إيديل (آزخ) 2024: عودة "الشتات" إلى الحكم
شكلت الانتخابات المحلية التركية التي جرت في 31 مارس 2024 نقطة تحول رمزية كبرى في تاريخ مدينة إيديل. فبعد سنوات طويلة من سيطرة "القيمين" (موشفين معينين من قبل وزارة الداخلية التركية) أو رؤساء بلديات من خلفيات عشائرية محلية، صعدت إلى سدة الحكم سيدة تمثل "ذاكرة المدينة المهاجرة".
1. تفاصيل العملية الانتخابية (31 مارس 2024)
النتائج والأرقام
شهدت الانتخابات منافسة حادة، لكن النتيجة كانت حاسمة لصالح التغيير وعودة أبناء المدينة المغتربين.
الحزب الفائز: حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Parti)، وهو الامتداد السياسي للحركة الموالية للأقليات وحقوق الشعوب في تركيا.
الفائزة بالرئاسة: السيدة توركان كاير (Türkan Kayır).
المنافس الرئيسي: مرشح حزب العدالة والتنمية (AKP)، إقبال هان (İkbalhan).
النتيجة: حققت توركان كاير وفريقها فوزاً كاسحاً، حيث حصلت على نسبة تقارب 71.27% من الأصوات، مقابل حوالي 20% لمنافسها. هذه النسبة العالية تعتبر "تفويضاً شعبياً" برفض الوصاية الحكومية ورغبة في إدارة جديدة.
نظام الرئاسة المشتركة
من المهم التنويه أن الحزب الذي ترشحت عنه (DEM Parti) يطبق نظام "الرئاسة المشتركة" (Eşbaşkanlık)، حيث يتشارك رجل وامرأة في المنصب لضمان المساواة الجندرية. شريكها في الرئاسة هو دوغان أديامان (Doğan Adıyamn)، لكن توركان كاير هي الواجهة الرسمية والتي تحمل الرمزية الأقوى لكونها "العائدة من المهجر".
2. السيرة الذاتية: توركان كاير (Türkan Kayır)
تمثل توركان كاير نموذجاً لـ "ابنة آزخ" التي حملت مدينتها في قلبها رغم سنوات الغربة الطويلة.
النشأة والجذور
المولد: ولدت في مدينة إيديل (آزخ) عام 1972.
الطفولة: عاشت طفولتها المبكرة وتلقت تعليمها الابتدائي والمتوسط في مدارس إيديل، في فترة كانت المدينة لا تزال تحتفظ بجزء كبير من نسيجها الاجتماعي القديم قبل اشتداد الصراعات.
رحلة الشتات (ألمانيا)
الهجرة: غادرت تركيا متجهة إلى ألمانيا، وهي الوجهة الرئيسية لغالبية سريان وأهالي آزخ الذين فروا من الاضطرابات السياسية.
الحياة في المهجر: عاشت في ألمانيا لمدة 40 عاماً. هذه الفترة الطويلة تعني أنها قضت معظم حياتها في قلب "الشتات الآزخي" في أوروبا، مما جعلها متشبعة بثقافة المغتربين وحنينهم للأرض.
العمل الاجتماعي: خلال تواجدها في ألمانيا، لم تنقطع عن العمل العام، حيث نشطت في الجمعيات والمؤسسات المدنية التي تعنى بشؤون المهاجرين وحقوقهم، مما أكسبها خبرة إدارية وسياسية.
الحالة الاجتماعية: هي أم لثلاثة أبناء.
العودة والترشح
قررت العودة إلى مسقط رأسها "آزخ" بهدف سياسي وخدمي واضح.
ترشحها لم يكن مجرد بحث عن منصب، بل كان رسالة بأن "أبناء المدينة الذين هُجروا أو هاجروا لم ينسوها"، وأنهم يملكون القدرة والكفاءة لإدارتها وفق معايير حديثة اكتسبوها في أوروبا.
3. دلالات الفوز: لماذا يعتبر "انتزاعاً" تاريخياً؟
كما تفضلت في سؤالك، هذا الفوز يحمل أبعاداً تتجاوز السياسة اليومية:
كسر احتكار العشائر: منذ اغتيال شكرو توتوش، سيطرت العشائر الكردية المحلية (سواء الموالية للدولة أو الأحزاب) على المشهد. توركان كاير قادمة من خارج هذه الحسابات العشائرية الضيقة؛ هي قادمة من "أوروبا" بخلفية مدنية.
رمزية المرأة: في مجتمع محافظ تحكمه تقاليد عشائرية صارمة، وصول امرأة لرئاسة البلدية يعتبر انقلاباً اجتماعياً كبيراً.
عودة الروح الآزخية: بالنسبة للسريان ولأهالي آزخ القدامى، تمثل توركان "الجسر" الذي يربط المدينة الحالية (ذات الغالبية الكردية) بالماضي (ذي الجذور السريانية) وبالمستقبل (الذي يمثله المغتربون الناجحون في أوروبا).
الخلاصة:
توركان كاير هي سيدة آزخية المولد، ألمانية الخبرة والثقافة، عادت بعد 40 عاماً لتستلم مفاتيح مدينتها بنسبة تصويت كاسحة، معلنة بذلك نهاية حقبة طويلة من الإدارات التقليدية وبدء مرحلة جديدة تعتمد على أبناء المدينة الأصليين العائدين من الشتات.
__________________
fouad.hanna@online.de
|