![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
قداسة النصّ ومسؤولية الإنسان: من أين يبدأ العنف؟
بقلم فؤاد زاديكي ليس العنف مجرّد فعلٍ تنتهي مسؤوليته عند اليد التي نفّذته، بل هو، في كثير من الأحيان، نهاية مسار طويل من الأفكار والتأويلات والتصوّرات التي تجعل ارتكابه مُمكنًا في وعي صاحبه. فالإنسان لا يضغط على الزناد بجسده وحده، إنّه يفعل ذلك أيضًا بما يحمله من أفكار عن الخير والشرّ، والحقّ والباطل، والصديق والعدوّ، والحياة والموت. وقد تكون الجريمة لحظةً واحدة في الزمن، لكنّ الطريق الذي جعلها تبدو مشروعة في نظر مرتكبها قد يمتدّ سنوات، وربّما يبدأ منذ الطفولة، حين يتلقّى الإنسان تصوّراته الأولى عن العالم وعن الآخرين. من هنا، يبدو النقاش الذي يتكرّر عقب كلّ جريمة إرهابية يرتكبها مسلم نقاشًا ناقصًا حين ينحصر في سؤال واحد: هل يُمثّل هذا الشخص الإسلام أم لا؟ فالسؤال عن التمثيل الديني قد يكون مهمًّا لفهم موقف الجماعات المختلفة من الجريمة، لكنّه لا يكشف وحده عن البنية الفكرية التي أتاحت لمرتكبها أن يمنحها معنىً دينيًّا. إنّ نفي التمثيل لا يفسّر الفعل، كما أنّ إدانة الفاعل لا تفكّك بالضرورة الأفكار التي استند إليها. وقد ننجح في عزل المجرم قانونيًّا، بينما تبقى المفاهيم التي استثمرها قائمةً في الكتب والمناهج والخُطَب، تنتظر مَنْ يُعيد توظيفها في سياق آخر. إنّ السؤال الأعمق هو: كيف يمكن لفعلٍ يراه معظم الناس جريمةً واضحة أن يظهر في وعي مرتكبه بوصفه طاعةً أو بطولةً أو تضحيةً مقدّسة؟ هنا تبدأ مسؤولية الفكر. فالعنف لا يحتاج دائمًا إلى غياب الأخلاق، أحياناً يكفي أن يُعاد تعريف الأخلاق ذاتها، وأن يُقنَع الإنسان بأنّ ما يفعله ليس اعتداءً على بريء، بل دفاعٌ عن الحقيقة، أو انتقامٌ للحقّ، أو تنفيذٌ لإرادة أعلى. وعندما تُمنَح هذه القناعة سلطةً دينيّة مُطلقة، يُصبح من الصعب على صاحبها أن يرى ضحيته إنسانًا كاملًا، له حياة وضمير وعائلة وحقّ في الاختلاف. إنّ النصوص الدينية، بوصفها نصوصًا نشأت في سياقات تاريخية وتناقلتها أجيال من المؤمنين والمفسّرين، لا تعمل في الواقع بمعزل عن قراءاتها. فبين النصّ والفعل مسافةٌ يملؤها التأويل والتعليم والمؤسسات والظروف الاجتماعية والسياسية. وقد يستند قارئ إلى نصّ ليدعو إلى الرحمة، فيما يستند قارئ آخر إلى نصّ آخر ليبرّر العداء، وقد يقرأ الشخص نفسه النصوص بطريقة مختلفة تبعًا للبيئة التي يعيش فيها وللخطاب الذي يتلقّاه. لذلك، فإنّ القول إنّ النصّ وحده يصنع الإرهاب تبسيطٌ لا يُفسّر الظاهرة، لكنّ القول إنّ النصّ لا يُمكن أن يُسهم في تشكيل الوعي أو تبرير السلوك تبسيطٌ من نوع آخر. وفي التراث الإسلامي، كما في تراث أديان أخرى، نصوصٌ تتناول الحروب والقتال والخصومة، إلى جانب نصوص تدعو إلى العدل والرحمة والإحسان. وقد استخدمت جماعات متطرّفة بعض النصوص والتأويلات لتبرير أعمال عنف، بينما رفضتها قراءات إسلامية أخرى أو وضعتها ضمن سياقاتها التاريخية والفقهية. لكنّ وجود اختلاف في التفسير لا يُلغي الحاجة إلى النقد، بل يجعلها أكثر إلحاحًا. فحين تتعدّد القراءات، يُصبح من المشروع أن نسأل عن الأسس الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم اختيار إحداها، وعن مدى انسجامها مع حقّ الإنسان في الحياة والحرية والمساواة. وهنا تظهر المُعضلة التي يصعب على بعض الخطابات الدينية مواجهتها: هل تُقاس أخلاقية الفعل بآثاره على الإنسان وحقوقه، أم يُكتفَى بالقول إنّ الفعل مشروع لأنّ تأويلًا معيّنًا للنصّ قد أجازه؟ وإذا كان التأويل البشري قابلًا للخطأ، فلماذا يُعامَل أحيانًا كما لو أنّه جزء من الحقيقة الإلهية نفسها؟ وإذا كان البشر هم الذين يختارون ما يقرؤون وكيف يفسّرونه وكيف يطبّقونه، أفلا يتحمّلون مسؤولية أخلاقية عن نتائج تلك الاختيارات؟ إنّ قداسة النصّ في وجدان المؤمن لا تعني أنّ كلّ تفسير بشري له مقدّس، ولا أنّ كلّ حكم تاريخي يجب أن يتحوّل إلى قاعدة أبدية تحكم العلاقات بين البشر. فالتاريخ يتغيّر، والمجتمعات تتغيّر، ومعارف الإنسان تتّسع، وما كان يُفهم في زمنٍ ضمن ظروف مُحدّدة قد يحتاج إلى إعادة قراءة في زمن آخر. ولا ينبغي أن تكون هذه المراجعة خُصومةً مع الإيمان بالضرورة، بل يمكن أن تكون اعترافًا بمسؤولية الإنسان عن فهمه وتطبيقه. فحين يرفض المرء مراجعة تأويله بحجّة القداسة، قد يمنح اجتهاده البشري سلطةً لا يستحقّها، ويحوّل الاختلاف معه إلى تمرّد على المقدّس نفسه. ولا يعني ذلك أنّ كلّ من ينتمي إلى دينٍ يؤمن أتباعه بأنّه الحقّ المُطلق سيُصبح متعصّبًا أو عنيفًا. فالبشر أكثر تعقيدًا من أن تفسّرهم عقيدة واحدة، والتربية النقدية، والاختلاط بالآخرين، والقوانين العادلة، والاستقرار الاجتماعي، كلّها عوامل قد تحدّ من أثر الخطابات الإقصائية. لكنّ الإنسان الذي يتعلّم منذ الصّغر أنّ المُختلف عنه أدنى منه في الحقيقة أو القيمة قد يحتاج إلى جهد إضافي كي يُدرك أنّ الاختلاف لا ينتقص من إنسانية أحد. وهنا تقع مسؤولية التعليم: لا في إلغاء حقّ الطفل في التعرّف إلى تراثه الديني، بل في مَنعه من الخلط بين الإيمان بحقّ المرء في اعتقاده وبين امتلاك الحقّ في الحكم على قيمة الآخرين أو الانتقاص من حقوقهم. إنّ أخطر ما يُمكن أن يفعله التعليم هو أن يقدّم للطفل إجابات نهائية عن البشر قبل أن يعلّمه كيف يسأل، وأن يحدّد له مَن يستحقّ المحبّة ومَن يستحقّ النفور بناءً على الانتماء، لا على السلوك. فالتعصّب لا يبدأ بالضرورة بكراهية صريحة أو دعوة مباشرة إلى القتل، قد يبدأ بتصنيف يبدو بريئًا، ثم يتحوّل إلى حاجز أخلاقي، ثم إلى شعور بالتفوّق، ثم إلى قبول بحرمان الآخرين من حقوق يراها المرء طبيعيةً لنفسه. وإذا أُضِيف إلى ذلك خطاب يضفي القداسة على العداء، فقد يُصبح الإقصاء في نظر صاحبه واجبًا لا ظلمًا. لذلك، لا تكفي إدانة الإرهاب بوصفه انحرافًا فرديًّا، كما لا يصحّ تحويل الجريمة إلى إدانة جماعية للمسلمين. المطلوب هو التمييز بين المسؤولية الجنائية للفاعل والمسؤولية الفكرية للمؤسسات والخطابات التي تروّج لأفكار تمييزية أو تتيح توظيفها في التحريض. فالفرد مسؤول عن اختياراته وأفعاله، لكنّ المجتمع مسؤول أيضًا عن فحص المناخ الفكري الذي يسمح لبعض الأفكار بأن تتكرّر وتكتسب شرعيةً اجتماعية. ولا تتساوى المسؤوليتان، ولا تحلّ إحداهما محلّ الأخرى، لكنّ تجاهل أيّ منهما يترك جزءاً من المشكلة من دون معالجة. إنّ نقد الفكر الديني لا يَستلزم ازدراء المؤمنين، كما أنّ احترام المؤمنين لا يفرض الصمت عن النصوص أو التأويلات التي يمكن استخدامها لتبرير الأذى. إنّ حقّ الإنسان في الاعتقاد مكفول بقدر ما أنّ حقّ غيره في ألّا يُكره على الاعتقاد أو يُعاقَب بسبب اختلافه مكفول أيضًا. وحين يُصبح احترام المقدّس ذريعةً لتجاهل كرامة الإنسان، نكون قد وضعنا الوسيلة فوق الغاية، وجعلنا الأفكار أهمّ من البشر الذين يفترض أن تخدم حياتهم. إنّ المجتمع الذي يُريد مقاومة الإرهاب لا بدّ أن يطرح أسئلةً غير مُريحة: ماذا نعلّم أطفالنا عن المختلفين؟ كيف نقدّم نصوص القتال؟ هل نوضح سياقاتها التاريخية أم نتركها مفتوحةً أمام التأويلات الأكثر عدائية؟ هل نربّي الإنسان على التفكير المستقلّ أم على الطاعة العمياء؟ وهل نملك الشجاعة للاعتراف بأنّ بعض الأفكار التي ورثناها قد تحتاج إلى مراجعة، حتى لو كانت جزءًا من تقاليد نعتزّ بها؟ لا توجد إجابة واحدة تختصر أسباب الإرهاب، ولا يمكن إصلاح التعليم وحده من دون معالجة الظلم والاستبداد والتهميش والتوظيف السياسي للدين. لكنّ هذه العوامل لا تُعفينا من مسؤولية مراجعة الخطاب الفكري. فحين يُستعمل الدين لتبرير العنف، لا يكفي أن نُعلن أنّ مرتكب الجريمة أساء فهمه، بل ينبغي أن نفهم كيف نشأ هذا الفهم، وما الذي جعله مُقنعًا، وما الذي يُمكن أن يَمنع تكراره. في نهاية المطاف، لا ينبغي أن تكون الغاية حماية صورة الدين من النقد، ولا حماية الإنسان من كلّ سؤال يمسّ معتقده، بل حماية الإنسان من العنف، أيًّا كانت الذريعة التي يتخفّى وراءها. فالقيمة الأخلاقية لأيّ تأويل تظهر في الطريقة التي يعامل بها البشر، وفي مدى احترامه لحياتهم وحقوقهم وحرية ضمائرهم. وإذا كان الإيمان لا يكتمل في نظر المؤمن إلّا بالاقتناع، فكيف يُمكن أن يُفرَض بالعنف؟ وإذا كانت الحقيقة تستحقّ الدفاع عنها، فلماذا تحتاج إلى إهدار حياة المختلف كي تثبت وجودها؟ إنّ المشكلة لا تنتهي عندما نقول إنّ الإرهابي لا يمثّل دينه، بل تبدأ حين نسأل عمّا جعله يعتقد أنّ جريمته يمكن أن تُمثّل الحقيقة. عندها فقط ننتقل من الدفاع عن الهُوِيّات إلى مُساءلة الأفكار، ومِن تبرئة الجماعات أو إدانتها إلى فَهم المسؤولية، ومن الاكتفاء بمعاقبة اليد التي ارتكبت الجريمة إلى تفكيك المنظومة التي حاولت أن تمنحها مبرّرًا. فالإنسان ليس وسيلةً لإثبات صحّة النصوص، ولا ينبغي أن تكون حياته ثمنًا لتأويلٍ يَختلف عليه البشر. وحين تُصبح كرامة الإنسان مِعيارًا لا يجوز تَجاوزه، يصبح الإيمان خيارًا حرًّا، ويصبح الاختلاف حقًّا، وتفقد الكراهية قُدرتها على التنكّر في هيئة الفضيلة. فؤاد زاديكي |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|