هل فعلاً الموسيقى مزاميرُ الشّيطان؟

هل فعلاً الموسيقى مزاميرُ الشّيطان؟
 
إذا كانت “الموسيقى مزاميرَ الشّيطان” كما زعمَ أحدُ أصحابِ العمامات! ومنْ على منبرِ إحدى الفضائيّات العربيّة – الإسلاميّة, وعلى الهواءِ مباشرةً في فتاوى حلّل فيها وحرّم! وأجاز ومنعَ! وحبّذ وبَأَسَ! وقطعَ دابراً وأحياناً غابراً ليطلعَ على الملأ بهذه الفتوى الميمونة. فيُعيدَ النّاسَ إلى عصور لا يُعرفُ إلى أينَ تمتدّ غشاوةُ جذورها, ولكي ينعشَ آمالَ جهلٍ أراد لأبناء “أمّته” أو ملّته أنْ يظلّوا هائمينَ بهِ, تائهينَ على وجوههم فيه يتكسّبونَ الضلالةَ علماً, ويسترزقونَ الجهلَ والجهالةَ دعماً لفوضى فكرٍ عقيمٍ وتخلّفٍ عقليّ قاصر.
 
كيفَ يُمكنُ لعاقلٍ أو حتّى لأيّ إنسان عاديّ لم يبلغْ مرتبةَ علمٍ راقيةً أنْ يُقرَّ مع هذا الرّجل الجاهل بأنّ الموسيقى عندما تعزفُ, ترقص الشّياطين لها؟ وهو لم يحدّد نوع هذا الرّقص. فيما إذا كان رقص طربٍ, أو رقصَ مجونٍ, أو رقصَ عزاءٍ على فقدِ القيمِ والأخلاقِ وانتحارِ الأعرافِ البائدةِ, والتي لا زلنا نعاني من بلواها الشيء الكثير! وأظنّ ومنْ خلال “إبداعه” في الشّرحِ والتأويلِ أنّ الشّياطينَ ترقصُ طرباً لها, وتتناغمُ الجنُّ مع عشقها, وتعربدُ الأبالسةُ فيها عبثاً! فيما الموسيقى – وبعُرفِ 99,99 بالمائة من شعوب العالم – هي غذاءُ الرّوحِ والنّفسِ والقلب, وكم من أمراض تمّت معالجتها بالموسيقى وأعطتْ نتائجَ إيجابيّة رائعةً سواءً في العهد القديم أو في العصر الحديث والذي تمّ فيه إدخال الموسيقى إلى المشافي والمصحّات وغيرها كطريقة للعلاج لبعض الحالات المرضيّة, وقد أثبتتْ فعاليتها في هذا. كما أنه وعن طريق الموسيقى, تمّ ترويض الأفاعي المميتة كأفعى الكوبرا وبعض الحيوانات المفترسة. فتآنستْ مع عازفي هذه الأنغام وتآلفتْ معهم!
 
كيفَ يمكن لهذا الرّجل والذي يعتبرُ نفسه “المشرّع الفذّ لقانون فتوى” و “المحلّل والمحرّم الجهبذ” أنْ يحملَ كلّ هذه الحملة الشّعواء على الموسيقى؟ وهي كانتْ ومنذُ الأزل ولا تزالُ الفضاءَ الرّحبَ الذي تغرّدُ فيه ملائكةُ الله وهي تخرّ ساجدةً لمجده وقدرة هذا الخالق العظيمِ, و تطوفُ حوله منشدةً الترانيمَ والتسابيح المغنّاة لتطربَ الأذن والقلبَ والرّوح؟ تهلّلُ بها على قيثارةِ حبِّ الحياة الأبديّة لخلودِ الرّوح البشريّة, لكي تُحضّر لها استقبالا يليقُ بها متى كانتْ صالحةً. أو تقذفُ بها إلى مهاوي الرّدى السحيقة للهاوية الأبدية متى كانت على شاكلة هذا “الفيلسوف” الذي اختلق هذه البدعة وأضافها إلى مخترعات العصر مفهوماً جديداً لا ينمّ إلاّ عن مدى قصورٍ فكريّ وتخلّفٍ وجهلٍ وتحامل!
 
متى فرضنا “جدلاً” أنّ الموسيقى هي هذه المزاميرالشّيطانيّة! فكيف يمكنُ له ولنا أنْ نفهمَ مقدار الاحترام الذي نالته من قبل العظماء الأوائل وكذلك اللاحقين بهم وأسبابَ هذا الاحترام والتقدير والاهتمام الذي قوبلتْ به؟ ولكونها جانباً من الجوانب الجماليّة في الحياة شأنها, شأن الأدب والشعر والنحت والرّسم والغناء و الفن ّوغيرها؟ فما رأيُ هذا الشّيخ المتفقّه بالشعر وهو جانب من جوانب الفخر العربيّ والإسلامي؟ أليس الشّعرُ موسيقى؟ وهل يريد أن يقوّض أركان الأمة العربيّة بتقويض ركن أساسيّ من أركان وجودها القائمة عليه ألا وهو الشعرُ والتجويدُ في القرآن الكريم؟ وهل يريدُ إسكات البلابل وغيرها من الطيور التي تبعث في الكون بهجة وأنساً وبهاءً ليمنعها من التغريد والزّقزقة التي تعبّر عن مجد الله عزّ وجلّ؟ أم أنّه يريد إيقاف عزف الرّيح وعصفها ليخلق بلبلةً في الكون يمنع هذا الانسجام والتناغم بين أوجه الحياة المتعددّة؟ أم هو يريد منع الإنسان من النطق, وهو التعبير الموسيقيّ المعبّر عن المعنى في نبرات متفاوتة القياس تخرج موسيقى لتسمعها الأذن وتحللّها وتفهم مراميها وبهذا يتمّ التفاهم والتخاطبُ بين البشر؟ أم أغفل ونسي أن أولى كلمات القرآن الكريم وأهمّها هي “إقرأ”؟ وهل سيقرأ بدون الصّوت الذي هو الموسيقى؟ أم هل يريد إيقاف المياه عن التدفّق الذي يمدّ البشرية بالحياة والنماء والاستمراريّة. لأنها بتدفّقها تُصدر الموسيقى؟ هل يريد إيقافَ حركة الهواء التي تمدّنا بالأوكسجين اللازم لحياتنا؟ أم هو يريد وقف الرّعود والبروق فيحدثّ خللاً في نظام الكون ويتعدّى على جوهر الخلق الإلهي المبدع للحياة فيأتيه بمسخٍ شيطانيّ متزمّتٍ قابعٍ في غياهب الجهل المريض؟ ثمّ هل يريدُ أنْ يوقف شهيق وزفير الإنسان ليوقف حركة حياته ويقضي عليها فهي موسيقى واضحة المعالم مسموعة بجلاء؟
 
إنّ الله (جلّ جلاله) سعى إلى تجميل حياتنا واغنائها وإكسابها رونقاً مقبولاً بسط فيها روحاً من أسباب المتعة النّفسيّة, تدركها العين وتتذوّقها الأذن لتدخل إلى عمقِ أعماقِ النّفس البشريّة بحيث تجعلها تحرّك ما فيها من بواطن الحزن والفرح والعشق والرّاحة والانسجام وغير ذلك. إنّ كلّ هذا من صنعِ الله الخالق بما فيه نبرة الصّوت الناطقة بعزّته والمسبّحة بمجده. كلّ شيء فينا ومن حولنا هو الموسيقى وإنْ لم تكن له نوتات تنظّمه إلاّ أن تنظيمه ربّانيّ وهو حلقات وصلٍ موسيقيّة متواصلةٍ وإلا لتعسّر علينا الفهم وانعدم لدينا الإحساس!
 
ثمّ لنذهب إلى أبعدَ من ذلك لنطرح على السيّد الشّيخ السّؤالَ التالي: أليس القرآنُ الكريمُ يُتلا بتجويدٍ وبنغمٍ وبموسيقى؟ أليسَ التجويدُ موسيقى؟ أليس التجويدُ نغماً؟ أليس التجويدُ لحناً؟ أليس التجويدُ صوتاً موسيقيّاً له أصوله وقواعده التي تحدّدها النّبرة الموسيقيّة في الإدغام وغيرها؟ ألم يقلِ اللهُ في القرآن: “ورتّل القرآنَ ترتيلا”؟ وكما يعلم الجميع بأنّ الترتيل هو تجويدُ التلاوة! ثمّ أليس القرآن الكريمُ مملوءاً بآيات لا حصر لها جاءتْ على القافية والسّجع والوزن؟ أليستْ هذه موسيقى؟ هل يريدُ هذا الشّيخُ المدّعي العلمَ والفهمَ والمقدرةَ على نصح الناس وإرشادهم وتقديم ما ينفعُهم في حياتهم اليوميّة الدّينيّة والمدنيّة (كما بدا من خلال ردّه على السّيدة التي اتّصلتْ به سائلة عن الموسيقى وما رأيه بها, وبماذا يفتي بخصوصها) وهو يتعارض مع كينونات كثيرة من ضمنها أسس هامة في معتقده الدّينيّ؟ أليس القرآن الكريم برمّته كلاماً ملحّناً وموسيقياً؟ أم أنه لا يقرّ بذلك هذا السيّد الشّيخ الموقّر؟ هلمّوا معنا لنخطو خطوةً أخرى (بجرأة وبصدق مع النفس ومع الآخرين) متسائلين: ألمْ يكن أكثر الخلفاء وأئمة الدّين وكبار الشخصيّات الإسلاميّة ورجال الدولة, والتي نكنّ لها احتراماً كبيراً, يستقدمونَ الجواري والمغنّيات والقيان، بل ويصبحن من خاصّتهم ليعزفوا لهم ويغنّوا ويملأوا أجواء حياتهم باللهو والمرح وغير القليل من المجون؟ فهل كان جميع هؤلاء على ضلال؟ وكانوا عبيداً للشياطين؟ أو مساهمين في نشر مزامير كفرهم؟
 
لا أعتقد أنّه يكون من المعقول المطالبة بوجوب إبعاد القرآن الكريم عن التجويد والتلحين والموسيقى, خشية أن يقال عنها مثل الذي يقوله هذا الشيخ! ولا أعتقد أيضاً بأن جميع هؤلاء الموسيقيّين العظماء الذي أفرحوا الناس وملأوا أجواء الحياة طرباً إنما هم شياطين أو أشباه شياطين يرتّلون مزامير الإثم والإفك الذي يخوّف منه الشيخ صاحب العمامة هذا! ثمّ كيف له أنْ يرى الشّيطان وهو يعزفُ هذه المزامير ويقرّ بأنّها جميعاً تصبّ في خانة الشرّ وبحيرة الفسق والفجور والانحلال؟ هل هو أعظم من جميع هؤلاء ليأتي بشخطة قلم أو بجهل فتوى على كلّ هذه المنجزات الفنّية لاغياً إيّاها ومعتبرها في حكم الكفر ويلوّح بعصا تكفيره في كلّ ناحيةٍ وصوب؟
 
بهذا القدر من ضحالةِ الفكر وتوهّم المتعلّم يصدرُ أحكامه وكيف؟ على الملأ علانيةً وبصفاقةٍ لا حدّ لها, ومنْ خلالِ توجيه درسٍ في “الأخلاقيّات والحشمة والفضيلة” لتلك السائلة التي قلب كيانها وغيّر مسار حياتها 180 درجة. ومتى أودى (هي الأخرى) جهلها بها، فستغدو إحدى ضحاياه الكُثر, حيث لن يكون لها لا حول ولا قوّة سوى الاستسلام والخنوع والقبول بما تُفتي عبقريّة تخلّفه. وإنّي أقول وبصوتٍ عالٍ: إن الذين يسمحون لمثل هذه الأصوات بالارتفاع والإعلان الصّريح لمثل هذه الأفكار والترويج لها يساهمون مساهمة فعّالة وفاعلة في تشويه وجه الحقيقة الإنسانيّة ويلحقون الأذى الشّديد بالحياة. وعلى هذه المحطة وغيرها – من المحطّات التي هي ” محطّاتٌ تقوية ” للكره والحقد وإثارة الضغينة والنعرات الدينيّة بين الشّعوب وتعمية الناس ليتخبّطوا في سلوكهم على غير رويّة وهدى واعيين – أنْ تعي مدى الضّرر الذي تتسبّب به للبشريّة جمعاء من طرح مثل هذه الأفكار المنغلقة والمنطوية على الجهل والكره والغباء. علينا إذاً أن نمنع كل الغناء ونقوم بمحاكمة عظماء الفن من أمثال سيّد درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم والرّحابنة وفيروز القبانجي وناظم الغزالي واسحق الموصلّي وكذلك بلال المؤذن الحبشي (مؤذّن الرّسول) الذي قال عنه الرسّول الكريم بما معناه : “إنّني أينما توجّهتُ في الجنة أرى بلالاً حاضراً” . وكذلك نعدم نتاجات بيتهوفن وتشايكوفسكي وباخ ومايكل جاكسون وهايدن وغيرهم وغيرهم وغيرهم, بحجة أنّ ما يقدّمونه دعايةٌ للشيطان وترويجٌ لتجارته! وإذا كانت الموسيقى شرّاً والأدبُ شرّاً, والفنّ شرّاً, والنحتُ شرّا,ً والطيور شرّا,ً والشّجرُ شرّاً, والمياه شرّا,ً والإنسان شرّا,ً والجمالُ شرّاً, و الكون بما فيه من حركةٍ وصوتٍ شرّاً! فما الذي بقيّ من وجوه الخير والحقّ والجمال في هذه الحياة وكذلك في الحياة الأخرى؟
أعجبك هذا؟ أنشر الخبر

بواسطة fouadzadieke