![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
حين يموت الإنسان: بين حقيقة ما كان ورحمة ما نرجوه بقلم الباحث فؤاد زاديكي ثمّة مُفارقة إنسانيّة لطالما استوقفتني في علاقتنا بالموتى: ذلك التحوّل المُفاجئ الذي يطرأ على لغتنا وموقفنا من الإنسان لحظة يُغادر الحياة. فقد يكون المرء في حياته معروفًا بالكذب والنّفاق والسّرقة والظّلم، وقد يكون قد آذى كثيرين، وربما ارتكب جرائم لا يُمكن تبريرها، ثم ما إنْ يموت حتى تنقلب اللغة من حوله انقلابًا عجيبًا، فنسمع: «رحمه الله»، «غفر الله له»، «أسكنه فسيح جناته»، «تغمّده الله بواسع رحمته»، أو في التقاليد المسيحية: «ليتغمد الرب روحه برحمته»، وقد نسمع عبارات تتحدّث عن «الروح الطاهرة» أو عن اجتماع الميت مع الأبرار والقديسين. وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: هل يصبح الإنسان صالحًا بمجرّد موته؟ وهل تمحو الوفاة خطاياه؟ وهل الموت قادر على أن يُحوّل السارق إلى أمين، والكاذب إلى صادق، والظّالم إلى عادل؟ أم أنّ ما يتغيّر بعد الموت ليس حقيقة الإنسان، وإنّما نظرتنا نحن إليه؟ لعلّ أوّل ما ينبغي قوله إنّ الموت لا يَمحُو الأفعال، ولا يُحوّل الشّرّ إلى خير، ولا يجعل الكَذِب صدقًا، ولا السّرقة أمانة، ولا الجريمة فضيلة. الإنسان الذي عاش ظالمًا لا يُصبح عادلًا بمجرّد أن يتوقّف قلبه، والوقائع الأخلاقية والتاريخية المتعلّقة بحياته لا تتغيّر بموته. لكن الذي يتغير هو طبيعة العلاقة بينه وبين الأحياء. فالإنسان الحيّ يُمكن أن يُعاتَب ويُحاسَب ويُطالَب بالاعتذار والتعويض والإصلاح، أمَا المَيت فقد خرج من مجال الفعل المُباشر، ولم يعدْ قادرًا على الدّفاع عن نفسه أو تغيير سلوكه أو إصلاح ما أفسده. ولهذا يبدو أنّ المجتمعات البشرية طوّرت، عبر تاريخها الطويل، قاعدة شبه عامّة مُؤدّاها أنّ الموت يَفرِض على الأحياء قدرًا من الصّمت والرّحمة وضبط الرّغبة في الإدانة، لا لأنّ المَيت صار بريئًا، بل لأنّ مقام الموت ليس مقام مُحاكمة. وهنا يَنبغي التّمييز بين الحكم على أفعال الإنسان، ووصف شخصيّته، والدّعاء من أجله. حين نقول عن شخص حيّ إنّه سرق أو ظلم أو كذب، فنحن نتحدّث عن أفعال يُمكن أن تكون مَوضع إثبات ومُساءلة وحُكم. أمّا حين نقول بعد موته «رحمه الله»، فنحن لا نُقرّر بالضرورة أنّه كان صالحًا، وإنّما نرجو له الرّحمة. والدّعاء بالرّحمة ليس شهادة بالبراءة، كما أنّ الرّجاء في المَغفِرة ليس إنكارًا للخطأ. يستطيع المرء أن يعرف تاريخ شخص ما، وأن يُدين أفعاله، وأن يعترف بأنّه أساء وظلم، ثم يقول في اللحظة نفسها: «رحمه الله». لا تناقُض في ذلك إلّا إذا جعلنا الدّعاء حكمًا قضائيًّا، وهو ليس كذلك. ففي الإسلام يتجسّد هذا الفرق بصورة واضحة في طقوس الموت نفسها. فصلاة الجنازة ليست احتفالًا بتزكية سيرة المَيت، وإنّما هي في جوهرها دُعاء واستغفار له، ومن أشهر ما يُقال فيها: «اللهم اغفر له وارحمه». ولذلك فإنّ المسلم حين يقول «رحمه الله» لا يشهد بالضّرورة أنّ المَيت كان صالحًا، وإنّما يدعو له بالرّحمة والمَغفرة. وفي الوقت نفسه لا تسقط بالموت مسؤولية الإنسان عن أفعاله ولا حقوق من ظلمهم، فالترحّم شيء، وتبرئة السّيرة شيء آخر، والحكم على المصير الأخرويّ شيء ثالث لا يملكه النّاس. ومن ثمّ يستطيع المسلم أن يحفظ الحقيقة عن المَيت، وأن يعترف بما ارتكبه من أخطاء أو مظالم، ثم يترك أمره في النهاية إلى الله. أمّا في المسيحيّة فنجد معنى قريبًا، وإن عبّرت عنه تقاليدها المختلفة بصيغ متنوعة. فالصلاة من أجل المَيت، وطلب الرّحمة له، والرّجاء في الحياة الأبديّة، عناصر حاضرة بقوّة في التقاليد المسيحيّة، ولا سيّما الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة. والصلاة للمَيت لا تفترض أنّه كان بلا خطيئة، بل إنّ معناها في بعض التقاليد مرتبط أصلًا بحاجة الإنسان إلى رحمة الله. وحين يُقال في سياق جنائزي إنّ الرّبّ يتقبّل روح المتوفى أو يسكنه مع الأبرار والقديسين، فإنّ العبارة يُمكن أن تكون رجاءً وابتهالًا، لا تقريرًا تاريخيًّا بأنَ المَيت كان هو نفسه من الأبرار والقديسين. أمّا اليهوديّة فتقدّم نموذجًا آخر. ففي تقاليد الحِدَاد اليهوديّة نجد عبارات التعزية والدّعاء، ونجد القديش المرتبط بتعظيم اسم الله، إلى جانب تقاليد التأبين وذكر خصال المَيت. لكنّ الطقس الجنائزيّ لا يتحوّل بالضرورة إلى شهادة أخلاقيّة شاملة بأنّ المَيت كان بلا عُيوب. ويُمكن احترامه وتعزية أهله من دون إعادة كتابة سيرته أو إنكار أخطائه. وفي الزّرادشتيّة، حيث يحتلّ الصراع بين الخير والشّرّ والنّقاء الطقسي والأخلاقي مكانة بارزة، لا يؤدّي الموت إلى إلغاء المسؤوليّة عن الأعمال. توجد طقوس خاصّة للموت والجسد، لكنّ الإنسان يَظلّ مُرتبطًا بنتائج أعماله ومصيره الأخلاقيّ. وهنا نَجد مرّةً أخرى أنّ احترام المَيت لا يعني بالضرورة تبرئة حياته. وفي الهندوسيّة تختلف الصورة جذريًّا في بعض جوانبها، إذ يرتبط الموت في كثير من التقاليد بدورة الولادة والموت وإعادة الميلاد، وتؤدّي الكارما دورًا أساسيًّا في تحديد آثار أعمال الإنسان. ومع ذلك تُؤدّى للمَيت طُقوس وواجبات دينيّة وأسريّة، تعبيرًا عن الرابطة بين الأحياء والرّاحل، وعن المساعدة الرمزيّة أو الدينيّة في انتقاله. لكنّ أداء هذه الطُقوس لا يعني أنّ أفعاله السّيئة قد تحوّلت إلى حَسَنَة، فالعمل يَظلّ مُحتفظًا بنتائجه. وفي البُوذيّة نجد تصوّرًا مُختلفًا للذّات والموت، لكنّ الرّحمة لا تعني إلغاء نتائج الأفعال. فالكرما حاضرة في كثير من التّقاليد البوذيّة، وتُوجد طقوس وتِلاوات وتذكارات للمَيت تختلف باختلاف المدارس والمجتمعات. والهدف ليس بالضّرورة إصدار حُكم على المَيت بقدر ما هو التّعامل مع الموت والمُعاناة والفَناء بروح من الرّحمة وعدم التشبّث والكراهية. وعندما نضع هذه التّقاليد المُختلفة جنبًا إلى جنب، على الرّغم من اختلافاتها العميقة في مفهوم النّفس والحِساب والخلاص والكارما والحياة الأخرى، يظهر خيط مُشترَك لافت: الموت لا يمحُو المسؤوليّة الأخلاقيّة، لكنّه يغيّر موقف الأحياء من صاحبها. كأنّ الإنسان، منذ أقدم العصور، أدرك أنّ هناك فرقًا بين أن يحاكم فعلًا وأن يحاكم مَيتًا، وبين أن يحفظ الحقيقة وأن يحوّل جنازة إلى منصّة للانتقام. ومن هنا نفهم لماذا يُصبح الموت مناسبةً للرحمة حتى في حقّ مَنْ لم يكن رحيمًا في حياته. فالإنسان المَيت لم يعدْ قادرًا على تغيير شيء. لا يستطيع أن يعتذر، ولا أن يطلب فُرصة أخرى، ولا أن يُصلح ما أفسده. لقد انتقل من عالم الفعل إلى عالم الذكرى. ومن ثمّ يُصبح السؤال مُختلفًا: لَم نَعُدْ نسأل فقط «ماذا فعل؟»، بل نسأل أيضًا «كيف سنتعامل نحن مع غيابه؟». وهذا التحوّل ليس دينيُّا فحسب، بل إنسانيّ عميق. فالموت يجعلنا نواجه حقيقة لا يستطيع أحد التّفاوض معها. نحن نرى شخصًا كان يمشي ويتكلّم ويَغضب ويَضحك، ثمّ يُصبح جسدًا صامتًا. وفي تلك اللحظة لا نرى المَيت وحدَه، بل نرى شيئًا من مصيرنا نحن. ولعلّ كثيرًا من الرّحمة التي نمنحها للموتى هي، في جانب خفيّ منها، رحمة نرجو أن يمنحنا إياها الآخرون حين يأتي دورنا. ومن هنا أيضًا نفهم العبارة الشائعة في بعض الثقافات: «لا تذكروا موتاكم إلّا بالخير». فهي، إذا فهمناها باعتدال، لا تعني أن نكذب بشأنهم، ولا أن نمنح المجرم شهادة براءة لمجرّد أنّه مات. وإلا لتحول احترام الموتى إلى أداة لمحو التاريخ وإهانة الضحايا. لا يّمكن أن نقول عن طاغية إنّه كان عادلًا لمجرّد أنّه مات، ولا أن نصف قاتلًا بأنّه مُحسِن لمجرّد أن أسرته تَبكيه. هناك حقيقة تاريخيّة وأخلاقيّة يجب ألّا تُدفن مع صاحبها. لكنّ هناك فرقًا بين أن نذكر الحقيقة، وأن نشمت بالموت. يُمكن أن نقول عن شخص: «لقد ظلم وأساء وارتكب جرائم»، وأن نقول في الوقت نفسه: «رحمه الله». ويُمكن أن نحفظ أسماء ضحاياه وحقوقهم، وأن نعترف في الوقت نفسه بأنّنا لا نملك الحكم النهائيّ على مصيره. فالعدالة شيء، والشّماتة شيء آخر، والذّاكرة شيء، والانتقام شيء آخر. ومن اللافت أنّ اللغة نفسَها تُساعدنا على فَهم ذلك. فكلمات مثل «الرّاحل» و«الفَقيد» و«المُتوفّى» لا تصدر حكمًا أخلاقيًّا على صاحبها. أما «رحمه الله» فهي في جوهرها دعاء، لا وصف. وحتى عبارة «روحه الطاهرة»، التي تبدو أكثر إشكالًا عندما يكون المَيت مَعروفًا بسوء السّيرة، قد أصبحت في كثير من البيئات جزءًا من اللغة الطقسيّة والأدبيّة، أكثر مما هي حكم فلسفيّ دقيق على حقيقة روحه. إنّها من عبارات المقام، مثلما تختلف لغة المحكمة عن لغة العزاء، ولغة كتب التاريخ عن لغة القبور. ولذلك فإنّني لا أرى في قَول الناس «رحمه الله» بعد موت شخص سيئ بالضّرورة نِفاقًا أو تناقُضًا. قد يكون فيه شيء من العادة الاجتماعيّة، نعم، وقد يكون فيه أحيانًا مُجاملة، وقد يكون فيه احترام لحرمة الموت، لكنّه قد يكون أيضًا تعبيرًا عن إدراك عميق لحدود الإنسان. نحن نعرف بعض أفعال الآخر، لكنّنا لا نعرف كلّ ما في داخله. نعرف جزءًا من حياته، ولا نعرف لحظته الأخيرة ولا ما كان بينه وبين الله، ولا نملك في التصوّرات الدينيّة المٌختلفة أن ندّعي معرفة المصير النهائي للإنسان. إنّ المُشكلة تبدأ فقط حين تتحوّل الرّحمة إلى تَزوير، وحين يُصبح احترام الموت ذريعة لتبييض الجرائم. أما أن نترك باب الرحمة مفتوحًا مع بقاء الحقيقة محفوظة، فذلك أمرٌ مُختلف تمامًا. يُمكن أن نقول: «كان مُخطئًا»، من دون أن نقول: «لا يستحقّ الرّحمة». ويُمكن أن نقول: «كان ظالمًا»، من دون أن نقول: «نحن نعرف مصيره الأبديّ». ويُمكن أن نحفظ ذاكرة الضحايا، من دون أن نحوّل موت الجاني إلى مناسبة للكراهية. ولعلّ أبلغ ما يُمكن أن نستخلصَه من هذه الظّاهرة هو أنّ الموت لا يجعل الإنسان طاهرًا، لكنّه يجعلنا أكثر تواضعًا أمام الحكم عليه. نحن نستطيع أن نحاكم أفعاله، وأن نصف جرائمه، وأن نحفظ التاريخ، وأن نُنصف ضحاياه، لكنّنا لا نستطيع أن نُعيد حياته لكي نُطالبه بأن يُصلح ما أفسده، ولا نستطيع أن نعرف كلّ أسرار نفسه، ولا نملك أن ننتزع لأنفسنا الحكم الأخير على مصيره. ولهذا ربّما كانت عبارة «رحمه الله» أعمق ممّا تبدو عليه في ظاهرها. إنّها ليست بالضّرورة إعلانًا بأنّ المَيت كان صالحًا، بل قد تكون اعترافًا بأنّ الرّحمة شيء نرجوه لأنفسنا ولغيرنا، وأنّ الإنسان مهما كان تاريخه يظلّ، في لحظة موته، كائنًا انتهت قدرته على الفعل وبقيت أفعاله وذكراه ومصيره خارج أيدينا. وفي أعمق طبقاتها، قد تكون هذه العبارة أقلّ حديثًا عن المَيت ممّا هي حديث عن الأحياء أنفسهم: عن حاجتنا إلى إغلاق صفحة من حياتنا دون أن نُمزّقها، وعن حاجتنا إلى أن نحفظ الحقيقة دون أن نحمل الكراهية إلى الأبد، وعن رغبتنا القديمة في أن نؤمن بأنّ هناك عدالة أكبر من قدرتنا، ورحمة أوسع من أحكامنا. إنّ الإنسان حين يموت لا يُصبح ملاكًا، ولا تسقط عنه أخطاؤه بمجرّد أن يُوضع في القبر، فَما فعلَهُ في حياتِه من خيرٍ ومن شرٍّ لم يعد بالإمكان تغييره، لكنّ الأحياء، في تلك اللحظة، يتعلّمون شيئًا عن أنفسهم أيضًا: أنّ الحقيقة لا تحتاج إلى القَسوة، وأنّ الرّحمة لا تحتاج إلى الكَذِب، وأنّ احترام الموتى لا يعني تقديسَهم، وأنَ تَرْك الحكم الأخير لله، أو لِمَا يُؤمن به الإنسان من عدالة كونيّة، لا يعني التخلّي عن الحقيقة والعدالة في هذا العالم. وربّما لهذا ظلّت البشريّة، على اختلاف أديانها وثقافاتها، تبحث عن عبارة تقولها عند القبر، عبارة قصيرة تَقف بين كلمتين كبيرتين: الحقيقة والرحمة. وما مِن عبارة تُؤدّي هذه الوظيفة بصورة كاملة، لكن «رحمه الله» ربّما كانت واحدة من أكثر العبارات اختصارًا لهذا التوتّر الإنسانيّ كلّه: نحن لا نقول إنّ ما كان شرًا قد صار خيرًا، ولا نزعم أنّ المَيت كان بلا خطيئة، وإنّما نقول، ببساطة وعمق: لقد انتهى حكمُنا، وبَقِيت الحقيقة، وأمّا الرّحمة فَنَرجُوها. فؤاد زاديكي التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 22-09-2026 الساعة 07:30 AM |
|
#2
|
||||
|
||||
|
حين يَمُوتُ الإنسانُ: بينِ حَقيقةِ ما كانَ ورحمةِ ما نَرجُوه
بقلم الباحث فؤاد زاديكي ثَمّة مُفارقة إنسانيّة لطالما استوقفتني في علاقتنا بالموتى: ذلك التحوّل المُفاجِئ الذي يطرأ على لغتنا وموقفنا من الإنسان لحظةَ يُغادر الحياة. فقد يكونُ المرءُ في حياته مَعروفًا بالكَذِب والنّفاق والسَّرِقة والظّلم، وقد يكون قد آذى كثيرين، وربّما ارتكب جرائم لا يُمكِن تبريرُها، ثم ما إنْ يموت حتى تَنقلِبَ اللغة من حوله انقلابًا عَجيبًا، فنسمع: «رَحِمهُ الله»، «غَفَرَ الله لهُ»، «أسكَنَهُ فسيحَ جَنّاتِه»، «تغمّدَه الله بواسِعِ رحمتِه»، أو في التّقاليد المسيحيّة: «ليتغمدَ الربُّ روحَه برحمتِه»، وقد نسمع عبارات تتحدّث عن «الرّوح الطاهرة» أو عن اجتماع المَيت مع الأبرار والقديسين. وهنا يحقّ لنا أن نَتساءَل: هل يُصبِحُ الإنسانُ صالحًا بِمُجرّد موتِه؟ وهل تمحُو الوفاةُ خطاياهُ؟ وهل الموتُ قادرٌ على أن يُحَوّلَ السّارقَ إلى أمينٍ، والكاذبَ إلى صادقٍ، والظّالمَ إلى عادلٍ؟ أم أنّ ما يتغيّر بعد الموت ليس حقيقةَ الإنسان، وإنّما نظرتُنا نحن إليه؟ لعلّ أوّل ما ينبغي قَولُه إنّ الموتَ لا يَمحُو الأفعالَ، ولا يُحوّل الشّرَّ إلى خيرٍ، ولا يَجعل الكَذِب صِدقًا، ولا السّرِقَة أمانةً، ولا الجريمةَ فضيلةً. الإنسان الذي عاش ظالمًا لا يُصبِحُ عادلًا بمجرّد أن يتوقّفَ قلبُه، والوقائع الأخلاقيّة والتاريخيّة المُتعلّقة بحياته لا تتغيّر بموته. لكنّ الذي يتغيّر هو طبيعةُ العلاقة بينه وبين الأحياء. فالإنسان الحيّ يُمكن أن يُعاتَب ويُحاسَب ويُطالَب بالاعتذار والتعويض والإصلاح، أمَا المَيت فقد خرج من مَجال الفعلِ المُباشر، ولم يعدْ قادرًا على الدّفاع عن نفسه أو تغيير سلوكه أو إصلاح ما أفسدَه. ولهذا يبدو أنّ المجتمعات البشريّة طَوّرت، عبر تاريخِها الطويل، قاعدةً شبهَ عامّةٍ مُؤدّاها أنّ الموت يَفرِض على الأحياء قدرًا من الصّمت والرّحمة وضبط الرّغبة في الإدانة، لا لأنّ المَيت صار بريئًا، بل لأنّ مقام المَوت ليس مَقام مُحاكمة. وهنا يَنبغي التّمييز بين الحُكم على أفعال الإنسان، ووصف شخصيّته، والدُّعاء من أجله. حين نقول عن شخص حيّ إنّه سرق أو ظلم أو كَذِب، فنحن نتحدّث عن أفعال يُمكن أن تكون مَوضعَ إثباتٍ ومُساءلةٍ وحُكمٍ. أمّا حين نقول بعد موته «رَحِمَهُ اللهُ»، فنحن لا نُقرّرّ بالضرورة أنّه كان صالحًا، وإنّما نرجو له الرّحمة. والدّعاء بالرّحمة ليس شهادة بالبراءة، كما أنّ الرّجاء في المَغفِرة ليس إنكارًا للخطأ. يستطيع المرء أن يعرف تاريخ شخص ما، وأن يُدِين أفعاله، وأن يعترف بأنّه أساء وظلم، ثم يقول في اللحظة نفسها: «رحمه الله». لا تناقُض في ذلك إلّا إذا جعلنا الدّعاء حكمًا قضائيًّا، وهو ليس كذلك. ففي الإسلام يتجسّد هذا الفرق بصورة واضحة في طقوس الموت نفسها. فصلاة الجنازة ليست احتفالًا بتزكية سيرة المَيت، وإنّما هي في جوهرها دُعاء واستغفار له، ومن أشهر ما يُقال فيها: «اللهم اغفرْ له وارحمْه». ولذلك فإنّ المُسلِم حين يقول «رَحِمَه الله» لا يشهد بالضّرورة أنّ المَيتَ كان صالحًا، وإنّما يدعو له بالرّحمة والمَغفِرة. وفي الوقت نفسه لا تسقط بالموت مسؤوليةُ الإنسان عن أفعاله ولا حقوقُ من ظلمهم، فالترحّمُ شيءٌ، وتبرئةُ السّيرة شيءٌ آخر، والحكم على المصير الأخرويّ شيء ثالث لا يملكه النّاس. ومن ثمّ يستطيع المُسلِم أن يحفظَ الحقيقة عن المَيت، وأن يعترف بما ارتكبه من أخطاء أو مظالم، ثم يترك أمره في النهاية إلى الله. أمّا في المسيحيّة فنجد معنى قريبًا، وإن عبّرت عنه تقاليدها المختلفة بصيغ مُتنوّعة. فالصّلاة مِن أجل المَيت، وطلب الرّحمة له، والرّجاء في الحياة الأبديّة، عناصر حاضرة بقوّة في التقاليد المسيحيّة، ولا سيّما الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة. والصّلاة للمَيت لا تفترض أنّه كان بلا خطيئة، بل إنّ معناها في بعض التقاليد مرتبط أصلًا بحاجة الإنسان إلى رحمة الله. وحين يُقال في سياق جنائزي إنّ الرّبّ يتقبّل روح المُتوفّى أو يُسكِنه مع الأبرار والقديسين، فإنّ العبارة يُمكِن أن تكون رجاءً وابتهالًا، لا تقريرًا تاريخيًّا بأنَ المَيت كان هو نفسه من الأبرار والقديسين. أمّا اليهوديّة فتُقدّم نموذجًا آخر. ففي تقاليد الحِدَاد اليهوديّة نجد عبارات التعزية والدّعاء، ونجد القديش المرتبط بتعظيم اسم الله، إلى جانب تقاليد التأبين وذِكر خِصال المَيت. لكنّ الطقس الجنائزيّ لا يتحوّل بالضرورة إلى شهادة أخلاقيّة شاملة بأنّ المَيت كان بلا عُيوب. ويُمكن احترامه وتعزية أهله من دون إعادة كتابة سيرته أو إنكار أخطائه. وفي الزّرادشتيّة، حيث يحتلّ الصراع بين الخير والشّرّ والنّقاء الطقسيّ والأخلاقيّ مكانةً بارزةً، لا يؤدّي الموت إلى إلغاء المسؤوليّة عن الأعمال. تُوجَد طقوسٌ خاصّة للموت والجسد، لكنّ الإنسان يَظلّ مُرتبِطًا بنتائج أعماله ومصيره الأخلاقيّ. وهنا نَجد مرّةً أخرى أنّ احترام المَيت لا يعني بالضرورة تبرئة حياته. وفي الهندوسيّة تختلف الصّورة جَذريًّا في بعض جوانبها، إذ يرتبط الموت في كثير من التقاليد بدورة الولادة والموت وإعادة الميلاد، وتؤدّي الكارما دورًا أساسيًّا في تحديد آثار أعمال الإنسان. ومع ذلك تُؤدّى للمَيت طُقوس وواجبات دينيّة وأسريّة، تعبيرًا عن الرابطة بين الأحياء والرّاحل، وعن المُساعدة الرمزيّة أو الدينيّة في انتقاله. لكنّ أداء هذه الطُّقوس لا يعني أنّ أفعالَه السّيئةَ قد تحوّلت إلى حَسَنَة، فالعمل يَظلّ مُحتفظًا بنتائجه. وفي البُوذيّة نجد تَصَوُّرًا مُختلفًا للذّات والموت، لكنّ الرّحمة لا تعني إلغاء نتائج الأفعال. فالكرما حاضرة في كثير من التّقاليد البوذيّة، وتُوجد طُقوس وتِلاوات وتذكارات للمَيت تختلف باختلاف المدارس والمجتمعات. والهدف ليس بالضّرورة إصدار حُكم على المَيت بقدر ما هو التّعامل مع الموت والمُعاناة والفَناء بروح من الرّحمة وعدم التشبّث والكراهية. وعندما نضع هذه التّقاليد المُختلفة جنبًا إلى جنب، على الرّغم من اختلافاتها العميقة في مفهوم النّفس والحِساب والخلاص والكارما والحياة الأخرى، يظهر خيط مُشترَك لافت: الموت لا يمحُو المسؤوليّة الأخلاقيّة، لكنّه يغيّر موقف الأحياء من صاحبها. كأنّ الإنسان، منذ أقدم العصور، أدرك أنّ هناك فرقًا بين أن يحاكم فعلًا وأن يحاكم مَيتًا، وبين أن يحفظ الحقيقة وأن يحوّل جنازةً إلى منصّة للانتقام. ومن هنا نفهم لماذا يُصبح الموت مناسبةً للرحمة حتى في حقّ مَنْ لم يكن رحيمًا في حياته. فالإنسان المَيت لم يعدْ قادرًا على تغيير شيء. لا يستطيع أن يعتذر، ولا أن يطلب فُرصة أخرى، ولا أن يُصلِح ما أفسدَه. لقد انتقل من عالم الفعل إلى عالم الذُكرى. ومن ثمّ يُصبِح السؤال مُختلفًا: لَم نَعُدْ نسأل فقط «ماذا فعل؟»، بل نسأل أيضًا «كيف سنتعاملُ نحن مع غيابِه؟». وهذا التحوّل ليس دينيًّا فحسب، بل إنسانيّ عميق. فالموت يجعلنا نُواجه حقيقة لا يستطيعُ أحدٌ التّفاوضَ معها. نحن نرى شخصًا كان يَمشي ويَتكلّم ويَغضب ويَضحك، ثمّ يُصبِح جسدًا صامِتًا. وفي تلك اللحظة لا نرى المَيت وحدَه، بل نرى شيئًا من مصيرنا نحن. ولعلّ كثيرًا من الرّحمة التي نمنحُها للموتى هي، في جانب خفيّ منها، رحمة نرجو أن يمنحنا إياها الآخرون حين يأتي دورُنا. ومن هنا أيضًا نفهم العبارة الشّائعة في بعض الثقافات: «لا تذكروا موتاكم إلّا بالخير». فهي، إذا فهمناها باعتدال، لا تعني أن نَكذِب بشأنهم، ولا أن نَمنحَ المُجرمَ شهادةَ براءةٍ لمجرّد أنّه مات. وإلّا لَتَحَوَّلَ احترامُ المَوتى إلى أداة لمَحو التاريخ وإهانة الضّحايا. لا يّمكّن أن نقول عن طاغيةٍ إنّه كان عادلًا لمجرّد أنّه مات، ولا أن نصف قاتلًا بأنّه مُحسِن لمجرّد أنّ أسرته تُبكيه. هناك حقيقة تاريخيّة وأخلاقيّة يجب ألّا تُدفَن مع صاحبها. لكنّ هناك فرقًا بين أن نذكر الحقيقة، وأن نشمَت بالموت. يُمكن أن نقول عن شخص: «لقد ظلم وأساء وارتكب جرائم»، وأن نقول في الوقت نفسه: «رحمه الله». ويُمكن أن نحفظ أسماء ضحاياه وحقوقهم، وأن نعترف في الوقت نفسه بأنّنا لا نملك الحكم النهائيّ على مصيره. فالعدالة شيء، والشّماتة شيء آخر، والذّاكرة شيء، والانتقام شيء آخر. ومن اللافت أنّ اللغة نفسَها تُساعدنا على فَهم ذلك. فكلمات مثل «الرّاحل» و«الفَقيد» و«المُتوفّى» لا تصدر حكمًا أخلاقيًّا على صاحبها. أمّا «رَحِمَه الله» فهي في جوهرها دُعاء، لا وَصف. وحتى عبارة «روحُه الطاهرةُ»، التي تبدو أكثر إشكالًا عندما يكون المَيت مَعروفًا بسوء السّيرة، قد أصبحت في كثير من البيئات جُزءًا من اللغة الطّقسيّة والأدبيّة، أكثر ممّا هي حُكْمٌ فَلسفيّ دقيقٌ على حقيقة روحِه. إنّها من عبارات المقام، مثلما تختلف لغة المحكمة عن لغة العَزاء، ولغة كُتُب التاريخ عن لغة القبور. ولذلك فإنّني لا أرى في قَول الناس «رَحِمه الله» بعد موت شخص سيئ بالضّرورة نِفاقًا أو تناقُضًا. قد يكون فيه شيء من العادة الاجتماعيّة، نعم، وقد يكون فيه أحيانًا مُجامَلةً، وقد يكون فيه احترام لحُرمة الموت، لكنّه قد يكون أيضًا تعبيرًا عن إدراك عميق لحدود الإنسان. نحن نعرف بعض أفعال الآخر، لكنّنا لا نعرف كلّ ما في داخله. نعرف جزءًا من حياته، ولا نعرف لحظته الأخيرة ولا ما كان بينه وبين الله، ولا نملك في التصوّرات الدينيّة المٌختلفة أن ندّعي معرفة المصير النهائي للإنسان. إنّ المُشكلة تبدأ فقط حين تتحوّل الرّحمة إلى تَزوير، وحين يُصبح احترام الموت ذريعة لتبييض الجرائم. أمّا أن نترك باب الرحمة مفتوحًا مع بقاء الحقيقة محفوظة، فذلك أمرٌ مُختلِف تمامًا. يُمكن أن نقول: «كان مُخطئًا»، من دون أن نقول: «لا يستحقّ الرّحمة». ويُمكن أن نقول: «كان ظالمًا»، من دون أن نقول: «نحن نعرفُ مصيرَه الأبديّ». ويُمكن أن نحفظ ذاكرة الضّحايا، من دون أن نحوّل موت الجاني إلى مناسبة للكراهية. ولعلّ أبلغ ما يُمكن أن نستخلصَه من هذه الظّاهرة هو أنّ الموت لا يجعل الإنسان طاهرًا، لكنّه يجعلنا أكثر تَواضُعًا أمام الحُكم عليه. نحن نستطيع أن نحاكم أفعاله، وأن نصف جرائمه، وأن نحفظ التاريخ، وأن نُنصِف ضحاياه، لكنّنا لا نستطيع أن نُعيد حياته لكي نُطالبه بأن يُصلِح ما أفسدَه، ولا نستطيع أن نعرف كلّ أسرار نفسه، ولا نملك أن نَنتزِع لأنفسِنا الحُكمَ الأخيرَ على مصيره. ولهذا ربّما كانت عبارة «رحمه الله» أعمق ممّا تبدو عليه في ظاهرها. إنّها ليست بالضّرورة إعلانًا بأنّ المَيت كان صالحًا، بل قد تكون اعترافًا بأنّ الرّحمة شيء نرجوه لأنفسنا ولغيرنا، وأنّ الإنسان مهما كان تاريخه يظلّ، في لحظة موته، كائنًا انتهت قدرته على الفعل وبقيت أفعاله وذكراه ومصيره خارج أيدينا. وفي أعمق طبقاتها، قد تكون هذه العبارة أقلّ حديثًا عن المَيت ممّا هي حديث عن الأحياء أنفسهم: عن حاجتنا إلى إغلاق صفحة من حياتنا دون أن نُمزّقها، وعن حاجتنا إلى أن نحفظ الحقيقة دون أن نحمل الكراهية إلى الأبد، وعن رغبتنا القديمة في أن نؤمن بأنّ هناك عدالة أكبرَ من قُدرتِنا، ورحمة أوسعَ من أحكامنا. إنّ الإنسان حين يموت لا يُصبِح ملاكًا، ولا تسقط عنه أخطاؤه بمجرّد أن يُوضع في القبر، فَما فعلَهُ في حياتِه من خيرٍ ومن شرٍّ لم يعد بالإمكان تغييره، لكنّ الأحياء، في تلك اللحظة، يتعلّمون شيئًا عن أنفسهم أيضًا: أنّ الحقيقة لا تحتاج إلى القَسوة، وأنّ الرّحمة لا تحتاج إلى الكَذِب، وأنّ احترام الموتى لا يعني تقديسَهم، وأنَ تَرْك الحكم الأخير لله، أو لِمَا يُؤمن به الإنسان من عدالة كونيّة، لا يعني التخلّي عن الحقيقة والعدالة في هذا العالم. وربّما لهذا ظلّت البشريّة، على اختلاف أديانها وثقافاتها، تبحث عن عبارة تقولها عند القبر، عبارة قصيرة تَقف بين كلمتين كبيرتين: الحقيقة والرحمة. وما مِن عبارة تُؤدّي هذه الوظيفة بصورة كاملة، لكن «رَحِمه الله» ربّما كانت واحدة من أكثر العبارات اختصارًا لهذا التوتّر الإنسانيّ كلّه: نحن لا نقول إنّ ما كان شرًّا قد صار خيرًا، ولا نزعم أنّ المَيت كان بلا خطيئة، وإنّما نقول، ببساطة وعمق: لقد انتهى حكمُنا، وبَقِيت الحقيقة، وأمّا الرّحمة فَنَرجُوها. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|