![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
|||
|
|||
|
18-11-2010 16:15:47 إشكاليات المجتمع العربي: العلاقة بين الذوات والسلطة السياسية![]() أزراج عمر في المقال السابق تحدثت بعجالة عن أهمية التحليل النفسي في تحليل الأمراض العصابية، والثقافة، والظواهر الاجتماعية، وكذلك السياسة.. ولقد ركزت في عرضي وتحليلي لكتاب الدكتورين مصطفی صفوان، وعدنان حب الله، على إشكالية المجتمع العربي علی إشكالية طمس الفرد في بلداننا، وجعله تابعا للقبيلة، أو العشيرة، أو الطائفة الدينية، أو الإثنية الثقافية المعزولة، والمنعزلة، أو للشلة المتحكمة في السلطة السياسية. في هذا الجزء الثاني من هذا المقال سوف ألخص الحوار الذي دار بين الدكتورين المذكورين آنفا حول ملاءمة التحليل النفسي لتحليل الجوانب اللاواعية في بنيات مجتمعاتنا من المحيط إلی الخليج. وهنا نطرح مجموعة من الأسئلة التالية: 1ـ ماهو وجه الارتباط بين الذات الفردية في مجتمعاتنا وبين التراث السياسي؟ 2ـ وما هو المشكل الجوهري الذي بحله يمكن أن نجد مفتاحا واقعيا لفتح أبواب الخيار الديمقراطي؟ 3ـ ثم هل يمكن أن تنشأ الديمقراطية في مجتمعاتنا التي لم تنتج الثورة الصناعية، والثورة العلمية؟ بادئ ذي بدء يقدم الدكتور مصطفی صفوان الفرضية التالية: إنه لا ظهور للعلم من دون ديمقراطية، فإنه لا تحليل نفسي من دون ظهور للخطاب العلمي- ص 76. بعد تقديم هذه الفرضية فإن الدكتور صفوان لا يعتقد بإنه كمفكر وكمحلل نفسي يستطيع أن ينقل مجتمعاتنا من "غقلية بدائية إلی عقلية علمية- ص 76". ولكنه يقترح صيغة بواسطتها يمكن في التأسيس لعمليات التحويل في مجتمعاتنا وتتمثل هذه الصيغة في العمل في "أوساط المدن، وفي الأوساط الفكرية والتعليم العالي، والتي تشتغل في مهن حرة. ص 76". إلی جانب المهمة العيادية للتحليل النفسي والتي تتلخص في أنه "يهدف بالدرجة الأولی إلی التخفيف من حدة الأعراض التي تنطوي علی آلام شديدة، إلی حد أنها تصل إلی تهديد حياة الشخص بالخطر". مما يجعل المصاب بهذه الأعراض قادرا علی "التعايش معها دون أن تقف عائقا أمام استمرار حياته ـ ص 77". يوضح الدكتور صفوان بأن التحليل النفسي له "فائدة إضافية أكبر، مبنيّ عليها التحليل النفسي، وهي المكبوت ـ ص 77". ويعني الدكتور صفوان بتحليل المكبوت في نفسية الفرد، أو في النفسية الاجتماعية العامة إخراج مضمون اللاوعي وجعل الإنسان مدركا وواعياً له، وتمثل هذه الحركة مقدمة للتغلب علی السلوكات والأفعال السلبية التي تحدث للإنسان بفعل اندفاعات المكبوتات التي لا يعنيها، ولكنه يتصرف وفقا لضغوطها وإملاءاتها. في هذا الحوار بين الدكتورين صفوان وحب الله طرحت مسألة تعد بحق من أمهات المشكلات الكبری في مجتمعاتنا، وتتمثل في هذا التماهي المطلق للجماهير بالقادة السياسيين، والتشبت بهم مهما كان الحال، وحتی وإن كانوا ديكتاتوريين. كيف يمكن فهم هذه الظاهرة العجيبة؟ فالدكتوران صفوان وحب الله يقدمان تحليلا نفسيا مقنعا لهذا التماهي المغلق، لا شك ان التفسير النفسي الممكن في رأينا يتلخص بسرعة في أن البنية النفسية لهذه الجماهير هي بنية ديكتاتورية، وأن التكوين الثقافي لها هو أيضا لا يسلم من ظاهرة الديكتاتورية، ومن هنا فإن تماهي الجماهير مع القادة الديكتاتوريين هو مجرد تماهي الديكتاتوريات المشتركة. فالأفراد غالبا ما يريدون- دون وعي منهم- أن يجدوا شخصياتهم منعكسة في هذا النموذج من الحكام، أو في ذاك النموذج من النظام السياسي. وهنا تكمن مشكلة عدم انتقال مجتمعاتنا إلی الديمقراطية. ولا شك أن هذه المسألة في حاجة إلی تحليل عميق، وينبغي أن يبدأ التحليل في تشريح نمط الثقافة السائدة في المجتمع، وكافة أشكال العلاقات الاجتماعية، ورموزها، فضلا عن تحليل ظاهرة السلطة بداخل العائلة، أو العائلات، باعتبارها المصدر الحقيقي والمركزي الذي يفرز فيما بعد السلطة العليا علی مستوی الحكم. وفي هذا السياق ورد في الحوار بين الدكتورين صفوان وحبّ الله مقطع في شكل نكتة لها دلالات سياسية عميقة جدا. ويمكن أن نؤولها تأويلات قادرة علی شرح العلاقة القائمة بين الحاكم عندنا وبين المحكومين. مضمون المقطع هو هكذا: "هنالك حكاية تحكى عن طاليس: كان هناك حمار يحمل عليه الملح وبينما هو في الطريق وقع الحمار في الماء، فذاب الملح وخف الثقل المضني علی ظهره. وبعد ذلك أصبح الحمار كلما رأی ماء رمى بنفسه فيه؛ فانتبه طاليس للقصة، فقام وحمله اسفنجة فأصبح كلما وقع في الماء ازدادت حمولته، مما جعله يقلع عن هذه العادة السيئة- ص 82". أليست سياسات امتصاص غضب الجماهير بمثابة هذه الاسفنجة التي تثقل كاهل الحركات الرافضة في مجتمعاتنا، والتي تجعلها في آن واحد تقلع عن الاحتجاجات، وتقبل بأنصاف الحلول بل بأوهام لا تزيد إلا غلوا وتجذرا في النفسيات حتی تتحول إلی عادة مقبولة ولو علی مضض؟!. ويظهر من هذا التحليل أن ثمة علاقة بين الذات الفردية، أو بين الذوات الجماعية وبين السياسة. وهكذا فإن تحليل طبيعة الاستبداد يتطلب ليس فقط تحليل اللاوعي الاجتماعي، والثقافي، والديني، والسياسي للأفراد وإنما يتطلب تفكيك شفرات البنى الثقافية والعلاقات التي تتأسس علی أرضية هذه الشفرات المضمرة أحيانا والمعلنة حينا آخر في المجتمع ككل. ومن هنا فإن هذا النوع من التحليل قادر على أن يقودنا إلی فهم التخلف ومظاهر الاستبداد باعتبارها نتاجا لتلك البنى الثقافية، والسياسية، ولتلك الشفرات المعقدة والمتشابكة والرابضة في اللاوعي الفردي، وفي اللاوعي الجماعي معا. وبهذا الخصوص فإن دور التحليل النفسي هو تفكيك البنيات السائدة في المجتمع والتي تتحول إلی ذهنية غير واعية لنفسها عند أفراد المجتمع ذاته هو دور أساسي. إذ إن التحليل ينبغي أن يبحث عن الأسباب الدقيقة التي تفرز الاستبداد والديكتاتور، وتفرز بالمقابل ثقافة الانصياع، والخوف. لا شك بأن لهذه الإفرازات أبعادها التاريخية والنفسية، وفقا لقول الدكتور صفوان، لذلك فإن المطلوب هو تحليل البنية التاريخية للأفراد، وللجماعات، وللساسة معا. وهكذا فإن التحليل النفسي يصبح قوة إدراك لمصادر الظواهر اللاعقلية، منها ظاهرة الديكتاتورية. عطفا علی ما تقدم فإنه لا يكفي، مثلا، أن نقول كما يقول الدكتور صفوان بأن "الناس تربت علی الانعزالية والانهزامية والتبعية ــ ص 147"، وأنه لا توجد في بلداننا "ثقافة مساءلة والمجتمع المدني وحتی فكرة الجمعيات؛ كل هذه المؤسسات لم تولد من ثقافتنا... ص 147". إنه صحيح أن الإشارة إلی هذه المسائل التي تعتبر عاهات وأمراضا، أمر ضروي، ولكن الأمر الأكثر ضرورة وإلحاحا هو التساؤل عن المصادر الخفية التي تنتج هذه الانعزالية، وتلك الانهزامية، والنتيجة أنه بدون تسليط الضوء الكاشف علی هذه المصادر فإننا نبقی لا محالة ندور علی مستوی الأعراض الخارجية، ولا نخترقها إلی المناطق المعتمة حيث تفرخ، وتنمو، وتتعقد، وتمد بجذورها الأصلية، ومنها تأتي الأمراض، ومنها مرض الاستبداد. أعود الآن إلی الأسئلة الثلاثة التي طرحتها في البداية، وهي: 1- ما هو وجه الارتباط بين الذات وبين التراث السياسي، 2ـ وما هو المشكل الجوهري الذي ينبغي أن نحله لكي نفتح باب الديمقراطية، 3ـ وهل هناك علاقة تلازم حتمي بين إنشاء الديمقراطية وبين صنع الثورتين العلمية، والصناعية؟. بالنسبة للسؤال الأول، فإن التحليل النفسي قد تمكن من بناء النظرية القائلة بانقسام الذات إلی قطبين أحدهما واع، وثانيهما غير واع. ثم إن هذا التحليل بعد توجيهه الضربة إلی "الأنا الديكارتية" أكد علميا أن الذات ليست جوهرا معطى قبليا، وإنما هي نتاج البناء الثقافي والاجتماعي، والسياسي، والايديولوجي بما في ذلك الدين، والسلطة الأبوية المتطرفة، او المعتدلة. وبالنتيجة فإن الذات ظاهرة تاريخية. وبماهي كذلك فإن السياسة تبني الذات إما سلبيا أو إيجابيا. وفي الحقيقة، فإن للتراث السياسي بأبعاده السلطوية التحكمية، والثقافية والاجتماعية دورا تكوينا للذات الفردية أو الجماعية، ومن هنا فإن المطلوب هو إعادة النظر نقديا في محتوی هذا التراث بالكامل من جهة، وجعل المواطنين علی وعي به، وبكل عناصره المندغمة في طبقات لا وعيهم السحيقة من جهة أخری. أما بخصوص السؤال الثاني فإن الإشكالية الكبری في مجتمعاتنا من المحيط إلی الخليج تتمثل في عدم تحليل مشكلة السلطة نقديا علی مستوی الأسرة وفي عمقها، ثم علی مستوی المحيط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فالانتقال إلی الديمقراطية مشروط- ولا بد- بفهم مشكلة السلطة المركبة وانحرافاتها من مدار خدمة المجتمع إلی مدارات استخدام المجتمع لتحقيق أغراض ومصالح الشريحة الموجودة في الحكم- السلطة. وهكذا، فإن تحليل السلطة ينبغي أن يشمل نقد وتحليل القيم، والثروة، والمعرفة، والايديولوجية، وعلاقات القوة، والمؤسسات وبيداغوجيات الإخضاع وآليات الضبط، والرقابة التي توظف لتشكيل وتأسيس الذوات التابعة والخاضعة. وبالمقابل فإن المهمة الفكرية التحريرية تتمثل في بناء الثقافة البديلة التي تؤسس ما يدعوه ميشال فوكو بالذات الأخلاقية الفردية والجماعية المحصنة بالفكر النقدي النظري والعملي. وهنا نتوقف برهة لنفكر في العلاقة القائمة بين العلم والصناعة وبين الديمقراطية، وهي طبعا مسألة جد معقدة وإشكالية؛ بما أن الديمقراطية هي فضاء الأفراد الأحرار المستقلين المكونين للجماعة التي لا تلغيهم، أو تؤجل الاختلافات فيما بينهم والتي تسوی من قبلهم، وليس بقوة من خارجهم، فإن العلم ليس مجرد تقنية وتكنولوجية، وإنما هو القوة المعرفية التي يتمتع بها هؤلاء الأفراد لفهم وتحويل واقعهم. من هنا فإن العلم بهذا الفهم ضروري للديمقراطية، بل هو مكون ومفهوم لها. أما الصناعة فهي نتاج للعلم، ولذلك فهي أيضا ليست مجرد سيطرة علی الطبيعة وتحويل لها، وإنما هي فن صنع العلاقات السوية والعادلة في المجتمع وبين أفراده. Alarab Online. © All rights reserved.
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|