![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
جنديرس وشابور الساساني: بين الحقيقة التاريخية وصناعة الرواية القومية
بقلم الباحث فؤاد زاديكي يبدو أنّ الامانة التاريخية تُلزٍمنا من وقت الى آخر للردّ على ادعاءات بعض الإخوة الكرد وكشف التزوير الذي يتقصّدونه وكأنّ متابعيهم هم من الكرد فقط. لقد قرأت هذا الصباح منشورًا للسيد حسين قاسم مليء بالأغلاط التاريخية التي لا يقع فيها تلاميذ المراحل الابتدائية وبالمزاعم الممسوخة والأدعاءات المُخجِلة يتداول بعض الكتّاب رواية تربط بين جنديرس في منطقة عفرين، وشابور الساساني، والكرد، وتقدم هذه الصلة وكأنّها حقيقة تاريخية محسومة، بل تذهب إلى اعتبار الساسانيين «كردًا» والجيش الساساني «جيشًا كرديًّا»، وتربط ذلك كله بسلسلة تمتد من الميديين والحوريين والفرثيين إلى الكرد المعاصرين. غير أنّ هذه الرواية، عند إخضاعها للنقد التاريخي ومقارنتها بالمصادر القديمة والدراسات الأكاديمية المتخصصة، تكشف عن خلط واضح بين الجغرافيا والتاريخ والهوية السياسية والقومية الحديثة، وعن انتقال متكرّر من حقيقة جزئية صحيحة إلى استنتاج لا تسنده الأدلة. ولعلّ أول ما ينبغي تصحيحه هو الخطأ الزمني الفادح في عنوان الرواية؛ إذ يشار إلى «260 ق.م»، في حين أنّ الحدث المقصود هو أسر الإمبراطور الروماني فاليريان على يد شابور الأول سنة 260 م، أي بعد أكثر من أربعة قرون من التاريخ المذكور. وشابور الأول نفسه كان ملكًا ساسانيًّا في القرن الثالث الميلادي، وقد خاض حروبًا كبرى ضد الإمبراطورية الرومانية، وسجّل انتصاراته على الرومان في نقوشه، ومن أشهرها نقش شابور في نقش رستم، الذي يذكر حملاته ضد غورديان الثالث وفيليب العربي وفاليريان وأسر الأخير. أمّا جنديرس، فهنا توجد بالفعل حقيقة تاريخية مهمّة، ولكنُها لا تؤدي إلى النتيجة التي يريدها صاحب الرواية. فجنديرس الحالية ترتبط بالموقع القديم المعروف في المصادر اليونانية والرومانية باسم Gindaros/Gindarus، وكانت منطقة ذات أهمية استراتيجية في شمال سوريا. ويذكر سترابون غينداروس في سياق العمليات العسكرية الرومانية والفرثية، ولا سيّما المعركة التي وقعت سنة 38 ق.م بين القوات الرومانية بقيادة فنتيديوس باسوس والقوات الفرثية بقيادة باكوروس، ابن الملك الفرثي أورودس. وقُتِل باكوروس في تلك الحملة. وهذه حقيقة تاريخية موثّقة، لكنّ المصادر القديمة لا تقول إنّ تلك المعركة كانت «معركة كرديّة»، ولا تصف الفرثيين بأنّهم «كرد»؛ بل تضعها بوضوح ضمن الصراع الروماني ـ الفرثي. والأهمّ أنّ الفرثيين والساسانيين ليسوا شعبًا أو أسرة واحدة. فقد حكمت الإمبراطورية الفرثية الأسرة الأرشكية، أو الأرساكيدية، ابتداءً من القرن الثالث قبل الميلاد، ثم ظهرت الدولة الساسانية في القرن الثالث الميلادي بقيادة أردشير الأول الذي أسقط الحكم الأرشكي سنة 224 م. ومن ثم فإنّ جمع الفرثيين والساسانيين والكرد في هُوِيّة واحدة، كما تفعل الرواية، هو اختصار لتاريخ سياسي واجتماعي معقد يمتدّ قرونًا طويلة. وتزداد المشكلة وضوحًا عند الانتقال إلى الادّعاء بأنُ «بيت ساسان» كان بيتًا كرديًّا. فالمصادر التاريخية والدراسات الإيرانية المتخصّصة تربط الأسرة الساسانية بفارس، ولا تقدُم دليلًا تاريخيًّا موثوقًا يصف أردشير الأول أو شابور الأول أو الأسرة الساسانية بأنّها أسرة كردية. ويُنظَر إلى الساسانيين في الدراسات المتخصصة باعتبارهم سلالة فارسية حكمت إمبراطورية إيرانية واسعة. صحيح أنُ الدولة الساسانية حكمت مناطق واسعة من زاغروس وبلاد الرافدين وأرمينيا والقوقاز وسوريا في فترات مختلفة، وصحيح أنّ جيشها كان إمبراطوريًّا متعدّد المكوّنات، لكنُ حكمها لأراضٍ يسكنها أناس من أصول متعدّدة لا يجعل الدولة نفسها «كرديّة»، كما أنّ وجود سكّان كرد أو أسلاف محتملين للكرد داخل المجال السياسي الساساني لا يحوّل الأسرة الحاكمة إلى أسرة كرديّة. وهنا نصل إلى الخطأ المنهجي الأكبر في هذه الرواية، وهو تحويل زاغروس إلى مرادف لكرد. زاغروس منطقة جغرافية وحضارية واسعة شهدت عبر آلاف السنين وجود جماعات وشعوب متعدُدة، منها الحوريون والكاشيون واللولوبيون والغوتيون والميديون وجماعات إيرانية أخرى، فضلًا عن سكان وممالك وكيانات سياسية مختلفة ظهرت وتغيُرت عبر العصور. ولا يمكن، وفق منهج البحث التاريخي، أخذ كلّ جماعة قديمة عاشت في زاغروس وإطلاق اسم «الكرد» عليها لمجرّد أنّ مناطق واسعة من زاغروس أصبحت لاحقًا جزءًا من المجال الكردي. والأمر نفسه ينطبق على الميديين. فالميديون شعب إيراني قديم موثّق في المصادر الآشورية والبابلية واليونانية، وكانت ميديا تقع في شمال غربي إيران، وشكّلت في مرحلة تاريخية مملكة مهمّة. لكنّ القول إنُ «الميديين كانوا الكرد» ثم الانتقال من ذلك إلى «الساسانيون كانوا أكرادًا» لا يمثّل حقيقة تاريخية مثبتة. العلاقة التاريخية بين الميديين والكرد موضوع مهمّ في الدراسات المتعلقة بتاريخ الشعوب الإيرانية وتطوّر اللغات والمجتمعات في زاغروس، لكنُها ليست سلسلة نسب قومية مستقيمة يمكن اختزالها بعبارة «الميديون هم الكرد». فالهويات القديمة لم تكن مطابقة للهويات القومية الحديثة، والتغيرات السكانية واللغوية والسياسية التي شهدتها المنطقة على مدى أكثر من ألفي عام تجعل مثل هذه المطابقة المباشرة غير علمية. والحوريون مثال آخر على ضرورة الحذر، فهم شعب قديم جدًّا من شعوب الشرق الأدنى، ولغتهم ليست لغة إيرانية، وانتشروا في مناطق واسعة من شمال بلاد الرافدين وسوريا والأناضول خلال العصر البرونزي. ولذلك فإنّ تحويل الحوريين مباشرة إلى «كُرد» هو أيضًا استنتاج يحتاج إلى أدلّة لغوية وسكانية وتاريخية متصلة، وهي غير متوفّرة بالصيغة التي تقدمها الرواية. إنّ دراسة إسهام الشعوب القديمة في التاريخ السكاني والثقافي للمنطقة أمر مشروع ومهمّ، لكنّ ذلك شيء، وإعادة تسمية تلك الشعوب بأسماء قومية معاصرة شيء آخر. وهذا لا يعني بأيّ حال أنّ الكرد شعب بلا جذور تاريخية قديمة، أو أنٌ تاريخهم يبدأ في العصور الإسلامية أو المتأخرة، كما قد يحاول البعض أن يستنتج من نقد هذه الروايات. على العكس، إنّ تاريخ الكرد في مناطق زاغروس وبلاد الرافدين تاريخ طويل ومعقّد، وتُشير المصادر الكلاسيكية إلى جماعات جبلية قديمة يمكن بحث علاقتها بالتكوين التاريخي اللاحق للكرد، ومن بينها الكاردوخيون الذين وصفهم زينوفون في القرن الرابع قبل الميلاد، إضافة إلى جماعات أخرى مثل الـCyrtii التي ناقش الباحثون علاقتها بالتاريخ المبكر للكرد. لكنّ الفرق بين البحث العلمي والدعاية القومية هو أنّ الباحث لا يحوّل الاحتمال إلى يقين، ولا يجعل كلّ جماعة جبلية قديمة «كرديّة» لمجرّد وجودها في المنطقة نفسها. ومن هنا يمكن فهم الخطأ في الادعاء بوجود «فرسان كرد مدرّعين» في جيش شابور الأول. لقد كان سلاح الفرسان الثقيل عنصرًا مهمًّا في الجيوش الإيرانية القديمة، وكان الجيش الساساني جيشًا إمبراطوريًّا ضخمًا شاركت فيه قوات من مناطق وشعوب مختلفة. ولكن لا يكفي أن تكون بعض تلك القوات قادمة من مناطق جبلية في زاغروس لكي نُسمّيها «وحدات كردية». فإذا لم تقدّم المصادر المعاصرة أو القريبة من الحدث تسمية واضحة لهذه القوات أو دليلًا على هويتها القومية بالمعنى الذي يطرحه الكاتب، فلا يجوز تحويلها إلى حقيقة تاريخية ثابتة. والأمر ذاته ينطبق على الطريق المزعوم: «حرّان ـ كركميش ـ عفرين ـ جنديرس ـ أنطاكية»، ثم الادّعاء بأنّه كان الطريق الذي استخدمه «الفرسان الكرد» وأنّ كلّ الحملات الساسانية نحو أنطاكية مرّت عبره. صحيح أنّ شمال سوريا كان مسرحًا مهمًّا للحروب بين الرومان والقوى الإيرانية، وصحيح أنّ جنديرس كانت ذات قيمة استراتيجية بسبب موقعها على الطرق المؤدية إلى أنطاكية، لكنّ وجود طريق عسكري لا يعني أنّ كلّ حملة عسكرية استخدمته، ولا يعني أنّ كلّ قوة مرّت فيه كانت من قومية معيّنة. بل إنّ الدراسات المتعلقة بحملة شابور الأول تُشير إلى أنّ الساسانيين استولوا على غينداروس سنة 253 م أثناء تقدّمهم نحو أنطاكية، لكنّ تحديد مسار الحملة بصورة تفصيلية ليس بهذه البساطة، كما أنّ المصادر لا تعطي أساسًا للقول إنّ هذا الطريق كان «طريقًا كرديًّا» أو أنّ وحدات كردية كانت تتجمع في جنديرس قبل كلُ حملة. والحقيقة التاريخية الموجودة هنا كافية بذاتها: جنديرس كانت موقعًا استراتيجيًّا قديمًا، وشهدت الصراع بين الرومان والفرثيين، ثم دخلت في مسرح الحروب الساسانية ـ الرومانية، واستولى عليها شابور الأول في القرن الثالث الميلادي، ووصلت حملاته إلى أنطاكية. هذه الوقائع موثقة، ولا تحتاج إلى إضافة قصة «شابور الكردي» أو «الفرسان الكرد» لكي تصبح ذات أهمية. أمّا شابور الثاني، فقد خاض بدوره حروبًا طويلة ضد الرومان في القرن الرابع الميلادي، ولا سيّما على جبهة بلاد الرافدين وأرمينيا، وحاصر نصيبين أكثر من مرة، وخاض حملات كبرى ضد الرومان انتهت في إحدى مراحلها بالاستيلاء على آمد بعد حصار سنة 359 م. لكنُ تحويل هذه الحروب إلى دليل على أنُ جنديرس كانت محطة ثابتة لكلّ حملاته أو أنّ جيشه كان «جيشًا كرديًّا» هو مرًة أخرى استنتاج لا تقدّمه المصادر. واللافت في هذه الرواية أنُها تبدأ من حقيقة صحيحة ثم تتوسّع تدريجيًّا في الاستنتاج: جنديرس هي غينداروس؛ إذن مرّ بها جيش إيراني، إذن كان الجيش ساسانيًّا، إذن كان ساسانيًّا كرديًّا، إذن كان الفرسان كردًا، إذن الساسانيون أكراد؛ ثم يُعاد إسقاط هذه النتيجة على الميديين والحوريين والفرثيين. وهذه ليست طريقة بناء الحقيقة التاريخية، بل سلسلة من الافتراضات التي يعتمد كلّ واحد منها على السابق من دون أن يملك الدليل المستقل الكافي. والمنهج العلمي يقتضي أن نضع كلّ اسم في سياقه التاريخي: عندما تتحدث المصادر عن Gindaros نقول غينداروس، وعندما تتحدث عن Parthians نقول الفرثيين، وعندما تتحدث عن Sasanians نقول الساسانيين، وعندما تتحدث عن الميديين نقول الميديين، ولا نعيد تسمية كل هؤلاء «كردًا» بأثر رجعي لمجرُد أنّ أجزاءً من المناطق التي عاشوا فيها أصبحت ضمن المجال الجغرافي الكردي في عصور لاحقة. إنّ قوة التاريخ الكردي لا تحتاج إلى اختراع سلالة مستقيمة تبدأ بالحوريين ثم الميديين ثم الفرثيين ثم الساسانيين وتنتهي بالكرد المعاصرين. بل إنّ التاريخ الكردي يصبح أكثر قوّة واحترامًا عندما يُدرَس بوصفه نتيجة تاريخ طويل ومعقّد لتفاعل جماعات وشعوب ولغات ومجتمعات متعدّدة في زاغروس وبلاد الرافدين والمناطق المجاورة، مع الاعتراف بما هو ثابت، وما هو مُحتمل، وما هو موضع خلاف بين الباحثين. إنّ إنصاف الكرد لا يكون بتحويل كلُ إمبراطورية إيرانية قديمة إلى إمبراطورية كرديّة، ولا بتحويل كلّ شعب عاش في زاغروس إلى كرد، كما أنّ نقد هذه الادعاءات لا يعني إنكار قدم الكرد أو أصالتهم. الفرق ببساطة هو الفرق بين التاريخ كما تسمح لنا المصادر بإعادة بنائه، والتاريخ كما نرغب نحن في أن يكون. ولهذا فإنّ جنديرس، في حقيقتها التاريخية، تستحقُ الدراسة أكثر من الأسطورة التي أُحِيطَت بها: فهي غينداروس القديمة، موقع استراتيجي في شمال سوريا، شهد صراعًا رومانيًا ـ فرثيًا في القرن الأول قبل الميلاد، ودخل لاحقًا في مسرح الصراع الساساني ـ الروماني، واستولى عليها شابور الأول في القرن الثالث الميلادي. أمّا تحويل هذا التاريخ إلى دليل على أنّ شابور كان «كرديًّا» وأنّ الساسانيين كانوا «كردًا» وأنّ كلّ فرسانهم كانوا «فرسانًا كردًا»، فذلك أمر لا تثبته الأدلة التاريخية المعروفة. والباحث الجادّ لا يحتاج إلى أكثر من الحقيقة، لأنّ الحقيقة، مهما كانت معقّدة، أقوى من الرواية المصنوعة لخدمة هُوِيُة معاصرة. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|