الندمُ بينَ وَجَعِ السُّقوطِ وإمكانِ النُّهوض بقلم: فؤاد زاديكي لَيْسَ الندمُ ذلكَ
الندمُ بينَ وَجَعِ السُّقوطِ وإمكانِ النُّهوض
بقلم: فؤاد زاديكي
لَيْسَ الندمُ ذلكَ الإحساسَ العابرَ الذي يمرُّ على القلبِ ثمَّ ينطفئُ كما تنطفئُ شرارةٌ في العتمة، ولا هو مجرَّدُ وسيلةٍ نفسيّةٍ يُخفِّفُ بها الإنسانُ ثِقَلَ ما اقترفَ من خطأٍ أو إساءةٍ أو خذلان. إنَّهُ حالةٌ أعمقُ من ذلكَ بكثير؛ حالةٌ يقفُ فيها المرءُ وجهاً لوجهٍ أمامَ نفسِهِ، مُجرَّداً من كلِّ الأعذار، مُحاطاً بصوتِ الحقيقةِ وحده، حيثُ لا مهربَ من الاعترافِ بأنَّ شيئاً ما قد انكسرَ في الداخلِ أو في حياةِ الآخرين بسببِ فعلٍ صدرَ عنهُ في لحظةِ ضعفٍ أو غفلةٍ أو قسوة.
إنَّ الإنسانَ قد يخطئُ، وقد يسقطُ، وقد يرتكبُ ما يظلُّ يلاحقُهُ في ذاكرتهِ زمناً طويلاً، غيرَ أنَّ الخطأَ في حدِّ ذاتهِ لا يُعرِّفُ الإنسانَ تعريفاً نهائياً، بل إنَّ ما يُعرِّفهُ حقّاً هو موقفُهُ من ذلكَ الخطأ بعد وقوعه. فثمّةَ مَن يُمعنُ في الهربِ والتبريرِ والإنكار، وكأنَّهُ يحاولُ أن يُطفئَ نارَ الحقيقةِ بيديه، وثمّةَ مَن يتألَّمُ لأنَّهُ أدركَ أخيراً أنَّهُ لم يكنْ كما كان ينبغي لهُ أن يكون. وهنا يبدأُ الندمُ الحقيقيّ.
الندمُ الصادقُ ليسَ بكاءً على الماضي فقط، بل هو وعيٌ مؤلمٌ يُعيدُ تشكيلَ الضمير. إنَّهُ اللحظةُ التي يكتشفُ فيها الإنسانُ أنَّ بعضَ الكلماتِ قد تجرحُ أكثرَ من السكاكين، وأنَّ بعضَ الأفعالِ قد تتركُ في قلوبِ الآخرين ندوباً لا تُرى، ولكنَّها تبقى. ولذلكَ فإنَّ الندمَ لا يملكُ القدرةَ على محوِ ما حدثَ محواً كاملاً، لأنَّ بعضَ الأضرارِ لا تُمحى مهما تأخَّر الاعتذارُ أو كثرتِ محاولاتُ الإصلاح. فالكلماتُ حينَ تُقالُ لا تعود، والخذلانُ حينَ يقعُ لا يمكنُ إلغاءُ أثرهِ تماماً.
ومع ذلك، فإنَّ الندمَ يبقى شيئاً عظيماً حينَ يكونُ صادقاً؛ لأنَّهُ لا يُعيدُ كتابةَ الماضي، بل يمنعُ الماضيَ من أن يتحوَّلَ إلى طبيعةٍ ثابتةٍ في الإنسان. فالذي يندمُ بحقٍّ لا يكتفي بالشعورِ بالألم، بل يبدأُ بمراجعةِ نفسهِ، ويشعرُ بمسؤوليتهِ تجاهَ ما فعل، ثمَّ يسعى — بقدرِ استطاعتهِ — إلى إصلاحِ ما أفسدهُ، أو على الأقلِّ ألّا يُكرِّرَ السقوطَ ذاتهُ مرّةً أخرى. وهنا يتحوَّلُ الندمُ من مجرَّدِ إحساسٍ نفسيٍّ إلى فعلٍ أخلاقيٍّ يُنضجُ الروحَ ويُهذِّبُها.
إنَّ أخطرَ أنواعِ الندمِ هو ذلكَ الندمُ الذي يُريحُ الضميرَ مؤقّتاً دونَ أن يُغيِّرَ شيئاً في السلوك. حينَ يقولُ الإنسانُ لنفسهِ: “أنا نادم”، ثمَّ يعودُ إلى القسوةِ ذاتها، وإلى الأخطاءِ ذاتها، وإلى الأذى نفسِه، فإنَّ الندمَ هنا يصبحُ مجرَّدَ مُسكِّنٍ عاطفيٍّ لا أكثر. أمّا الندمُ الحقيقيُّ فهو الذي يجعلُ الإنسانَ أكثرَ تواضعاً، وأكثرَ رحمةً، وأكثرَ خوفاً من أن يؤذي قلباً آخرَ مرّةً ثانية.
ولعلَّ أجملَ ما في الندمِ الصادقِ أنَّهُ يُبقي في الإنسانِ شيئاً حيّاً لم يمت بعد؛ شيئاً يُقاومُ التحجُّرَ الداخليَّ، ويُثبتُ أنَّ الضميرَ ما يزالُ قادراً على الاستيقاظ. فالقلبُ الذي لا يندمُ قد يتعوّدُ الظلمةَ حتى لا يعودَ يُبصرُها، أمّا القلبُ الذي يتألَّمُ لأنَّهُ أخطأ، فهو — رغمَ وجعهِ — قلبٌ لم يفقدْ إنسانيّتَهُ كاملةً.
ولهذا، فإنَّ الندمَ لا يُعوِّضُ السقوطَ تعويضاً كاملاً، لكنَّهُ قد يكونُ بدايةَ النهوضِ الحقيقيّ. وقد لا يُصلحُ كلَّ ما انكسر، لكنَّهُ يمنعُ الإنسانَ من أن يبقى مكسورَ الضميرِ إلى الأبد.
__________________
fouad.hanna@online.de
|