حلق المرأة لشعرها عند المصيبة بين الرمز والدين بقلم: فؤاد زاديكي حلق المرأة لشعرها
حلق المرأة لشعرها عند المصيبة بين الرمز والدين
بقلم: فؤاد زاديكي
حلق المرأة لشعرها عند فقدان عزيز أو وقوع كارثة يُعدّ فعلًا ذا دلالات رمزية عميقة ارتبط عبر التاريخ بالتعبير عن الحزن الشديد والانكسار الداخلي، فالشَّعر في أغلب الثقافات يُنظر إليه بوصفه رمزًا للجمال والأنوثة والهُوِيّة الشّخصية، ولذلك فإنّ التّخلّي عنه قد يُفهم كتضحية بشيء ثمين تعبيرًا عن الألم، أو إعلانًا عن حداد عميق، أو رغبةً في الانفصال عن مظاهر الزينة بعد صدمة كبيرة، بل وقد يُمثّل أحيانًا بداية مرحلة جديدة بعد حدث مفصلي. في بعض الحضارات القديمة وضمن تقاليد آسيوية وإفريقية وأوروبية، كان قصّ الشعر أو حلقه طقسًا جماعيًا عند وفاة شخص مُهمّ أو علامة على الحداد العامّ، إلّا أنّ هذا كان في الغالب تقليدًا ثقافيًا لا قاعدة دينية مُلزمة.
في الإسلام، لا يُشَرَّع للمرأة حلق شعرها عند المصيبة، لأنّ ذلك يدخل في باب إظهار الجزع المَنهيّ عنه، وقد ورد في السّنة النبوية النّهي عن حلق الشعر ولطم الخدود وشقّ الجيوب عند وقوع المصائب، إذ يقوم الموقف الإسلامي على مبدأ الصّبر والاحتساب والتّسليم بقضاء الله دون إيذاء النّفس أو المبالغة في مظاهر الحزن. فالحزن شعور إنسانيّ مشروع، لكن التعبير عنه مضبوط بضوابط تحفظ كرامة الإنسان وتوازنه.
أما في المسيحية، فلا يوجد تشريع عامّ يُلزم المرأة بحلق شعرها عند الحداد. في العهد القديم وردت إشارات إلى قصّ الشّعر كعلامة حزن في بعض السياقات التاريخية، لكنّها كانت وصفًا لعادات زمنية وليست وصية دائمة. وفي العهد الجديد، كما في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، يُذكر أنّ شعر المرأة يُعدّ مجدًا لها، مما يعكس تقديرًا لبقائه لا الدعوة إلى حلقه. ومع ذلك، عرفت بعض التقاليد الرهبانية المسيحية قصّ الشعر أو حلقه عند الدخول في سلك الرهبنة، لا بسبب حزن أو مصيبة، بل تعبيرًا عن التجرّد من الزينة الدنيوية والتكريس الكامل لله وبداية حياة روحية جديدة. وفي بعض المجتمعات المسيحية الشعبية، وخصوصًا في أزمنة سابقة، قد تلجأ بعض النساء إلى قصّ الشعر حدادًا، لكنّ ذلك يظلّ عادةً محليّةً لا تعليمًا كنسيًا عامًا.
وهكذا يتبيّن أنّ حلق المرأة شعرها عند المُصيبة يتراوح معناه بين رمز ثقافي للحزن الشّديد، وممارسة مرفوضة دينيًا في الإسلام، وغير مفروضة في المسيحية، حيث يُشجَّع المؤمن عُمومًا على التّعبير عن حزنه بالصّلاة والرّجاء والصّبر، لا بإيذاء النّفس أو إهدار ما يُعدّ في كثير من التقاليد علامةَ جمالٍ وكرامةٍ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|