![]() |
Arabic keyboard |
#1
|
|||
|
|||
![]()
وصل ﮔلـﮔـامش والملاّح "أور- شنابي" الى مياه الموت بعد ثلاثة أيام. كان على ﮔلـﮔـامش أن يقوم بالتجديف بحذر شديد لأن أيةَ قطرةٍ تمسّه من مياه الموت، ستودي بحياته. نُدْركُ على الفور من الدقة التي صُنِعتْ بها المرادي ومن عددها، مدى القلق الذي أصيب به ﮔلـﮔـامش. انتهت المرادي، قبل انتهاء الرحلة، فجعل ﮔلـﮔـامش ثيابه شراعاً إلى أنْ يصل إلى الإنسان الخالد أتو – نفشتم.
يسرد ﮔلـﮔـامش على "أوتو-نفشتم" أوّلاً، أسقامه، بفقد أنكيدو، يعدّد مآثره مرّة أخرى، ويكرّر كيف "أنه بكاه لستة أيام وسبع ليالٍ الى أن خرج الدود من أنفه"، ثم خاطبه: "لقد طوّفتُ في كلّ البلاد، واجتزتُ الجبالَ الوعرة وعبرتٌ كل البحار لم أذُقْ طعم الموت اللذيذ امتلأتْ أنسجة عضلاتي بالحزن ما أن وصلت الى حانة بائعة الخمر حتى بَلتْ ثيابي قتلتُ الدبَّ والضبع والأسد والفهد والنمر والظبي والأيل والوعل وكل حيوان البرّ ودوابه أكلت لحومها واكتسيت بفروها.." هكذا تغيّر ﮔلـﮔـامش من حالٍ الى حال، من إنسان مدني متحضر يأكل الخبز ويشرب الشراب المعتق، وينام على فراش وثير، إلى صياد هائم في البرية. اتخذ "أوتو-نفشتم" دور الحكيم. حكمته واحدة. الموت مكتوب على الإنسان، كما هو مكتوب على البيت إنْ يتقوّض وعلى النهر انْ يمتلئ وينضب، وعلى اليعسوب أن يموت، وهو بعدُ، في أجمل ثيابه. الآلهة وحدها هي الخالدة: "ما من أحدٍ رأى الموت (1) ما من أحد رأى وجه الموت ما من أحد سمع صوت الموت (1) هل نبني بيتاً يقوم الى الأبد؟ وهل نختم عقداً يدوم الى الأبد؟ وهل يقتسم الأخوة ميراثهم ليبقى الى آخر الدهر؟ وهل تبقى البغضاء في الأرض الى الأبد وهل يرتفع النهر ويأتي بالفيضان على الدوام؟ واليعسوب لايكاد يخرج من شرنقه فيبصر وجه الشمس حتى يحين أجله ما من دوام وما من خلود منذ القدم (2) ويا ما أعظم الشبه بين النائم والميت ألا تبدو عليهما مخايل الموت؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يميز بين العبد والسيد اذا وافاهما الأجل؟ ان "الانوناكي" (3) الآلهة العظام تجتمع مسبقاً ومعهم "ماميتم"(4) صانعة الأقدار تقدر معهم المصائر قسّموا الحياة والموت ولكنّ الموت لم يكشفوا عن يومه" اذا كان الطموح ألدّ اعداء ﮔلـﮔـامش فإن المقطوعة –أعلاه- مكتوبة بفتور البديهيات لمعالجة ذلك الطموح، ولكنها بديهيات ترقى الى أعلى فلسفات الدساتير. قدّم "أوتو- نفشتم" لفلسفته: "ما من احد رأى الموت". هكذا ببساطة: الموت لا يُرى ولا يُسمع. لا مزيد. ما من مفرّ. ولكننا نرى آثاره. نراه في البيت –وهو مأوى- حين يهرم ويتداعى، نراه في العقود الاجتماعية وهي تنفرط، نراه في ميراث الاخوة وهو فانٍ، نراه في بغضائهم وهي لا تدوم، في النهر وهو ينقص، نراه في اليعسوب وهو يموت في أجمل ثيابه. مع ذلك فبديهية: "ما من أحد رأى الموت"، تبلغ أعمقَ فتورٍ قاتلٍ لها، حينما يقول "أوتو-نفشتم": " ما أعظم الشبه بين النائم والميت ألا تبدو عليهما مخايل الموت؟" هل كان "أوتو- نفشتم" يتحدث عن تجربة شخصية؟ هل كان يصف نفسه بأنه حيّ وميت في آنٍ واحد؟ بأنه فانٍ وخالد في آن واحد. قال ﮔلـﮔـامش لـ"أوتو-نفشتم": "ها أنذا أنظر إليك يا "أوتو-نفشتم" فلا أجد هيئتك مختلفة، فأنت مثلي لا تختلف عني أجل، أنت لم تتبدلْ بل إنك تشبهني لقد تصوّرتك كاملاً كالبطل على أهبة القتال فإذا بي أجدك ضعيفاً مضطجعاً على ظهرك فقلْ لي كيف دخلتَ في مجمع الآلهة ووجدت الحياة (الخالدة)؟" (سننظر في هذا المقطع لاحقاً). يسرد بعد ذلك "أوتو-نفشتم" على ﮔلـﮔـامش، كيف أن الآلهة كانوا قد قرروا على إحداث الطوفان. وكيف أن "أيا" نصحه أن يبنيَ له سفينة، وأن يحمل فيها بذرةَ كلّ ذي حياة". يقول أوتو-نفشتم: "كمُلَ بناء السفينة في اليوم السابع وكان إنزالها الى الماء صعباً بات عليهم أن يبدلوا الأثقال في الطوابق العلوية والسفلية إلى أن غطس في الماء ثلثاها" من مهارات شاعر الملحمة، أنه يجعل الصور التاريخية التي تخيّلها ولم يشهدْها، واقعية ملموسة، بواسطة ذِكْر تفاصيل دقيقة، وكأنّه كان شاهد عيان. ففي المقطع أعلاه جعل صعوبة إنزال السفينة واقعاً ملموساً بتبديل الأثقال. أي أنه مطط في الزمن. ولو اكتفى الشاعر بتبديل الأثقال فقط لكانت صورة عادية سرديّة، ولكنه حينما أضاف: "في الطوابق العلوية والسفلية" جعلها أكثر خصوصية وكأنه رآها بعينه. يظهر تمطيط الزمن ومن ورائه تكبير الصعوبة في البيت الأخير: "إلى أن غطس في الماء ثلثاها". وهكذا ما بين إبدال الاثقال، والغطس زمن ممتلئ بالقلق. وحينما ذكر الشاعر: "ثلثاها"، جعل الصورة ملموسة وكأن الشاعر كان، كما قلنا، بين الحضور، يراقبها بانتباه. يقول "أوتو- نفشتم": "وحملتُ فيها كل ما أملك وكل ما عندي من فضة حملته فيها وحملتُ فيها كل ما أملك من ذهب أخذتُ في السفينة جميع أهالي وذوي قرباي وحملت فيها كل ما عندي من المخلوقات الحية أخذت فيها حيوان الحقل وحيوان البرّ وجميع الصناع". ثم عمَّ الظلام، وعمّت الفوضى في الأرض، "وتحطّمت البلاد الفسيحة كما تتحطّم الجرّة"، و"الأخ لا يبصر أخاه": "وحتى الآلهة ذعروا من عباب الطوفان فهربوا وعرّجوا إلى سماء "آنو" لقد استكان الآلهة وربضوا كالكلاب حذو الجدار". في اليوم السابع خفّت زوابع الطوفان، وهدأ البحر، و"استقرت السفينة على جبل "نصير"، وبعد سبعة أيام أُخر "أطلق "أوتو-نفشتم" غراباً فراح ولم يعد. فاستدل بأن الطوفان قد انتهى وأن اليابسة ظهرت. حينما علم انليل، بنجاة اوتو- نفشتم غضب أوّل الأمر وقال: "عجباً كيف نجتْ نفس واحدة/ وكان المقدّر ألاّ ينجو بشر من الهلاك". ولكن نتيجة تقريع الآله "أيا" له، عدل عن رأيه. يقول "أوتو-نفشتم": "ثم صعد "انليل" فوق السفينة وأمسك بيدي وأركبني معه في السفينة وأركب معي أيضاً زوجتي وجعلها تسجد بجانبي ووقف ما بيننا ولمس ناصيتنا وباركنا قائلاً: لم يكن "أوتو-نفشتم" قبل الآن سوى بشر ولكن منذ الآن سيكون وزوجته مثلنا نحن الآلهة وسيعيش بعيداً عند "فم الأنهار" ثم أخذوني بعيداً، وأسكنوني عند "فم الأنهار" قال "أوتو-نفشتم" لـ: ﮔلـﮔـامش تعال لأمتحنك، إذا أردتَ الخلود. لا تنمْ ستة أيام وسبع أمسيات. إلاّ ان النوم "تسلّط عليه كالضباب، منذ اللحظة الأولى". (لنتذكر أن ﮔلـﮔـامش لم يدفن أنكيدو إلاّ بعد ستة أيام وسبع ليالٍ) خاب ﮔلـﮔـامش في الامتحان. الموت محتم. قال: "في مضجعي يقيم الموت وحيثما أضع قدمي يربض الموت" في هذه الأثناء يطرد "أوتو- نفشتم" ملاّحه "أور- شنابي" لأنه هو الذي جاء بـ: ﮔلـﮔـامش. وأمره أن يأخذه ليغسل أوساخه، ولينزع عنه جلود الحيوانات. أمره أن يساعده في تجديد عصابة رأسه، وليلبس حلّة تستر عريه. (كأن النظافة جسداً وهنداماً هنا، صدى لما قالته له صاحبة الحانة سيدوري). يبدو أن "أوتو- نفشتم" حاول أن يعيد ﮔلـﮔـامش إلى تحضّره، تماماً كما فعلت شمهات بأنكيدو ساعة أدخلته إلى أوروك. حينما ركب ﮔلـﮔـامش و"اوتو-نفشتم" في السفينة للعودة إلى أوروك، قالت زوجة "أوتو- نفشتم" لزوجها، إن ﮔلـﮔـامش عانى ما عانى، فلماذا لا تعطيه بعض أمل. وهنا نادى "أوتو- نفشتم" على ﮔلـﮔـامش، وكشف له عن سرّ من أسرار الآلهة: "يوجد نبات مثل الشوك ينبت في المياه وشوكه يخز يديك كما يفعل الورد فإذا ما حصلت عليه وجدت الحياة (الجديدة)" وفعلاً عثر ﮔلـﮔـامش على ذلك النبات في المياه العميقة. إنه يعيد نشاط الحياة. "يعود الشيخ الى صباه كالشباب"، هذا هو الاسم الذي أطلقه ﮔلـﮔـامش على ذلك النبات. قرر ﮔلـﮔـامش أن يحمل النبات إلى أوروك حتى يُشرِك معه أهلها على أكله. وبعد رحلة طويلة توقفا ليبيتا ليلتهما. وحين أبصر ﮔلـﮔـامش بئراً باردة الماء، نزل ليغتسل. في هذه الأثناء شمّت الحية رائحة النبات، فاختطفته ونزعت عنها جلدها. هكذا أراد ﮔلـﮔـامش أن يمحق الشرَّ فقتل خمبابا، وها هو الآن يجدد شباب الشرّ المتمثل بالأفعى رغماً عنه. بكى ﮔلـﮔـامش، لأنه فقد الأمل أولاً، ولأن عدوّه الشرّ تخلّد. واصلا السير الى ان بلغا "أوروك"، فقال ﮔلـﮔـامش لـ"أوتو-شنابي": "إصعد، وامش فوق اسوار اوروك وافحص أسس أسوارها وانظر الى آجر بنائها وتيقنْ أليس من الأجرّ المفخور وهلاّ وضع الحكماء السبعة أسسها ان شارا واحداً خصص للسكن وشارا واحداً لبساتين النخل وشارا واحداً لسهل الريّ بالإضافة إلى حارة معبد "عشتار" على هذا تكون الملحمة قد أكملت دورتها العجيبة. ابتدأت بالمدينة وانتهت بها. ولكن مما يدعو إلى العجب، أن راوية الملحمة اختفى من خشبة المسرح، وهاهو ﮔلـﮔـامش نفسه، يأخذ دوره. النظارة اختفوا كذلك ولم يبق مع ﮔلـﮔـامش إلاّ "أوتو- شنابي"، وكأنه بشرح تفاصيل بناء "اوروك"، كفَّ عن طلب الخلود، واكتفى منه بالذكر الحميد. هل اكتشف ﮔلـﮔـامش بعد كل تلك المغامرات الجسدية والروحية أن الحياة مبنيّة على التوازن بين الخير والشرّ. الملحمة بكاملها ترثي اختلال ذلك التوازن ومشكلة ﮔلـﮔـامش الأساسية هي في العلاقة بين ثلثيه الإلهين وثلثه البشري. فات على ﮔلـﮔـامش أن الشرّ لا بدَّ منه. أراد ان يجتثّ الشرّ عندما قتل خمبابا ولكنْ خلّده بالأفعى، كما أسلفنا. يقول ستيفن ميشيل: "أن تدحر الشرّ: نعم أن تجتثّ الشرّ: لا منقول عن نيازي مصطفى اثرو |
#2
|
||||
|
||||
![]()
الشكر الجزيل يا أستاذ أثرو على هذه اللمحة عن طوفان جلجامش والذي يعتقد انه سبق طوفان نوح بزمن.
|
#3
|
|||
|
|||
![]()
يعطيك العافية أخي أثرو لجهودك وكتابة هذا الموضوع الشيق
|
#4
|
|||
|
|||
![]()
الاسطورة حالة ذهنية او عقلية
تنبع من الرغبة والايمان الذي يساعد الانسان على مواجهة الازمات الكبرى واهم ازمة تعاني منها البشرية ازمة الخلود كثير من الاساطير تحدثت بشكل رمزي عن الموت والحياة ان مظاهر الطبيعة كالمطر والفيضان والزلازل والخصب والقحط ترتبط بالفكر البشري الذي بدوره يربط العلاقات والتفاعلات ببعضها بخياله ووهمه فيصنع الهته وجل الامر مرتبط على اختصار العلاقة بين الاله والانسان والموت والخلود هذا التجسيدالادبي في الاسطورة هو البحث عن الافكار الغامضة التي يعاني منها الكائن البشري وايجاد الحلول لها فمنهم من توصل ومنه من فشل نعم فشلنا بان نكون خالدين والصراع مستمر بين قوى الشر والموت لقد تخيل النسان القديم الكون وحاول ان يفسر وجود الانسان فما كان منه الا ان يفرغ مدى عمق تفكيره على تلك الالواح الطينية وسميت بالاساطير وهذه الاسطورة شبيهة بقصة طوفان نوح والكل قال ان التورات اخذت ما اخذت من اساطير بابل وسومر واساطير كنعان ولكن هناك سؤال فقط العبرانيون من عرف الله لا الشعوب القديمة عرفت الله من ايام ادم وتاهت وتشوشت ولا نستطيع القاء القبض على تاريخ الشعوب منذ خلقتها وما كانت معتقداتها نعم هناك شريعة طبيعية ملهمة من الله في قلوب البشر وكانوا على مستوى عال من التفكير والتحضر والاساطير تثبت مدى قدراتهم هذه مخلفاتهم الفكرية اشكرك جعلتني اشتم التاريخ من جديد كم رائحة الماضي جذابة لك الشكر اخي اثرو |
#5
|
|||
|
|||
![]()
شكرا لأم نبيل وأبو نبيل لمروركم على المواضيع
وللأخت سيمار وتحليلاتها المنطقيه لكم تحياتي اثرو |
![]() |
مواقع النشر (المفضلة) |
|
|