![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
چَپَرْ الأسقف حنّا إيليّا (صفحة من تاريخ آزخ) بقلم: فؤاد زاديكي يقف هذا الچَپَر، كومةُ الحجارة الصامتة، شاهدًا لا ينطق إلا لمن يعرف الحكاية، بعد سَهْرينج الكرّكه، مقابل كُوڤَخ. وليس الچپر مجرّد حجارة رُصّت كيفما اتّفق، بل هو حصنٌ صغير أقيم على عجل، ليكون ساترًا للرامي بالبندقية، يتحصّن خلفه، ويواجه الموت بعين ثابتة وقلب لا يلين. ومن هنا تبدأ حكاية من حكايات آزخ الكبرى، حكايةٍ تختلط فيها الخيانة بالوفاء، والمأساة بالبطولة، والدم بالحكمة. كان محمّد نازو صديقًا حميمًا لمراد إيليّا، الأخ الأصغر لحنّا إيليّا. صداقةٌ بلغت حدّ أن يقيم محمّد في دار حنّا ستّ سنواتٍ كاملة، مكرّمًا معزّزًا، كأحد أهل البيت. غير أنّ الرياح لا تجري دائمًا بما تشتهي القلوب. فحين وقعت مأساة إسفس، واضطر من استطاع من أهلها إلى الهجرة نحو آزخ طلبًا للحماية والأمان، استشعر أهل البلدة الخطر الداهم، وبدأوا يفكّرون في وسيلة للدفاع عن أنفسهم وأرضهم. وكان السلاح هو الحاجة الأولى. ولأنّ محمّد نازو كان صديقًا لهم، ومسؤولًا عن شعبة التجنيد في آزخ، عرضوا عليه فكرة شراء السلاح من الجزيرة. لم يتردّد، بل أبدى استعدادًا ظاهرًا، بل وأكثر من ذلك، تعهّد أن يذهب بنفسه لإتمام الأمر. أُعطي المال، ورافقه مراد إيليّا وابنه بطرس. لكن ما إن وصلوا الجزيرة، حتى انقلبت الصداقة خنجرًا، والأمان فخًّا. وشى بهما إلى الوالي، فصدر الأمر بحبسهما تمهيدًا لإعدامهما. تعدّدت الروايات في شأن الوشاية: رواية أهل آزخ، وهي الأرجح والأثبت، تؤكّد أنّ محمّد نازو نفسه هو الواشي. ورواية أخرى تنسب الفعل إلى گبرو خدّو الجزراوي، الكاتب في ديوان الجزيرة. غير أنّ العقل والوقائع ترجّحان رواية أهل آزخ؛ فلو لم يكن لمحمّد نازو يدٌ في الأمر، لما نجا من مصير أسود، وهو المسلم الكردي، والمسؤول الرسمي، المتّهم بمساعدة من عُدّوا أعداء الدولة والدين في ذلك الزمان. وكانت هذه التهمة وحدها كافية لتقوده إلى الهلاك. كان ذلك في حدود عام 1915. وصل أمر والي ماردين بإعدام مراد إيليّا وابنه بطرس، وكانا في زنزانة جزيرة ابن عمر، في الزيندانية المظلمة، حيث “عِتمة طارِسْتان” لا يكسرها إلا صدى الأنفاس وانتظار الموت. وكان القرار أن يُذبَحا علنًا ليكونا عبرةً للناس. نزل المختار آنذاك، والد (ق. ع)، إلى السجن، يسبّ مراد ويشتمه، فيما كان الأخير جالسًا القرفصاء، مقيّد اليدين والرجلين، يستقبل مصيره بهدوء الموقن. وحين حاول المختار فكّ قيوده، مدّ مراد يديه المقيّدتين، وأحاط بهما عنق المختار، وسحق رأسه بالحائط حتى أسكته إلى الأبد. طال الانتظار، وبدأ الشكّ يتسرّب. نزل عسكري الجندرمة ليتفقّد الأمر. كان ينادي المختار، فقلّد مراد صوته بدهاء، مردّدًا: «إي… إي… كَحِلّو»، ليطمئن العسكري. وما إن دخل الجندرمي، حتى انقضّ عليه مراد، أسقطه أرضًا، انتزع بندقيته، وحطّمها فوق جمجمته. وسار بطرس، ابن الخمسة عشر عامًا، على خطى أبيه، فقتل رجلًا من بيت (ع. ن)، وقد اشتعلت في قلبه نار الشجاعة حين رأى أباه المقيّد يقاتل كحرٍّ طليق. لم يجد العساكر وسيلة إلا “تكريتن” مراد، فخنقوه بالدخان داخل السجن، وأحرقوه حيًّا، وقتلوا ابنه بطرس خلف الباب. وصلت الفاجعة إلى آزخ، فزلزلت القلوب. وحين بلغ الخبر حنّا إيليّا، همّ بالذهاب للقتال والثأر، لكن أهل آزخ منعوه خوفًا عليه. تحجّج بالخروج ليروح عن نفسه، غير أنّ نيّته كانت معقودة على المواجهة. أخذ ثلاثة رختات فِشَك، وفرسه الكحيلة الأصيلة، ومضى إلى وادي الكرّكه. هناك، كان كمينٌ من رجالٍ أكراد من قرى عدّة ينتظر أيّ آزخيٍّ يمرّ. وما إن رأوه، حتى أمطروه بالنار. ترجل حنّا عن فرسه، وربت على عنقها، وأطلقها نحو آزخ قائلًا: «اذهبي… أخبريهم». فانطلقت كالسهم، وصلت الدار تصهل صهيلًا غريبًا، تدخل وتخرج بجنون، فعرف أهل آزخ أنّ الخطر محدق. عادوا خلفها، ومع دويّ الرصاص، أحاطوا بالمهاجمين من ثلاثة أطراف، فقتلوا بعضهم، وانهزم الباقون تاركين قتلاهم. وقبل وصول النجدة، كان حنّا إيليّا قد جمع حجارة كبيرة، ورصّها أمام باب مغارة، فأقام ذلك الچَپَر، وجلس خلفه ثابتًا، يردّ الرصاص بالرصاص. ويُقال إنّ الرصاص شقّ قميصه دون أن يمسّ جسده، وإنّه قتل سبعةً منهم وجرح اثنين، وهو وحده في مواجهة ثلاثمئة رجل، على بُعد اثني عشر كيلومترًا من آزخ. وهكذا عاد حنّا إيليّا سالمًا منتصرًا، مسنودًا برجال آزخ، وبفرسه الأصيلة التي كانت رسول النجاة. وسُجّلت هذه الواقعة واحدةً من أعظم بطولاته، لا بطولة السلاح وحده، بل بطولة الحكمة ورباطة الجأش، وبقي الچَپَر شاهدًا من حجر، يروي لمن يمرّ به أنّ هنا وقف رجل، فصار التاريخ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|