![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
لماذا ثار العالم على البابا … بقلم : الأب عامر قصار إنه لمدهشٌ ومستَغرَب أن نرى كل هذه الاحتجاجات والتظاهرات على مدى ما يُعرف بالعالمين العربي والإسلامي، بعد المحاضرة التي ألقاها قداسة الحبر الأعظم البابا بندكتوس السادس عشر في إحدى جامعات ألمانيا. والسؤال الذي يُطرح بقوة لماذا كل هذه الاحتجاجات والغضب العارم؟ هل قرأ أحدٌ ما تناوله البابا في هذه المحاضرة؟ هل فهم أحدٌ السياق العلمي لهذه المحاضرة؟ إني أكاد أجزم أن أكثرية من نزل إلى الشارع، أو حتى ظهر على شاشات التلفزة، لا يعرف ماذا قال البابا!!! وجلّ ما اطّلع عليه هؤلاء هو ما كُتِب في الجرائد أو في شريط الأخبار على المحطات التلفزيونية، والتي تتميز كل واحدة منها باتجاه سياسي معين... إذاً، لماذا غضب العالم؟ للجواب على هذا السؤال لا بد من وقفة جريئة نقيّم فيها ردود الفعل التي ظهرت في العالم رداً على كلام البابا. أولاً- البابا لم يكن بصدد "التصريح" وهذا أول خطأ ارتُكِب في الإعلام، وفي الردود من بعض الدول وبعض علماء الدين. إن البابا كان بصدد إلقاء محاضرة علمية في جامعة ألمانية، ولم يكن على منبر الوعظ، أو في مؤتمر صحفي أو ما شابه ذلك، حتى يكون كلامه تصريحاً. والردود التي جاءت كلها استخدمت هذا التعبير، وفي هذا مغالطة تاريخية. ثانياً- إنّ بابا الفاتيكان ليس شخصاً مستقلاً بحد ذاته، وهو لا يحق له أن يعبر عن رأيه الشخصي في أي مجال من المجالات، وخاصةً إذا تعلّق الأمر بالعلاقة مع الأديان الأخرى. وهنا لا بد من التذكير بأن للفاتيكان توجه واضح إزاء هذا الموضوع، ولعله من أول المؤسسات الدينية التي طرحت موضوع الحوار بين الأديان. وفي وثائق المجمع الأخير في الكنيسة الكاثوليكية، وهو المجمع الفاتيكاني الثاني، كلام واضح عن الإسلام، وعن نظرة الكنيسة لهذا الدين وللعلاقة معه. وأقتطف بعضاً مما جاء فيه: "ولكن تصميم الخلاص إنما يشمل الذين يعترفون بالخالق، ومن بينهم أولاً المسلمون الذين يعترفون أن لهم إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الإله الواحد الرحيم، الذي سيدين البشر في اليوم الأخير" (دستور عقائدي في الكنيسة، رقم 6). وفي تصريح حول علاقة الكنيسة مع الديانات غير المسيحية، في الفقرة الثالثة، يقول المجمع: "وإذا كانت قد نشأت، على مر القرون، منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمجمع المقدّس يحض الجميع على أن يتناسوا الماضي ويعززا معاً العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس". هذا هو الموقف الواضح والصريح للفاتيكان تجاه الإسلام، فما المطلوب أكثر من ذلك؟ ولعلي هنا أتساءل حول من طلب موقفاً واضحاً من الفاتيكان بالنسبة لعلاقة الكاثوليكية بالإسلام، هل انتظروا كل هذه الفترة من حياتهم حتى يستوضحوا موقف أكبر ديانة في العالم تجاه الإسلام؟ أم هم فعلاً جاهلون بموقف هذه الكنيسة؟ وهل نسي من يسأل أن الفاتيكان، والبابا الراحل تحديداً، هو الوحيد الذي استطاع أن يجمع كل الأديان في مكان واحد لأجل الصلاة؟ وأن البابا الحالي قد تابع بنفس الخط نظراً لإيمانه العميق بأهمية الحوار؟ ثالثاً- هناك من قال أن أقوال البابا تندرج في إطار مؤامرة إسرائيلية أمريكية لضرب الإسلام. وهنا أسأل من يطرح مثل هذه الطروحات، هل نسي أن الفاتيكان هو أول من وقف ضد الحرب الأميركية على العراق؟ وهو من أدان هذه الحرب بجرأةٍ فاقت بكثير جرأة بعض الدول العربية والإسلامية؟ ألم يقف الفاتيكان موقف الإدانة للحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان؟ أليس الفاتيكان أول من شجب الرسوم الكاريكاتورية التي أساءت إلى نبي الإسلام؟ كيف يحق لنا أن ننسى بهذه السرعة ونقف مثل تلك المواقف؟ إنه سؤال برسم من يهمه الأمر. رابعاً- من عبّر عن سخطه بالمظاهرات والحرق والتكسير، أذكره كيف تظاهر منذ أشهر عدة على الرسوم الكاريكاتورية، وكم قاطع البضائع الدانماركية، وكم حرق من السفارات، ثم نسي كل ذلك، ودخل في سُباتٍ حتى الكلام الأخير لقداسة البابا. وفي كل مرة يتم فيها التعبير بهذه الطريقة تترسخ الفكرة عند الغرب عن الإسلام والمسلمين أنهم لا يستطيعون أن يعبروا عن غضبهم إلا بهذه الطريقة غير الحضارية، مما يستوجب إجراءات أمنية مشددة. ولعلي أسأل هنا كيف انتهت مقاطعة البضائع الدانماركية دون أي اعتذار صريح للدانمارك؟؟ هذه المواقف الأربعة البارزة بعد كلام الحبر الأعظم تجعلني أستاء لأن ليس فيها ولا موقف صحيح، وسوف تسألون ما هو الموقف الصحيح؟ طبعاً سأقول رأيي، وربما للآخرين رأي آخر أحترمه وأقدره... أعتقد أنه كان بإمكان علماء الدين المسلمين أن يتخذوا موقفاً واضحاً موحداً تجاه ما صدر عن البابا، فيردون على أقواله بأسلوب علمي وحضاري، ويقيمون الندوات التي تناقش وتوضح. إلا أن المشكلة ليست في ما قاله البابا، بل المشكلة في أن الإسلام متعدد المذاهب، وكل مذهب يجتهد في تفسير القرآن والسنة بحسب رؤيته، وهنا لا أريد أن أثير إشكالاً، ولكن هذا ما نلاحظه أقله على الفضائيات، والنتيجة هي ما نراه في هذا العالم. وأنا أسأل هل ما يفعله تنظيم القاعدة هو جهادٌ في سبيل الدفاع عن النفس؟ هل قتل الأبرياء في العالم هو حربٌ مقدّسة؟ ربّ قائل يقول إن القاعدة هي تنظيم إسلامي متطرف، ولكن في النهاية هي تقرأ القرآن بهذه الطريقة وتعبر عنه هكذا. سقتُ مثالاً واحداً أكتفي به للقول إن كنا نريد أن نقول للبابا أنه قد أخطأ، فعلينا أن نشرح له أين وكيف قد أخطأ، وأن نوضح له بالدليل والبرهان وبشكل واضح وقاطع، ومن كل المذاهب الإسلامية. هكذا يكون التعبير، وليس بتجييش الناس وإلقاء الخطب الحماسية التي تثير الغضب والحنق في النفوس. وأريد هنا أن أعطي مثالاً آخر ولكن على الجانب الآخر، فقد ظهر منذ فترة كتاب شيفرة دافنشي الذي أساء بشكل كبير للسيد المسيح. كيف ردت عليه الكنيسة والمؤمنون المسيحيون في أنحاء العالم؟ ردوا عليه بتفنيد ما جاء فيه بطريقة علمية، ونشروا كتباً توضح الادّعاءات والأباطيل التي ساقها المؤلف، ولم تقم المظاهرات، ولم تُطلَب الاعتذارات، ولم تُحرق الأعلام ولا الشخصيات، ولا قوطعت البضائع والمنتجات... علماً أن هذا الكتاب قد نُشر في الدول العربية بأعدادٍ كبيرة، ولم تطلب الكنيسة سحبه. بربّكم قارنوا بين الموقفين، وستجدون الفرق. اسمحوا لي في الختام أن أسأل بعض الأسئلة: لماذا لم يثُر هؤلاء الثوّار على تغيير المناهج في الدول الإسلامية بطلب من أميركا؟ ولمَ لم يثوروا على حكّامهم الذين يحاولون إلغاء كلمة الجهاد من الثقافة الإسلامية؟ لماذا لم يثوروا رفضاً لتشويه فئات متطرفة للإسلام في كل أنحاء العالم؟ أليس كل هذا ضعفاً وضحكاً على الذات؟ أليس هذا كله صمتاً وعاراً؟ أليس هذا كله تعبيراً عن كبتٍ مدفون لدى شعوبنا لا يستطيعون أن يعبروا عنه إلا عندما يصدر الكلام من أشخاصٍ غرباء. كفانا هزءاً بأنفسنا، ولننتفض على واقعنا، ولننهض بأمتنا بعيداً عن الغوغائية.. ختاماً لا بدّ لي من توجيه تحية قلبية عميقة صادقة إلى رجال الدين المسيحيين، وعلماء الدين المسلمين في سوريا، وعلى رأسهم سماحة المفتي الدكتور بدر الدين حسون على هذه الشجاعة التي تحلّى بها، وعلى هذه الحكمة التي اعتدناها منه، والتي أظهرت حقيقة الشعب السوري الحضارية، والمبنية على الحوار الحقيقي والجاد والصريح بين الأديان... وإلى من يسأل كيف نواجه، فليتعلم من السوريين... منقول عن سيريا نيوز |
|
#2
|
|||
|
|||
|
.
الأستاذ فؤاد خيار موفق مقالة جميلة ، عميقة في تحليلها تستحق التوقف عندها و التمعن بما جاء فيها تحياتي . |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|