Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > منتدى فرعي خاص بالأديب الشاعر صبري يوسف

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-03-2008, 11:30 AM
SabriYousef SabriYousef غير متواجد حالياً
Silver Member
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 594
افتراضي عبور في عوالم واهِم ـ قصة قصيرة

عبور في عوالم واهِم



قصّة قصيرة

كنتُ ألتقيه كلّما أصعدُ الباص وأنا في طريقي إلى العمل، يتحدّثُ مع نفسِهِ بصوتٍ مسموع، يحرّكُ يديهِ وهو يخاطبُ محدّثه الوهمي، يرفعُ نظرَهُ نحوَ الأعلى وكأنَّه يرى مَنْ يتحدَّثُ معه، يبدو واضحاً أنَّه مريض بالانفصام، انفصام من العيارِ الثَّقيل. جذبتني طريقة تواصله معَ الشَّخصية الوهميَّة، ينزلُ في نفس موقف الباص الذي أنزل فيه، نسيرُ معاً، أتركُهُ يتقدَّمُ بضعة خطوات أمامي، تبيّنَ لي لاحقاً أنّه يخاطبُ فتاةً بودٍّ كبير، يضعُ يده وكأنّها سكِّين على رقبته موجّهاً كلامه لفتاتِهِ المحلَّقة في أوهامِهِ، قائلاً لها، قصّي رقبتي هكذا بالسكّين لو أخلفْتُ معكِ بوعدي.

آلمني هذا المشهد، شاب على مشارفِ العقدِ الرابع من العمر، حاولتُ أكثر من مرّة أن أدردشَ معه لكنِّي تريّثتُ قبلَ أن أخوضَ معه هذه المغامرة، انّها بالنسبة إليّ فعلاً مغامرة غريبة من نوعها، لم يسبقْ لي أن خضتُ مثيلاً لها.

أجل، أن تعبرَ عوالم هكذا شخصيّة، مغامرة من نوعٍ خاص، لكني أحبُّ الدخولَ في هكذا مغامرات، فهي تفتحُ لي آفاقاً جديدة، غير معروفة من قبل، وبدأتُ أهتمُّ به كلَّما صادفته، وفي إحدى لقاءاتنا، تركتُهُ يسيرُ قبلي ثم مررتُ بجانبه وسلَّمْتُ عليه، لم يجِبْ على سلامي فسلَّمْتُ عليه ثانيةً، فلم يردّ عليَّ، ثمّ لامسْتُ كتفه قائلاً له انَّني أسلّم عليك فلماذا لا تردُّ عليّ؟ فأجابني بانفعال لا تقاطع سلسلة أفكاري، اتركني أكمِّل حديثي مع صديقتي، عندها تيقَّنتُ تماماً أنَّه يتواصل مع فتاتِهِ في خيالِهِ، وتبيّنَ لي أنه ربّما كان غائصاً يوماً ما في قصّةِ حبٍّ غرامية وحصل ما حصل إلى أن وصل إلى هذا الانفصام المرير! تركته على راحته، إلى أن وصلنا الدَّرج، صعدنا الدرجَ الذي يقودُ إلى ساحةِ المحلِّ الذي أعملُ فيه، عَبَرَ دار رعاية المرضى والمعاقين، وأنا عبرتُ محلِّي المقابل لدارِ الرِّعاية.

ظلّتْ طريقته الحوارية مع فتاتِهِ معلّقة في ذهني طويلاً، هزَزْتُ رأسي متمتماً، الإنسان ضعيف أمام أزمات الحياة، وكلّ إنسان معرّض لهكذا نكسات! كنتُ ألتقيه مرة في الأسبوع، وهكذا تشكلَّ لديّ نوع من العلاقة والالفة ثمَّ تولدَّت لديَّ رغبة عميقة لمعرفة عوالمِهِ الوهميّة، فكّرتُ طويلاً بطريقةٍ أستطيعُ من خلالها أن أدخل معه في حوارٍ لعلّي أعرفُ خبايا أوهامه التي يتجاذبُ معها أطراف الحديث، لربَّما أستطيعُ أن أخفِّفَ ولو قليلاً من انكساراته.

دخلتُ على الخطِّ، في أوجِ إحدى حواراته مع فتاته، رأسه نحو الأعلى، كأنَّ حبيبته معلّقة في السماء وهو يناجيها، سلَّمْتُ عليه، لامسته من كتفِهِ كي ينتبه إلى صوتي، تابعَ حديثه مع فتاته وكأنّه لم يسمعْ صوتي ولم يشعرْ بملامستي لكتفه، ثم هزَزْتُ كتفه بهدوء قائلاً، لماذا توجّه أنظارَكَ نحوَ الأعلى؟ انني هنا، أتحدّث معك، دعني وشأني أتحدَّثُ مع صديقتي، أنا صديقتكَ التي تتحدّثُ معها دائماً! مَنْ أنتِ، صديقتي؟ معقول! لكنكِ دائماً كنتِ هناك في الأعالي، كيف نزلتِ إلى الأرض؟
كي تستطيع أن تراني وتتحدَّث معي عن قرب وجهاً لوجه، ضحكَ بعفويةِ وفرحِ المصابين بالانفصام، ما كانَ ينظرُ نحوي بدقّة، عيناه تتحرَّكان بطريقةٍ غير مركَّزة على جهةٍ ما، يبدو وكأنّه لا يرى بشكل جيد، سلَّمْتُ عليه باليد، ففرح وقال لي هذه أوَّل مرة تسلِّمينَ عليَّ منذ أن غبتِ عنّي وعبرتِ زرقةَ السماء.
حاولْتُ أكثر من مرة أن ألتقيكَ وجهاً لوجه لكنَّكَ كنتَ تصرُّ أن توجِّهَ أنظارَكَ نحوَ الأعلى، لهذا أحببتُ هذه المرّة أن أنزلَ من عليائي إليك، لأنني بشوق أن أتحدَّثَ معكَ، بشوقٍ كبير أن أتناولَ معكَ قليلاً من الطعام، أن أشربَ معكَ قهوة بعدَ الغذاء، نتناول آيس كريم، هل تتذكَّرُ عندما كنّا نعبرُ الغابات، ونتجوَّلُ في أزقَّةِ المدينة حتى أنصاصِ الليالي، نسهرُ، نرقصُ نغني وكأننا نملكُ الدنيا وما فيها؟!
نعم، أتذكرُ هذا، لكن لماذا اختفيتِ فجأةً عنّي وتواريتِ بعيداً، وعبرتِ ثنايا السحاب؟!
كي تشتاق إليَّ أكثر من قبل، تفضَّلْ، أنني أريدُ أن أقدِّمَ لكَ الآيس كريم التي كنتَ تحبُّها.

فيما كنتُ أمسكُ يده، متوجّهاً إلى محلّي، كانت المشرفة عليه، ممرضته الخاصّة، تراقبني من بعيد، مذهولة من النتائجِ التي حقَّقتها معه، همستْ في سرِّها، كيف استطاعَ هذا البائع أن يتكلَّمَ مع مريضي، وكيفَ أقنعه أن يسيرَ معه إلى محلِّه، ها قد دخلا المحل سوية، قدّمَ إليه البوظة التي يحبُّها، فتحَ له البوظة، ثم قدَّمَها له كي يتناولها، خرجا من المحل، الشَّمس دافئة، ترسلُ أشعتها الذهبية فتضفي على المكان دفئاً، جلسَ على المقعدِ تحت شجرة كبيرة، ثم تركَه يتناولُ بوظته، بعد أن ودَّعه، وواعداً إيّاه أن يعودَ إليه بينَ الحينِ والآخر، كانت البسمة مرتسمة على وجهِهِ وهو يتناولُ البوظة بشهيّةٍ مفتوحة.

تقدَّمَتْ نحوَهُ المشرفة التي ترعاه، حاولَتْ أن تتحدّثَ معه، لكنه لم يستجِبْ إليها، رفع رأسه عالياً، يتحدّث مع فتاته، لا تغيبي عنّي طويلاً. وبعدَ عدِّةِ محاولات من الممرضة، وقفَ متوجّهاً نحوَ دارِ العجزة والمعاقين، أمسكَتْ يده، تساعده على الدخول إلى دارِ الرعاية، التي قضى فيها سنيناً طويلة! وبعد لحظات جاءت تسألني بفضولٍ كبير، كيفَ استطعْتَ أن تتحدَّثَ مع مريضي، كيف استطعْتَ أن تقنعَهُ بالاصغاءِ إليكَ وكيفَ تمكَّنتَ أن تجعلَهُ يشعرُ بوجودِكَ؟! فأنا أشرفُ عليهِ منذُ سنوات، ولم أستطِعْ أن أحقِّقَ ماحقَّقتَهُ أنتَ خلال فترة وجيزة، لأنَّهُ يعيشُ خارج الواقع، يعيشُ مع انفصامِهِ وأوهامِهِ منذُ سنين!

لا أخفي عليكِ، لفتَ انتباهي عالمه منذُ أن شاهدته أوَّل مرّة، وبعدَ مشاهدتي إيَّاه عدَّة مرّات من خلال دورة الباص التي تنتهي بنا إلى هنا، استطعتُ أن أعرفَ محورَ تركيزه الموهوم، حيث وجدته يحاورُ فتاته الوهمية التي غابت عنه، فأوهمته أنني الفتاة التي يتواصل معها، وهكذا نقلْتُ حواره مع فتاته الوهمية إلى الحوار معي، على أنني هي بعينها، مبيّناً له أنني بشوقٍ كبير للحديثِ معَهُ وجهاً لوجه، ففرحَ بنزولي من الأعالي إلى عوالمه، لهذا تواصلَ معي وتحدّثَ معي على أنني صديقته الوهمية، وإلا فمن المستحيلِ اقناعه الحديث معي أو مع غيري، لأنَّ محور تركيزه أصبح موَجَّهاً على أوهامِهِ، فلا بدَّ من إدخاله إلى عالمنا عبر منحى أوهامه، كي نحقِّقَ له عبر هذا العبور نوعاً من التواصل معه، ورويداً رويداً ربما نستطيعُ الولوج إلى عوالمه السحيقة ونضعُ أيدينا على جراحِهِ الغائرة لعلَّنا نعثرُ على بعضِ الخيوطِ التي تقودُنا إلى بَلْسَمَةِ انكساراتِهِ وأوجاعِهِ الخفيِّة!

ستوكهولم: كانون الأول (ديسمبر) 2007
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com
www.sabriyousef.com


نقلاً عن موقع كيكا
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-03-2008, 01:34 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 45,450
افتراضي

اقتباس:
ورويداً رويداً ربما نستطيعُ الولوج إلى عوالمه السحيقة ونضعُ أيدينا على جراحِهِ الغائرة لعلَّنا نعثرُ على بعضِ الخيوطِ التي تقودُنا إلى بَلْسَمَةِ انكساراتِهِ وأوجاعِهِ الخفيِّة!
اقتباس:

قد يكونُ الأمرُ سهلاً


قد يكونُ الأمرُ صعبا



قد خرقتَ ما تسمّى


حاجزاً خوفاً و دربا



فامتطيتَ العقلَ مسعىً


ناجحاً قوّاكَ حِزْبا



لم تشأ تنأى بعيداً


تاركاً حزناً و غُلبا



يوجعُ الأحشاء منه


فارتأيتَ السعي حُبّا



و اقتنصتَ الظرفَ عشتَ


حالةً عاتبتَ طِبّا



قلتَ لم ينفعْ بشيء


حالوا فهماً و قرْبا



من أمانيه و حلمٍ


أنهك الأعصابَ حَرْبا



ادخلوا نفساً لديه


عاينوا همّاً و غُلبا



و اجعلوا منكم صديقاً


و اخلقوا منكم مُحِبّا



يستجيبُ العقلُ منه


تربحوا نفساً و قلبا!
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25-03-2008, 02:10 PM
SabriYousef SabriYousef غير متواجد حالياً
Silver Member
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 594
افتراضي

الصديق العزيز فؤاد أبو نبيل

تحية

عبور شفيف إلى عوالم الأسى ، قصة من الصعب التقاط فضاءاتها، هذه الفكرة كانت تراودني منذ سنين، لكني منذ فترة قصيرة وضعت في الاعتبار أن أكتبها، حاولت مراراً قبل المرة الأخيرة لكني ما كنتُ أفلح بالامساك بخيوط اللعبة القصصية، لكن الفكرة كانت مفروشة في ذهني إلا أن طريقة سردها وبناءها ما كان سهلاً عليّ التقاطه، فجأة وجدت نفسي مندفعاً أن أكتب القصة بكل تفاصيلها ثم صغتها مراراً إلى أن جاءت في الحلّة المنشورة!

منذ أن عبرت عوالم الشبكة العنكبوتية ومنذ أن كتبت عبر الحاسوب الالكتروني، لا أستعمل القلم والكتابة على الورق، فكل نصوصي وقصصي والدراسات والحوارات التي أجريت معي والتي أجريتها مع غيري، كل هذه الأنواع من الكتابة أكتبها مباشرة على الكومبيوتر ثم أصيغها وأصيغها وأصيغها! بعض الكتابات تظل سنيناً وغير جاهزة للنشر، وبعضها أجهِّزه خلال ساعات أو أيام وذلك بحسب النص ومشاكسات النص، وهكذا تولد نصوصي من رحم الحياة وتظهر إلى النور بحسب شغفها وتوقها إلى الولادة!

لكني عندما أكون خارج المنزل وتخطر على بالي فكرة ما، أدوِّنها على قصاصة ثم أدرجها في قائمة الأفكار التي تصلح لصياغة نص أدبي ..

أغلب أحداث القصة التي بين أيدينا، عبور في عوالم واهِم، التقطتها من الواقع المرير لعوالم الشخصية التي رسمتها، لكن أعطيت فضاء فنياً لحيثيات السرد وتفاصيل متناغمة مع انسيابية القص والسرد كي تأتي القصة غير ناتئة لدى القارئ!


كل المودة والإحترام
صبري يوسف ـ ستوكهولم

التعديل الأخير تم بواسطة SabriYousef ; 25-03-2008 الساعة 02:14 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:49 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke