الصّوم
الصّوم رياضة روحيّة وجسديّة في آن معاً وقد صام موسى 40 يوماً لتسلّم لوح الوصايا العشر وصام المسيح 40 يوماً بعد معموديّته ونحن نصوم 40 يوماً قبل العيد.
إنّ الغاية من الصّوم هي الامتناع عن جانب من شهوات الحياة الدنيا ومحاولة صقل النّفس وتهذيب الجسد وقهر رغباته ليظلّ التقرّب إلى الله خالق الكون ممكناً وليست هذه سوى تجربة تدفع بالمرء إلى التوجّه بشكل ما إلى خالقه والاعتراف له بالجميل الذي منّ عليه به من خلال هذا الخلق المبدع, وروعة هذا الإبداع. كما أنّه مشاركة للفقير إحساسه بالحاجة وفقدانه للكثير من احتياجات الحياة العاديّة.
إذا كان الصّوم في الماضي رياضة شخصيّة إلاّ أنّه يصبح بشكل أو بآخرعلى هيئة مشاركة الإنسان لأخيه الإنسان, ففي الحياة يسر مثلما فيها عسر كذلك فيها الغنى مثلما فيها الفقر, وكم هو جميل أن يحسّ المرء بأنّه فقير إلى الله, وهو يستطيع قهر حاجة أو التغلّب على رغبة من خلال تطويع النفس والجسد في صورة لائقة تدفع إلى راحة الضمير وهدوء النفس. وقد كان الصّوم إلى جانب الصّلاة منذ أيام الكنيسة الأولى ركناً هاماً من أركان الإيمان الكنسي والمعتقد المسيحي على مرّ العصور ولا يزال حتى يومنا هذا علماً أنّه قد تمّ التّخفيف منه عدداً وممارسة ليتيسرّ للناس في هذا العصر التجاوب مع ظروف الحياة ومتطلّباتها علماً أنّ الفاقة كانت في الماضي كبيرة وفي الوقت الحاضر يتوفّر كلّ شيء لكنّ الذي ناله التغيّر بشكل كبير هو إيمان الناس حيث أنّه تراخى وتراجع ولم يعد كما كان عليه في عصور الكنيسة فيما مضى من الزمان.