Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الأزخيني > ازخ تركيا > من تاريخ البلدة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-02-2006, 02:43 PM
دكتور سهيل دكتور سهيل غير متواجد حالياً
Super-User
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
المشاركات: 7
افتراضي الحلقة السابعة - الوصية والسبي الآكبر لآزخ

15

وصل إسحاق بازو مهرولاً’إلى منزل العم أوسي ’فوجده وحيداً في المنزل معتكفاً بزاوية مظلمة ’واضعاً رأسه بين راحتيه ’ والدموع تنساب من عينيه ’ بسبب بشاعة المصائب الأليمة التي وقعت على رأس الآزخيين المسالمين وقوع الصخور الصلدة في قعر وادٍ سحيق . . لا لذنب اقترفوه ’ سوى أنهم لم يأخذوا بوصية الشماس اسطيفو حين حذّرهم بوعي وإدراك من تجاربه الحكيمة في الحياة .
فما كان من إسحاق إلا أن يبادره القول :
- مرحباً يا عم أوسي .
- أهلا بك يا إسحاق .
- عفواً يا عمّاه ’ إن كنت قد قطعت عليك حبل أفكارك . . أقلقت سكينة وحدتك . . فكان لا بدّ لي من المجئ إليك .
- لا عليك في ذلك ’ باركك الله يا بني .
- أرجو أن تقولها من قلبك ’ لا من شفتيك . . . لأنني بحاجة ما سّة إلى حنان من قلبك ’ ونفحة عطف من صدرك .
- لا أبخل عليك يا ولدي بما عندي ’ وبما أملكه من فضائل . ....
.-جئتك يا عمّاه قاصداً ولا زائراً . . علّك ترشدني إلى نبع الماء الباردة ’ التي يمكنها إطفاء جمر المحرقة المشبوبة بقلبي وروحي ووجداني . . إن نفسي تعذبني ’ وضميري يوبّخني ’ ونوبات الندم تصعق روحي . . كل عضو من جسدي يتوجّع ألما ’ وينزف دمعاً ويتلوى حسرة . . فأنقذني رجاءً أنقذني ’ إنني الآن بحاجة ماسّة جداًإلى لمسة من حنانك ونصائحك .
أن أقدر حجم معاناتك يا ولدي وأدرك جسامة ندمك وأعرف مقدار أعترافك بالخطأ الجسيم الذي أرتكبته ’ وقد كان عليك قبلئذٍ أن تضرب بنصائح مستشاريك عرض الحائط . ... وأن لا تستسلم إلى شياطين الغرور ... فتنفرد بطبائعك الهمجّية ’وقرارتك البعيدة عن روح التفاهم بالحوار لا بالعناد والتشبث بالرأي غير الحكيم .. أن ما حصل هو هو مكتوب علينا ’ ولو كنا كمسيحيين لا نؤمن بالقضاء والقدر والمكتوب ’ حيث لكل إنسان منا عقل يفكر فيه ويفهم منه بأن الخير والشر موجودين ’ وعلينا اختيار الخير فقط . . كي لا نفرّط بحياة الذين أئتمنونا عليها . . وهذا هو شمشون الجبار الذي وقع في شرك غانية أوصلته إلى الهلاك بعدما سخر من القوة الألهية ..... إن قادة العالم يسمعون الشتيمة بأذانهم فيبدون عدم المبالاة . . . من هنا تبدأ الحكمة . . فعليك يا بني بعد الآن ’ أن تفكر في منطقك نحو الأخرين ثم أعمل بعقلك لا بحماقتك . . احذر الدسائس من أخيك قبل عدوّك . . وليكن الله في عونك .

16

من أجل كرامتك وتمسكنا بك سوف أستعمل ضميري كالعادة ’ وغداً يا ولدي نلتقي في الكنيسة المقدسة ’ وفي صبيحة الأحد أقام القسيس قداساً إلهيا ’بحضور معظم الآزخيين الذين احتشدوا في كنيسة عذرت آزخ وفي نهاية القدّاس ألقى موعظة قال فيها :

أبنائي وبناتي المؤمنين والمؤمنات ’ لكل إنسان منا وقفات نجاح ونزلات فشل ’ فلا أحد معصوم عن الخطأ إلا الله عز وجل . .. ولقد نعلّمنا من ديننا السماوي مزايا المسامحة والغفران ’ تماماً مثلما تعلّمنا معنى المحبة والتعاون والاحترام . . إن مختار بلدتنا إسحاق بازو هذا السرياني الغيور منذ الغزوة على آ زخ الحبيبة , وهو يعيش قلقاً تحت تأثير توبيخ الضمير . . فقد عزت عليه هذه المذبحة ’ وهذا الدمار وهذه الحرائق والنهب والسبي أنه يعيد ذلك إلى سوء تصرفاته حيال أمير الجزيرة ’’ وقد تأكد بنفسه أن لولاه لما حصلت هذه المذابح بهذا الطابع البشع . . والحقيقة إن إسحاق بازو كما أعرفه أنا وتعرفونه أنه رب أسرة , في عشيرة لها وزنها وحسناتها وهو حريص عليها , ولم يفكر أبدا في التفريط بها . . فما يصيبكم من سوء يصيب أسرته وعشيرته وأبناءآزخ جميعا . . إنه لم يكن يتصرف تصرفات رعناء تجيز للأميرين ورجالهما ’ الإغارة على آزخ ’ وفي حين غفلة . . إنما كان خلال مدة إدارته لشؤون المخترة ’ يشدد على صيانة آزخ والآزخيين . . كان يرفض أن تكونوا نعاجا مسالمة , يشدها أمير الجزيرة إلى المسلخ حين يشاء . . كان إسحاق بازو بتصرفاته الأخلاقية . يريد أن يفهم الأمير الحائر ’ أنكم ترفضون الذل والعبودية ولا تنامون على الضيم, مهما بلغا التضحيات . . ولأنني أقدر موقف إسحاق بازو ’ وأعرف نفسيته الطيبة ’ وغيرته اللاهبة ’ واندفاعه في خدمتكم ’ اندفاعا ينبع من قلبه . . وأعرف أن هذه الهجمة على آزخ ليست قضية رمانة . . . بل قضية قلوب مليانة . .إن كان إسحاق مختاراً أو غيره . . فأمير الجزيرة لن يدع آزخ ترفل بأثواب الراحة والهناء والسلام . لذا فأنا من هذا الهيكل المقدس أبارك إسحاق بازو وأصلي كي يهبه الله المسامحة والغفران إذا كان قد أخطأ , وأبرئ ساحته كي لا يبقى أسير عقدة توبيخ الضمير ’ وأطلب منكم جميعا أن تصفحوا عنه
وتعطوا البراءة لهذا الآزخي العزيز ولمجلسه الآستشاري ’ كي تتصافى القلوب ’ وتتعانق النفوس وتتشابك الآيدي فنكون كتلة واحدة ’ لا تقوى على تفريقنا عواصف الغدر .
هيا جميعا صافحوا بعضكم بعضا ’ والله معنا في مرحلة الترميم والبناء وإعادة الأسرى . . وبركة الله تشملكم

شكرا لكم يتبع في الحلقة القادمة ......... ومع البطل الجديد إبراهيم عمنو

التعديل الأخير تم بواسطة دكتور سهيل ; 01-02-2006 الساعة 02:52 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-02-2006, 11:49 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,216
افتراضي


الوصيّةوالسّبي الأكبر تحت المِبْضع وعين المجهر" تعليق وتحقيق وتأليف فؤاد زاديكه. القسم السابع

يمكن تلخيص هذا القسم تحت ثلاثة بنود أساسيّة تتلخّص في:

فشل زعيم آزخ الجديدفي أول اختبار عملي له


مساعيه في الخروج من الأزمة


التغييرالديموغرافي بعد الحادثة



- فشل زعيم آزخ الجديد في أول اختبار عمليله:


راع شعب آزخ هول ما حصل. فالمصاب الذي وقع عليهم كان جللا والأمور بدتقليلة الحيلة. فالشعب يكاد برمّته قد فارق البلدة ولم يبق فيها سوى القلّة التيحظيت ببقائها على قيد الحياة.

إن الروايات بهذا الصّدد تختلف فبين قائل يقول: أن آزخ بقيت لسنوات طويلة خالية لم يسكنها أحد, وأقوال أخرى تؤكّد أن القرية لم تخلُ تماماً من ساكنيهاوإن تعرّضت لهذا الفتك الفظيع وقتل منها منْ قتل وشرّد مَنْ شرّد وسبي منْ سبي. بل يشير إلى حادثة مفادها أنّ الأمير محمد باشا الراوندوزي وعقب انسحابه من البلدةوتعسكره في المشارة التي شهدت المعارك, أرسل يتفقّد أحوال البلدة فأخبره رسله أنهم راؤوا الصبايا والشباب على مقربة من عين الماء وهم يرقصون ويدبكون وكأنّ شيئاً لم يكن, وكان ذلك بعد انقضاء يومين على حادثة الغزو. ويمكننا استخلاص المقولة التي هي أقرب إلى الواقع والحقيقة على حدّ تخميني من أن البلدة لم تقفر نهائياً من ساكنيهاولكن عدد الأسر فيها قد قلّ وأن بيوتات وأسراً كثيرة قد تشتّت بين البلدات ومنها من عاد إلى آزخ بعد ذلك وساهم في عمليات التعمير ومنها من لم يعد أبداً. إذ سافر إلى العراق ومنها إلى فلسطين. وإنه لمن المفيد أن أدوّن واقعة طريفة حصلت معي هنا في البلدة التي أقيم فيها في ألمانيا حيث كان هناك عرس لإبنة أحد أصدقائنا الكلدان ويدعى (سليم توما) من بغداد , يقيم هنا في بلدتنا, زوّج ابنته لشاب فلسطيني من رام الله يدعى (نبيل) وذلك قبل عدّة أعوام, وكنا من بين الحضور لصداقة تربط بيننا. وفوجئت عندما علمت أن أحد الحضور وهو طالب جاء من الأردن ويدرس هنا في المانيا قريباًمنّا, وهو صديق الدراسة للعريس هو أزخينيّ. لقد سالت الدموع من عينيّ بغزارة. وعلمت ذلك من العريس وهو يعلم أنني أزخيني. وتمّ التعارف بيننا وحين سألته من أي من البيوتات هو. أجاب الذي يعلمه أنه من بيت مليحة وعلمت أنها (ددّة مليحة) والتي كانت إحدى سباياالأمير كور (سنأتي على ذكر السبايا في المكان المناسب لها). وعلمت أنه يملك صوتاً جميلا. ورجاه جميع الحضور لكي يغنّي غير أنه أصر على عدم الغناء, وشئتُ أن أقوم بمحاولتي فذهبت إليه وقبّلتُ رأسه قائلا: ألا تغنّي لأجل آزخ وعذرتها؟ فحضنني وبكى وقال: كيف لن أغنّي لها وهي التي أنقذتنا من الويلات؟ وغنّى أكثر من أغنية ولآزخ خصوصاً غنّى أغنية "يا دلهو يا دلهو" المعروفة لدينا جيّداً وقد أخبرت الصديق المحامي (عبد الكريم بشير) عن الحكاية الصدفة, فقال وليتك أعطيته قبلة منّي كذلك!

كانت هذه الحادثة هي الاختبار الأوّل لزعيم آزخ (اسحق بازو) وهو لم يتمكّن من اجتيازه بنجاح لأسباب كثيرة نلخّصها فيمايلي:

- لم تكن لديه الخبرة كالتي كانت عند الشمّاس, وافتقاره لهذه الخبرةجعل منه رجلا أحمقاً وطائشاً لايقبل بالرأي الآخر, ولا يتعاطى بلغة الحوار.

- اعتقاده أن صلة نسبه بالشماس اسطيفو كفيلة بأن تجلب له النجاح وتحقق له النصر على غرار الانتصارات التي كانت تحصل على يدي الشماس.

- قلّة إيمانه بشعب آزخ وبدافع الغرور الذي سيطر عليه, وهو لم يكن يتجاوز في تفكيره حدود أن يظلّ القائد والزعيم ناسياً الواجبات الملقاة على الزعيم.

- تجاهله لحقوق الأزخينيّين وعدم السعي الجاد إلى حلّ مشاكلهم عندماتوجد, بل أنّه كان يعتمد أسلوب العنف وعدم الرغبة في الحوار, وهذا أفقده شعبيته في البلدة وهيبته على المستوى العشائري.

- افتقاره إلى الحنكة السياسيّة, وعدم مقدرته على استيعاب ظروف المرحلة والعمل وفق ما تقتضيه متطلّباتها.

- ردّه عل طالبي العشر بأسلوب يعتمد الفوقيّة والازدراء والتجاهل والجهل دون التحسّب للتبعات التي قد تنتج عن مثل هذه السلوكيّة الفظّة, بدل أن يعمد إلى التعامل مع الأمر بوعي ودراية واستشارة أصحاب الرأي والشأن. كانت قراراته تتّخذ بشكل إفرادي وهذا ما جعل أهل آزخ يمتعضون من إدارته لشؤون آزخ ومن تصرّفاته غير الصحيحة.

هذه وغيرها من الأسباب كانت كفيلة بأن تجعل من الزعيم الجديد زعيماًفاشلا, غير قادر على إدارة الأزمات, وخاصة أزمة كهذه التي قلبت كل الموازين وخلطت أوراق آزخ بشكل معقّد وخطير! ندم اسحق بازو ندماً شديداً ولكن ما الفائدة وليت ساعة مندم! فقد كان هو السبب في تحطيم كلّ شيء, ولم يدرك سوء تصرفه إلا بعد وقوع الكارثة,وعلى عقلاء القوم أن يدركوا الأخطار ويتحسّبوا لها قبل وقوعها, ويحاولون العثور على الحلول التي تكون كفيلة بإزالة هذه العقبات والأخطار.

بكى بكاء مرّاً ولطم على رأسه وفكّر في أن ينتقم للشعب من ذاته, ليكون كبش فداء لهذه الحماقة. وفعلا صدق منْ قال:

لكلّ داء دواءٌ يستطبّ به .. إلاّ الحماقة أعيتْ مَنْ يداويها


هكذا وقع الضّرر لآزخ من وراء جهل زعيم لم يكلّف خاطره عناء تفكير ولو لبعض الوقت ليقول: ماذا سيحصل لو فعلتُ كذا؟

عاد الشعب إلى البلدة وهمّه الوحيد إعادة تعميرها. إذ كيف بإمكانهم العيش بعيداً عنها؟ لقد أخذت عودتهم إلى آزخ بعض الوقت وقدم إليها بيوتات لم تك نتسكن في آزخ قبل غزوة المير كور. فكّروا في العودة لأن الصلة التي كانت بينهم كشعب آزخ وبلدة آزخ كانت لحمتها قوية.

كانت العودة قويّة قوة المحنة. وعلى الرغم ممّا تكشّف من هول ماأصابهم من دمار وخراب وقتل وتشرّد وضياع وسبي, إلاّ أنّ إرادة الإنسان القاهرة هي التي قرّرت وهي التي انتصرت, وهذا تماماً ما حصل مع أهل آزخ الذين عادوا إليها على أمل اللقاء بالمحبوب والبناء فأديرتها غالية على أهلها وهي صمدت طوال حقب التاريخ في وجه الغزاة الطامعين.

كان استقبال الأسر التي لم تغادر آزخ للقادمين الجدد وللعائدين استقبال المنتصرين. وهكذا تنتهي مرحلة وتبدأ أخرى في حياة آزخ. حيث تضافرت جهود الجميع في البناء وكان الكلّ يعمل يداً واحدة وبارك الأسقف ?ور?يس العائدين والضيوف القادمين وصلّى فيهم وحثّهم على ضرورة التمسّك بالإيمان وعدم نسيان الرب الذي لم يتخلّ عنهم!
-مساعيه في الخروج من الأزمة


في مثل هذه المرحلة العصيبة, وللخروج من هذه الورطة الوبيلة التي أوقعت فيها آزخ حماقةُ زعيمها غير الواعي وغير المدرك لأمور الحياة ولكيفيّة التعامل معها, بما يضمن الأمن والاستقرار والسلام لها.

كان على الجميع التضامن والتعاون في محاولةجادّة لنسيان الماضي وتبعاته ومن أجل غسل النفوس والضمائر من الأحقاد والضغائن ومنثمّ البدء في حياة جديدة تكون من خلال معمودية الدم التي دفع أهل آزخ ثمنها باهظاً من رجال أشدّاء قتلوا في معركة غير متكافئة وظالمة. كانت آزخ تفخر بهم بين العشائرويحسب لقوتهم وبسالتهم ألف حساب من قبل تلك العشائر, وكانت آزخ تفخر بمقل هؤلاء الأبطال وتعتمد عليهم في صدّ الغزاة والطامعين.

كان إذاً لا بدّ من النهوض من تحت ركام المحنة وإبداء الجلد والصبر والعزيمة من أجل الوقوف مرة أخرى على أقدام الثبات والثقة, لذا تمّت الدعوة بعد انتهاء القدّاس الأوّل في الكنيسة بعد الغزوة الراوندوزيّة - البختيّة المشتركة إلى نبذ الأحقاد والعمل بجدّ وهمّة عالية لإصلاح ما يمكن إصلاحه, ومحو كلّ آثار تلك الغزوة الآثمة والمجرمة التي استهدفت شعباًآمناً, بسيطاً لم تكن له أهداف شيطانيّة على غرار تلك التي كانت لدى الغزاة, فشعب آزخ عاش رحوماً, مسالماً يرضي ربه ويقيم علاقات حسن الجوار مع القرى المحيطة به.


إنّ أطماع هذين الأميرين (ميره كور وبدرخانبك) أعمت قلوبهما وأججّت الرغبة الجامحة في الانتقام وسفك الدماء البريئة, هذا ماكان يسيطر على تفكير هذين الأميرين و يزيد من شراستهما, ممّا شلّ لديهما كلّ إرادة لفعل الخير.


حاول الزعيم المهزوم (المصاب بإحباط شديد لما كان يتفاعل بداخله من غليان وغضب عارم وشعور عميق بالندم) أن يتغلّب على ما يحسّ به وأن يحاول الهرب من حلكة هذا الكابوس وطغيانه, وإلاّ فلن يكون بمقدوره, بأية حال من الأحوال, الإقدام على أية خطوة إيجابيّة, يكون من شأنها إخراجه من هذا المأزق الذي وضع نفسه وأهل بلدته فيه, وأوقعهم تحت وطأته.


طال به التفكير, وتفاعلت في رأسه الأفكار متضاربة متصارعة من حيث اختيار الاحتمالات الممكنة والإمكانيات المتوفرة, والحلول المعقولة فلم ير سوى مخرجاً واحداً وحيداً يمكن أن يضمن له التوفيق في المسعى. وكمن يقول بعد هذه الأفكار المتلاطمة إنّي وجدتها. خفّ إلى دار العمّ أوسه (وهو من أعمامه إذ وكما قلنا في موضع آخر فإن عشيرتي برصوم وعمنو, هما أولاد عمومة قدمتا من قرية حيشترك في فترة زمنية واحدة إلى آزخ واستقرّتا فيها, وصارت هاتان العشيرتان من أكبر العشائر في آزخ وانضمّ تحت لوائهما بيوتات وأسر قدمت إلى آزخ بعد ذلك التاريخ وانتسبت إليهما, وقد كان هذا الأمر معروفاً في النظام العشائري) وكان العم "أوسه" (تصغير لاسم يوسف ويصغّر أهل آزخ اسم "يوسف" على عدة أوجه منها: أوسه, يوسفكو, يَوسه و أَوسو) رجلا حكيماً (من أعمام الشماس اسطيفو كان الشماس يستشيره في أمور كثيرة لحنكته وخبرته) ومتّزناً ومؤمناً, منفتح العقل يأخذ بمبدأ الاستشارة, ويشجّع على تقبّل الآراء المختلفة ولا يحدّ من حريّة النقاش أو يرفضه تحت أية حجج أو دواعٍ, وهو يؤمن بأن لغة الحوار يجب أن تأخذ مداها لكي تتبلور الفكرة, ويتوضّح الأفضل منها, فيتمّ اختياره, والأخذ به بالتوافق والتراضي والموافقة الجماعية. إذ أنّ رأي الأغلبيّة كان هو المعمول به والسائد في عصر الشماس, وإن كان قد أهمل وتمّ استغلاله بشكل سيئ في أيام اسحق بازو بسبب طريقته المنفردة في التفكير واتخاذ القرارات وحتى الحاسمة منها والحسّاسة التي كان مصير البلدة يتوقّف عليها!

اختلفت المعايير كليّة أيام اسحق بازو لأسباب تشدّده بآرائه وعدم قبوله لغيرها, وكان هذا التصرّف من شأنه أن يكثر الأخطاء, وهو ما حصل بالفعل, وبرزت له من الأفق البعيد إمكانيّة الحل للخروج من هذه المحنة.


رأى اسحق بازو أن المخرج الوحيد له من هذه الأزمة النفسيّة الخانقة التي كادت تقضي عليه, هو اللجوء كما قلنا إلى عمّه الحكيم "أوسه" والد ?وريّة وجدّ أوسه ?وريّة أوسه, وقد كان زعيماً على عشيرة العمنوكيّة وممثّلها في مجلس العشائر الأزخينيّة الذي كان يضمّ مخاتير جميع العشائر وهي البرصومكيّة والحبيبكيّة والخزموكيّة والك?ليّة والمصركيّة والنوردونكيّة والقلسينكيّة والبشّكية والكمّكيّة والجزراويّة والحدّادين. وكان المعروف عنه احترام أهل آزخ له على اختلاف عشائرها ومحبّتهم له لنزاهته وحكمته وأرائه السديدة.

هرع اسحق بازو إلى دار(أوسه) ورجاه أن يعينه ليتمكن من الخروج من أزمته, وأن يصفح عنه ويسامحه على الذي اقترفه بحقهم من الأذى لأسباب جهله وسوء إدارته وعدم إدراكه. ولم يكن من العم الحكيم (أوسه) سوى أن ردّ عليه بالقول يا بني إن الذي يسامح الناس ويغفر لهم هو الرب العادل الحكيم ونحن ضعفاء أمام حكمته وعدالته, وليس لنا مثل هذا الحق, لكنّي ولإحساسي بمدى المرارة التي تعاني منها, والندم الشديد الذي يغلب على سلوكك وتفكيرك ولكي تتمكّن من التخلّص من جميع هذه الأعراض الخبيثة فإني أعدك أن أساعدك, وأما أنا فمن جهتي ليس لدي أي حقد عليك وهذا كان قدر قريتنا التي تتعرّض من فترة إلى فترة إلى غزوات وتعدّيات, كأن الربّ يريد أن يضعنا أمام هذه الامتحانات لكي يختبر قوّة إيماننا, وأمر الرب على الرأس والعين حيث لا اعتراض عليه. اذهب إلى دارك ونم قرير العين هانئ البال, فلن يصير إلاّ الخير يا ولدي!

في صباح اليوم التالي ذهب الجميع إلى الكنيسة وهم لا يزالون تحت وطأة المعاناة الشديدة التي قضت على الكثير من أحلامهم وآمالهم وطموحاتهم, وقام الأسقف ?ور?يس (المتوفى سنة 1848 على يدي الطاغية بدرخان وله قصيدة عن غزوة الميركور حيث شادها بأم عينه وكتب عن أحداثها الدامية وسنأتي على ذكرها في موضع آخر) بإحياء القداس الإلهي.

خرج جمع المؤمنين من الكنيسة والتقوا في حوشها وبدأ "أوسه" كلامه بالقول: أرجو أن يسمح لنا راهبنا الجليل بأن نعرض لأمر هام جداً, وبعد أن أذن له الأسقف ?ور?يس (لم يكن بعد قد سيم أقفاً إذ حصل ذلك في العام 1842م) بالكلام قال: أحبائي أبناء آزخ المجاهدة! كلّكم تعلمون ما حلّ بنا وببلدتنا من دمار وخراب وقتل وسبي في هذه الغزوة الأخيرة, وربما يعيد الكثير منكم السبب فيما حصل إلى سوء تصرف اسحق زعيم آزخ, يمكن أن يكون في هذا شيء من الصحة, لكن ليس كل الصّحة. فالأمر كان مقدّراً لنا ولا اعتراض على أحكام الرب عزّ وجلّ, وقد أرادها لنا درساً, ربمّا لكوننا ابتعدنا بعض الشيء عن العمل بوصاياه وأهملنا الجانب الروحي لدينا فلتكن لنا بداية نهوض جديد نستطيع من خلاله أن نوصل رسالة إلى كلّ الذين يحلمون في أن تكون في هذا نهايتنا! إنّهم بلا أدنى شك متوهّمون فليس شعب آزخ هو الذي يستسلم بهذه السهولة, وإن قوة الرب ومعونة سيّدتنا ووليّة نعمتنا أم الرب عذرتنا الحبيبة, هما معنا ولهذا فإننا لن نقهر ولو خسرنا معركة, فمعارك إثبات الوجود على الأرض هي القادمة وهي الأهم, وهي التي سيكتب لها النجاح والظفر.

ثمّ قال بالرغم من كل ذلك فإن اسحق قد أبدى استعداده من أجل تقديم الاعتذار إليكم جميعاً, عمّا تسبّب لكم ولنا به, وهو يعيش تحت وطأة حزن فتّاك, وتأنيب ضمير شديد لو وقع حصان تحت حملهما لانهار. لذا أرجو منكم أن تسامحوه مثلما سامحته ولا تفكروا في الماضي كثيراً, فنحن أمام استحقاقات سريعة وضروريّة يجب العمل من أجلها للوصول إلى الهدف المنشود!


ارتاح جميع الشعب لهذه النبرة الإنسانيّة وهذه العظة البليغة, من العمّ أوسه وقالو له: كلّنا رهن إشارتك وطوع يديك, وما تراه صحيحاً سليما فإننا معك فيه, نؤيدك بكل قوة. فارتاح العم "أوسه" وبارك الشعب وقال لهم: إن اسحق عنده كلام يريد قوله لكم. قام اسحق من موضعه بكل انكسار وقال: إخوتي أرجو منكم السماح على كلّ خطأ ارتكبته وكلّ حماقة قمت بها دون وعي أو تفهّم, وإني أعلن عن التنحّي عن زعامتي لآزح لمن ترونه ويراه العم "أوسه" كفؤاً لها, وليبارك الرب مسعانا وخطواتنا القادمة.

رأى الأسقف ?ور?يس كل هذا جيّداً وباركه ووافق عليه وقام برسم كهنة جدد للأديرة, بدل الكهنة الذين قتلوا في الغزوة, وكانت هذه الخطوة الأولى في طريق إعادة ترتيب البيت الأزخيني, وتقوية الصفوف وإعادة الثقة التي كانت قد تزعزعت من هول المصيبة وذلّ الهزيمة والانكسار.

باختيار الكهنة الجدد ورسمهم للقيام بمهامهم المقرّرة, وبتعيين قيادة جماعيّة تقود آزخ في المرحلة المقبلة. من أجل البدء في إعادة الاعمار وإصلاح ما كان فسد من آثارالغزوة.


بدأت خطوات المرحلة الأولى من إعادة الاستقرار والنهوض من تحت أنقاض ذلك التسونامي الرّاوندوزي – البختي الرهيب, وكانت خطوات في الاتجاه الصحيح. إذ لا بدّ من القيام بمثل هذه الخطوات متى أُريد للشعب أن ينهض من جديد, وهذه لم تكن الغزوة الأولى التي تعرّضت لها آزخ, كما لم تكن الأخيرة فهي دمّرت وحرقت أكثر من مرّة, وظلّت في أحيان كثيرة أعواماً خالية خاوية. قبل أن يعود إليها الأهالي والسكان الجدد ليبدؤوا رحلة الحياة من جديد!


كان الآباء يقصّون على أبنائهم قصصاً كثيرة عن بلدتهم آزخ وعن ماضيها وعن مرّات السبي والإبادة الجماعيّة التي تعرّضت لها, وكانت في كل مرّة تعود لتبدأ من جديد. فهم باتوا يعرفون الكثير من تاريخ بلدتهم بالتناقل, وبكلّ أسف فإنه لم تصلنا من كتاباتهم ما يروي الغليل ويكشف النقاب عن جوانب هامة لا تزال غامضة من تاريخ البلدة.

التغيير الديموغرافي بعدالحادثة


عاد أهل آزخ كما ذكرنا إليها, وانضمّوا إلى الذين ظلّوا فيها ولم يغادروها أثناء الغزوة آنفة الذكر, وتمّ فتح الباب لاستقبال الكثير من البيوتات والأسر التي غادرت قراها لأسباب مختلفة متوجّهة إلى آزخ ومن هذه القرى (عميرين – باسا – باسحاق – كنّكي – الطور – إسفس – الجزيرة – بابقا – كوفخ وغيرها) فتلاحمت الارادات واتّحدت, وتمّ رصّ الصفوف ولم يشعر الضيوف الجدد بأية تفرقة, بل بترحاب, لأن الرابط الديني والكنسي كان يلزم أن يهبّ الأخ لنجدة أخيه, فصارت كلّ بيوتات آزخ بيتاً واحداً, وعمّ النشاط وتشكّلت اللجان المكلّفة بالإشراف على أعمال البناء والإنشاء والتعمير, وكانت التبرعات بالمستطاع من المال والجهد على قدم وساق, تعمل كآلة فاعلة ليل نهار لكي تثبت للعالم أنّ هذا الشّعب حيّ ولن يموت وفعلا تمّ إعادة التعمير وأعيد لآزخ رونقها والذي كان قد بهت بعض بريقه على إثر تلك الهجمة الشرسة.

لم يثن حدثان الزمن ولا قسوة العقاب البشريّ عزيمة شعب انتفض على جراحاته وقرّر أن يعيش بإصرار المتمسّك بالحياة الحرّة الكريمة والرّاغب في المساهمة بإنعاشها والمضي قدماً في طريق إحيائها!

لقد تمكّن القادمون وسكان آزخ - مجتمعين – أن يمسحوا عن وجوه الأرامل والثكلى وعن أهل المفقودين والقتلى وعن قلوب ذوي الأسرى الذين تمّ سبيهم, وهم يتحسّرون على ساعات الفراق وقد فقدوا الأمل في رؤيتهم مرة أخرى, رؤية أحبابهم على قيد الحياة, أو هم يلتقون بهم, إذ لا طاقة لهم بمواجهة جبروت الميركور وبطشه وخاصة أنّه يعيش مئات الكيلومترات بعيداً عنهم.

ماذا يفعل أسرانا؟ كيف يعيشون؟ وأين حطّت بهم رحال الزمن؟ هل تمّ قتلهم؟ أم هم لا يزالون على قيد الحياة؟ هذه وغيرها من الأسئلة المنطقيّة كانت لا تفارق مخيلة وتفكير أهاليهم, وهناك ممّن لم يعد لهم أحد ليرثهم! أي أن بيتهم راح الميرات على حدّ قول أهل آزخ.


على هذا النحو كانت النظرة لأهالي السبايا وهنّ من أجمل حسناوات آزخ ومن النسوة اللائي كنّ معروفات فيها. أراد الميركور من هذا الفعل المشين (وهو تعوّد عليه منذ زمن فقد فعله مع اليزيدييّن و الآشوريّين من قبل) أن يكسر عنفوان آزخ وقد استطاع ذلك لكن ليس طويلا بل لبعض الوقت فقط! ورغب في أن يترك هؤلاء السبايا رمز انتكاسة لآزخ. لكنّ الأمور لم تجر كما تصوّر خياله المريض وتفكيره الإجرامي الأجرب الخبيث, حيث أنّ ظروفاً متعدّدة لعبت دوراً في إعادة العزّة والكرامة لآزخ وإعادة شرفها المسلوب إليها. وهذا ما سنراه في الفصول القادمة من هذه الوقفة التاريخيّة!


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 04-02-2006 الساعة 06:14 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-02-2006, 12:05 AM
SamiraZadieke SamiraZadieke غير متواجد حالياً
Super Moderator
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 8,828
افتراضي

الدكتور المحترم سهيل والغالي أبو نبيل: لاأدري لماذا أتأثر لهذه القصص وكأن مجرياتها حدثت البارحة ولننظر اليوم أين أصبح أهل آزخ ؟؟؟تفرقنا على مختلف أرجاء المعمورة وما يصبرنا هو مانقرأه لشبابنا الواعي والمثقف لتبقى ذكريات آزخ في وجدان كل آزخي!!! الرب يوفقكما وأدامكما بصحة وعافية على مجهودكما المبذول
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:51 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke