وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ فَابْنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى إِيمَانِكُمُ الأَقْدَسِ، مُصَلِّينَ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ،(بقلم متى بهنام, مكتبة الأخوة
يهوذا 1: 20-21
حقاً ما أجمل هاتين الكلمتين "وأما أنتم" ! فإنهما بمثابة سور إلهي مرتفع ومنيع يفصل بين المرتدين في المسيحية الذين أعطانا الروح القدس عنهم صوراً مظلمة وقاتمة في الأعداد التي سبق التأمل فيها، وبين المسيحيين الحقيقيين الذين يخاطبهم يهوذا للمرة الثالثة بقوله "أيها الأحباء" إن أولئك المرتدين هم أعداء الحق الإلهي بل وأعداء الرب يسوع المسيح نفسه إذ هم "ينكرون السيد الوحيد الله وربنا يسوع المسيح" (ع 4) أما المؤمنون الحقيقيون فيتميزون بأنهم أحباء أي محبوبون من الله ومُحبون له ولجميع محبيه. والروح القدس في هذين العددين كما في بقية الرسالة يكتب للمؤمنين كلمات التشجيع والتحريض المباركة فيقول "ابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس". هذه هي المرة الوحيدة في كل الكتاب المقدس التي تُذكر فيها هاتان الكلمتان "الإيمان الأقدس". لقد كان لدى قديسي العهد القديم إيمان له قيمته وتقديره لدى الله. ولكن الإيمان المسيحي المؤسس على كفارة ربنا يسوع المسيح وعلى حقائق المسيحية الجوهرية هو "الإيمان الأقدس" إن إيمان أصغر وأضعف مؤمن هو إيمان ثمين لا يقل ذرة عن إيمان رسل ربنا يسوع المسيح "إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا (نحن الرسل) ببر إلهنا والمخلص يسوع المسيح" (2 بط 1: 1). كذلك هو "الإيمان الأقدس" لأنه يتضمن أيضاً كل الحقائق المسيحية السامية التي لم تكن معروفة في العهد القديم قبل حضور الروح القدس من السماء. ثم أن كلمة "ابنوا" فيها تحريض جميل على النمو المستمر في الحياة المسيحية العملية. إن الحياة المسيحية ليست حياة توقف أو تأخر بل هي حياة تقدم مستمر- حياة نمو في النعمة وفي معرفة ربنا يسوع المسيح "أفعل شيئاً واحداً إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام، أسمى نحو الغرض لأجل جمالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع" (في 3: 14) ويذكر يهوذا ثلاث وسائل إلهية مباركة ومجيدة لبنيان نفوسنا على إيماننا الأقدس وهي: أولاً: "مصلين في الروح القدس" والصلاة في الروح القدس هي بكل يقين ثمرة السلوك في الروح القدس، فلكي تكون صلواتنا في الروح يجب الحكم على الذات وإدانتها كما يجب أن نكون منقادين في كل شيء بالروح القدس وإلا فإنه لا تكون نتيجة لصلواتنا "تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون ردياً" (يع 4: 3).كما أن الصلاة بدون وعي، وتكرار كلمات ننطق بها بدون صحو، ليست هي الصلاة في الروح القدس، يجب أن يكون المسيح ملء القلب والنفس والذهن والكيان بجملته، وعندئذ يقود الروح القدس المؤمن إلى الطلبات التي يُسر الله باستجابتها. يجب أن نصلي في الروح القدس في مخادعنا، وكذا في اجتماعاتنا. فالصلاة السرية في الروح القدس تربط القلب والنفس بالله في شركة عميقة ومباركة، كما أن الصلاة العائلية أو الاجتماعية في الروح القدس تحوز الرضى الإلهي وتملأ قلوب المجتمعين بركة وشبعاً. من المهم أيضاً أن تكون الصلوات في وسط الجماعة مختصرة ومركزة وإلا فهي عرضة لأن تبدأ بالروح وتنتهي بالجسد. إن قوله "مصلين" يفيد المثابرة والمواظبة على الصلاة "مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة لأجل جميع القديسين" (أف 6: 18) ما أحوج شعب الرب في هذه الأيام الصعبة- أيام التحول عن المسيح وعن حقه الثمين إلى الإكثار من الصلاة وسكب القلب أمام الرب باستمرار! إن مؤمناً هزيلاً وجافاً هو مؤمن قليل الصلاة، ولا سبيل إلى النصرة والفرح في الرب والنمو في النعمة إلا في أن نكون باستمرار "مصلين في الروح القدس". إن كثيرين من المؤمنين يهتمون كثيراً بالكرازة بالإنجيل أو بالتعليم وتفصيل كلمة الحق بالاستقامة، وهذا حسن ومبارك وله أهميته، ولكن الخطر وكل الخطر هو في إهمالهم الصلاة. ليعطنا إلهنا أن نكون "مواظبين على الصلاة" (رو 12: 12). والوسيلة الثانية لبنيان نفوسنا على إيماننا الأقدس هي في قوله "واحفظوا أنفسكم في محبة الله" "لنراع أنه ليس المقصود هنا هو أن نحفظ أنفسنا محبين لله" مع أن هذا واجب وجميل. ولكن أمتنا ليس في حفظ أنفسنا محبين لله، لأننا عرضة للتغير، ولكن أمننا وسلامتنا هي في أن نحفظ أنفسنا في محبة الله نفسه لنا "في هذا هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا" (1 يو 4: 10) نعم إن صليب ابن محبته، الرب يسوع، هو الإعلان الإلهي الكامل لمحبة الله لنا التي من امتيازنا أن نحفظ أنفسنا فيها. هب أني طلبت من ابني الصغير أن يحفظ نفسه في ضوء ودفء الشمس، فإن الشمس تبقى مضيئة سواء بقي ابني فيها أو ابتعد عنها. ليتنا نتمتع بدفء وحرارة محبة الله الثابتة غير المتغيرة.كما أن الله "نور" والنور هو صفة الطبيعة الإلهية أدبياً، كذلك هو له المجد "محبة" – "الله محبة" والمحبة هي الطبيعة الإلهية العاملة لبركة الآخرين. ونحن لسنا مدعوين لأن نحفظ أنفسنا في نور الله، لأننا نحن فيه أعني أننا موجودون فعلاً في النور لأننا في المسيح، ولكننا مدعون لأن نحفظ أنفسنا في محبة الله. ليتنا نحصر دائماً في دائرة هذه المحبة الإلهية فتمتلئ سلاماً واطمئناناً ونحن محاطون بضلالات المسيحية الاسمية. أما الوسيلة الثالثة لبنيان نفوسنا على إيماننا الأقدس فهي في قوله "منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية" لقد نلنا الحياة الأبدية وذلك بإيماننا بالمسيح الذي هو نفسه الحياة الأبدية. ولكننا سائرون في طريقنا إلى المجد حيث يكون هناك كل شيء متوافقاً مع الحياة التي نلناها الآن بالإيمان وهذا ما سيتحقق عند مجيء ربنا يسوع المسيح. ويشير يهوذا هنا بصفة خاصة إلى "الرحمة†" رحمة ربنا يسوع المسيح لأن هذا ما نحتاج إليه هنا في وسط التشويشات والبدع المتنوعة، في وسط المبادئ الكفرية التي انتشرت في المسيحية الاسمية. نعم نحتاج إلى الرحمة طوال الطريق كما إلى الرحمة الكاملة عند مجيء ربنا يسوع المسيح، يا لها من رحمة أن يأتي الرب يسوع العريس السماوي ليأخذ كنيسته، العروس السماوية من هذا المشهد الفاسد "لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب" (أف 5: 25-27). ومع أننا بكل يقين نلنا الحياة الأبدية من لحظة إيماننا بالرب يسوع المسيح، ولكن أجسادنا ونحن هنا قد ترقد في التراب وتفسد ولكن مجيء الرب لأخذنا إليه سنتمتع بالحياة الأبدية على الوجه الأكمل، فهو تبارك اسمه "سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته أن يخضع لنفسه كل شيء" (في 3: 20) "لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت" (1 كو 15: 53) يا له من رجاء سعيد ومبارك، ليتنا نكون في حالة الانتظار الدائم لتحقيقه ولسان حالنا بكل إخلاص "آمين تعال أيها الرب يسوع" وقد يكون من المفيد مراعاة أن الروح القدس يرينا في هذه الوسائل الثلاث حقيقة الثالوث الأقدس (1) مصلين في الروح القدس (2) واحفظوا أنفسكم في محبة الله (أي الله الآب) (3) "منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية".
† أن كلمة رحمة ومشتقاتها مذكورة في هذه الرسالة ثلاث مرات