إلَاهِي إنْتَ جَاهِي ومُرْتَجَاهِي (قراءة في قول آزخي شائع) بقلم: فؤاد زاديكي «إِ
إلَاهِي إنْتَ جَاهِي ومُرْتَجَاهِي
(قراءة في قول آزخي شائع)
بقلم: فؤاد زاديكي
«إِلٰاهِي إِنْتَ جَاهِي وَمُرْتَجَاهِي» قَوْلٌ سَائِدٌ فِي اللَّهْجَةِ الآزَخِيَّةِ، يَتَرَدَّدُ عَلَى الأَلْسِنَةِ حَتَّى يَظُنَّهُ بَعْضُهُمْ مَثَلًا شَعْبِيًّا، وَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ دُعَاءٌ خَالِصٌ يَنْبُعُ مِنْ قَلْبٍ مُؤْمِنٍ يُنَاجِي رَبَّهُ فِي خُشُوعٍ وَانْكِسَارٍ. فَقَوْلُ الدَّاعِي: «إِلٰهِي» لَيْسَ مُجَرَّدَ نِدَاءٍ، بَلْ هُوَ إِعْلَانُ انْتِمَاءٍ وَعُبُودِيَّةٍ، وَتَعْبِيرٌ عَنْ قُرْبٍ خَاصٍّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ؛ إِذْ يُضِيفُ الْإِلٰهَ إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةَ مَحَبَّةٍ وَتَعَلُّقٍ. وَقَوْلُهُ: «إِنْتَ جَاهِي» يَحْمِلُ مَعْنًى عَمِيقًا، فَالْجَاهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَنْزِلَةُ وَالْقَدْرُ وَالْمَكَانَةُ، وَكَأَنَّ الدَّاعِي يُقِرُّ بِأَنَّ عِزَّهُ وَشَرَفَهُ وَقِيمَتَهُ لَيْسَتْ مُسْتَمَدَّةً مِنْ مَالٍ وَلَا سُلْطَانٍ وَلَا مِنْ مَدْحِ النَّاسِ وَرِضَاهُمْ، بَلْ مِنَ الرَّبِّ الإلَهِ وَحْدِهِ، فَهُوَ مَصْدَرُ الْوَجَاهَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ اللَّهِ فَقَدْ نَالَ الْعِزَّ كُلَّهُ. ثُمَّ يَقُولُ: «وَمُرْتَجَاهِي» أَيْ أَنْتَ رَجَائِي وَأَمَلِي وَمَقْصِدِي، الَّذِي أَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، فَلَا أَعْتَمِدُ إِلَّا عَلَيْكَ، وَلَا أَرْكَنُ إِلَّا إِلَى قُدْرَتِكَ، وَلَا أَرْجُو فَرَجًا إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ. وَفِي هٰذَا الدُّعَاءِ تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَصِدْقُ التَّوَكُّلِ، إِذْ يَعْتَرِفُ الْإِنْسَانُ بِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ، وَيُقِرُّ بِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ لَا يُؤْتِي أُكُلَهُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِهِ، وَالْأُمُورَ كُلَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ. وَفِي الْبِيئَةِ الآزَخِيَّةِ، حَيْثُ يُعَدُّ الْجَاهُ وَالسُّمْعَةُ مَكَانَةً مُهِمَّةً فِي النَّسِيجِ الِاجْتِمَاعِيِّ، جَاءَ هٰذَا الْقَوْلُ لِيُرَبِّيَ النُّفُوسَ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ أَصْلَ الْمَكَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ لَا عِنْدَ النَّاسِ، وَأَنْ تَطْلُبَ الْعِزَّ مِنَ الْعَزِيزِ لَا مِنَ الْعِبَادِ. وَلِذٰلِكَ يُتَرَدَّدُ هٰذَا الدُّعَاءُ فِي أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَسْبَابِ، وَفِي سَاعَاتِ الضِّيقِ عِنْدَ ضَعْفِ الْحِيلَةِ، وَفِي لَحَظَاتِ الرَّجَاءِ عِنْدَ انْتِظَارِ الْفَرَجِ، حَتَّى أَصْبَحَ عِبَارَةً تَجْرِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ مُحَمَّلَةً بِرُوحِهَا الدُّعَائِيَّةِ وَمَعْنَاهَا الْإِيمَانِيِّ. إِنَّهَا تَغْرِسُ فِي الْقَلْبِ كَرَامَةً دَاخِلِيَّةً، فَمَنْ جَعَلَ جَاهَهُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَذِلُّ لِغَيْرِهِ، وَمَنْ جَعَلَ رَجَاءَهُ فِيهِ لَا يَيْأَسُ وَلَا يَقْنَطُ، بَلْ يَظَلُّ مُتَعَلِّقًا بِحَبْلِ الْأَمَلِ، مُوقِنًا أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ خَيْرُ مَنْ يُرْتَجَى وَخَيْرُ مَنْ يُلَاذُ بِهِ. وَمِنْ جَمَالِ هٰذَا الْقَوْلِ أَيْضًا تَنَاسُقُهُ اللَّفْظِيُّ بَيْنَ «جَاهِي» وَ«مُرْتَجَاهِي»، وَتَكْرَارُ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ الَّذِي يُضْفِي عَلَيْهِ حَمِيمِيَّةً وَخُصُوصِيَّةً، فَيَظْهَرُ الدُّعَاءُ كَأَنَّهُ هَمْسٌ سِرِّيٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ. وَهٰكَذَا يَبْقَى هٰذَا التَّعْبِيرُ فِي الْوِجْدَانِ الآزَخِيِّ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ كَلِمَاتٍ، إِنَّهُ خُلَاصَةُ تَجْرِبَةٍ إِيمَانِيَّةٍ، وَإِعْلَانُ اعْتِزَازٍ بِاللَّهِ، وَتَسْلِيمٌ لَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَثِقَةٌ رَاسِخَةٌ بِأَنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ جَاهَهُ وَمُرْتَجَاهُ فَقَدْ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ لَا يَخِيبُ وَلَا يَضِيعُ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|