عِنْدَ حُدُودِ السُّلُوكِ الخَارِجِيِّ، إِذْ أَظْهَرَتْ صُوَرُ الرَّنِينِ المَغْنَاطِيسِيِّ الوَظِيفِيِّ الحَدِيثَةِ أَنَّ التَّفْكِيرَ فِي الِانْتِقَامِ يُنَشِّطُ "مَرْكَزَ المُكَافَأَةِ" فِي الدِّمَاغِ (النَّوَاةَ المُتَّكِئَةَ)، وَهِيَ البُقْعَةُ ذَاتُهَا، الَّتِي تَشْتَعِلُ بِاللَّذَّةِ عِنْدَ تَنَاوُلِ طَعَامٍ شَهِيٍّ أَوْ نَيْلِ مُكَافَأَةٍ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الدِّمَاغَ البَشَرِيَّ مُهَيَّأٌ بِيُولُوجِيًّا لِيَشْعُرَ بِنَوْعٍ مِنَ الِارْتِيَاحِ عِنْدَ رَدِّ الِاعْتِبَارِ.
بَيْدَ أَنَّ هَذَا الِانْدِفَاعَ الغَرِيزِيَّ، الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ البَشَرُ مَعَ بَعْضِ الحَيَوَانَاتِ العُلْيَا كَالرَّئِيسِيَّاتِ، يُوَاجِهُ فِي النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ مَعْضِلَةً سِيكُولُوجِيَّةً تُعْرَفُ بِـ "مُفَارَقَةِ الِانْتِقَامِ". فَبَيْنَمَا يُوَلِّدُ الظُّلْمُ شُعُورًا خَانِقًا بِالعَجْزِ، يَلُوحُ الِانْتِقَامُ كَسَرَابٍ يَعِدُ بِاسْتِعَادَةِ التَّوَازُنِ وَالسَّيْطَرَةِ. غَيْرَ أَنَّ الدِّرَاسَاتِ النَّفْسِيَّةَ تُثْبِتُ أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ طَرِيقَ التَّشَفِّي، يَنْتَهِي بِهِمُ المَطَافُ إِلَى اجْتِرَارِ آلَامِهِمْ لِفَتَرَاتٍ أَطْوَلَ، فَالِانْتِقَامُ لَا يُغْلِقُ الجُرْحَ بَلْ يُبْقِيهِ حَيًّا نَازِفًا، وَيَرْبِطُ الضَّحِيَّةَ بِالجَانِي بِحَبْلٍ سِرِّيٍّ مِنَ الغَضَبِ المُتَوَاصِلِ.
وَهُنَا تَحْدِيدًا، يَتَجَلَّى التَّمَايُزُ البَشَرِيُّ وَتَتَدَخَّلُ الثَّقَافَةُ وَالَّوَعْيُ لِكَبْحِ جِمَاحِ هَذِهِ الغَرِيزَةِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ عَبْدًا لِانْدِفَاعَاتِهِ البِيُولُوجِيَّةِ بِفَضْلِ تَطَوُّرِ القِشْرَةِ الجَبْهِيَّةِ لِلدِّمَاغِ، المَسْؤُولِ الأَوَّلِ عَنِ المَنْطِقِ وَضَبْطِ النَّفْسِ. وَمَعَ ارْتِقَاءِ الحَضَارَاتِ، تَهَذَّبَتْ هَذِهِ الغَرِيزَةُ العَشْوَائِيَّةُ العَنِيفَةُ (كَالثَّأْرِ) وَتَحَوَّلَتْ إِلَى مَنْظُومَاتٍ قَانُونِيَّةٍ وَمُؤَسَّسَاتِيَّةٍ تُحَقِّقُ "العَدَالَةَ" دُونَ فَوْضَى. كَمَا صَاغَتِ الفَلْسَفَاتُ وَالأَدْيَانُ قِيَمًا عُلْيَا كَالتَّسَامِي وَالعَفْوِ، كَأَدَوَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ لِحِمَايَةِ المُجْتَمَعَاتِ مِنَ الدُّخُولِ فِي دَوَّامَاتِ عُنْفٍ مُهْلِكَةٍ لَا تَنْتَهِي.
بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، يُصْبِحُ التَّغَلُّبُ عَلَى هَذَا الشُّعُورِ وَتَجَاوُزُهُ لَيْسَ مُمْكِنًا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ الخِيَارُ الأَسْمَى وَالوَحِيدُ لِحِمَايَةِ السَّلَامِ النَّفْسِيِّ وَالجَسَدِيِّ. إِنَّ التَّجَاوُزَ لَا يَعْنِي وَهْنًا أَوْ قَبُولًا بِالضَّيْمِ، بَلْ هُوَ قَرَارٌ وَاعٍ بِرِفْعَتِكَ لِنَفْسِكَ وَتَرَفُّعِكَ عَنْ مَنْحِ المُسِيءِ حَقَّ السَّيْطَرَةِ عَلَى مَشَاعِرِكَ وَمُسْتَقْبَلِكَ.
وَيَتَحَقَّقُ هَذَا الِانْتِصَارُ الذَّاتِيُّ عَبْرَ آلِيَّاتٍ مَعْرِفِيَّةٍ وَسُلُوكِيَّةٍ وَفَلْسَفِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ، تَبْدَأُ مِنْ فَصْلِ "العَفْوِ الدَّاخِلِيِّ" عَنِ "المُصَالَحَةِ الخَارِجِيَّةِ"، فَالأَوَّلُ تَحْرِيرٌ لِقَلْبِكَ، بَيْنَمَا الثَّانِيَةُ خِيَارٌ قَدْ لَا تَسْمَحُ بِهِ حُدُودُ الحِمَايَةِ الذَّاتِيَّةِ. وَتَتَحَوَّلُ هَذِهِ الطَّاقَةُ العَارِمَةُ إِلَى وَقُودٍ إِيجَابِيٍّ عِنْدَمَا يُعَادُ تَوْجِيهُهَا نَحْوَ النَّجَاحِ البَاهِرِ وَتَطْوِيرِ الذَّاتِ، تَمَاشِيًا مَعَ الحِكْمَةِ القَائِلَةِ بِأَنَّ أَفْضَلَ انْتِقَامٍ هُوَ أَلَّا تَكُونَ كَمَنْ آذَاكَ. وَمَعَ وَضْعِ حُدُودٍ صَارِمَةٍ تَمْنَعُ تَكْرَارَ الإِسَاءَةِ، وَاعْتِمَادِ الوَعْيِ الآنِيِّ لِرَفْضِ الأَفْكَارِ الِاجْتِرَارِيَّةِ، يُرَسِّخُ الإِنْسَانُ إِيمَانَهُ بِالعَدَالَةِ الكَوْنِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ، الَّتِي تَجْعَلُ السُّلُوكَ السَّامَّ لِأَيِّ مُسِيءٍ كَفِيلًا بِإِيقَاعِهِ فِي شَرِّ أَعْمَالِهِ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا.
لِهَذَا يَبْقَى الشُّعُورُ بِالرَّغْبَةِ فِي الِانْتِقَامِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِلأَذَى انْدِفَاعًا غَرِيزِيًّا طَبِيعِيًّا، لَكِنَّ قَرَارَ لَجْمِ هَذَا الِانْدِفَاعِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى طَاقَةٍ بَنَّاءَةٍ أَوْ غُفْرَانٍ مُتَسَامٍ هُوَ الخِيَارُ الحَضَارِيُّ الإِنْسَانِيُّ الأنْسَبُ، إِنَّهُ الِانْتِقَالُ مِنْ دَائِرَةِ تَدْمِيرِ الآخَرِ إِلَى فَضَاءِ تَطْهِيرِ وَبِنَاءِ الذَّاتِ، وَحِينَهَا فَقَطْ يَتَحَقَّقُ الِانْتِصَارُ الحَقِيقِيُّ المُتَمَثِّلُ فِي الحُرِّيَّةِ النَّفْسِيَّةِ الكَامِلَةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|