أَزْمَةُ القِرَاءَةِ وَتَحَدِّيَاتُ القَارِئِ العَرَبِيِّ بقلم: الشاعر فؤاد زاديكي
أَزْمَةُ القِرَاءَةِ وَتَحَدِّيَاتُ القَارِئِ العَرَبِيِّ
بقلم: الشاعر فؤاد زاديكي
تُشَكِّلُ أَبْعَادُ أَبْحَاثِ القِرَاءَةِ وَالوَعْيِ الثَّقَافِيِّ فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ قَضِيَّةً فِكْرِيَّةً مَفْصِلِيَّةً تُعَبِّرُ عَنْ حَالَةٍ المَعْرِفَةِ فِي المُجْتَمَعِ، حَيْثُ تَتَقَاطَعُ فِي مَسَارِهَا عَقَبَاتٌ تَرْبَوِيَّةٌ، وَاقْتِصَادِيَّةٌ، وَتَكْنُولُوجِيَّةٌ، وَاجْتِمَاعِيَّةٌ، تَتَضافَرُ جَمِيعُهَا لِتُؤَثِّرَ سَلْبًا فِي المَيُولِ القِرَائِيَّةِ وَتَحُدَّ مِنْ جَذْوَةِ الشَّغَفِ المَعْرِفِيِّ. يَبْدَأُ الجَذْرُ الأَسَاسِيُّ لِهَذِهِ المُشْكِلَةِ مِنْ المَنْظُومَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّتِي مَا زَالَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ تَعْتَمِدُ أُسْلُوبَ التَّلْقِينَ وَالحِفْظِ الِّآلِيِّ بِهَدَفِ اجْتِيَازِ الاِمْتِحَانَاتِ، عَلَى حِسَابِ غَرْسِ مَهَارَاتِ الاِسْتِكْشَافِ وَالبَحْثِ وَالنَّقْدِ الذَّاتِيِّ، مِمَّا يَجْعَلُ الكِتَابَ المَطْبُوعَ فِي ذِهْنِ النَّشْءِ مُرْتَبِطًا بِالإِجْهَادِ وَالوَاجِبِ المَدْرَسِيِّ الصَّارِمِ بَدَلًا مِنَ المُنْتَهَى وَالمُتْعَةِ الفِكْرِيَّةِ، يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ خُمُولُ المَكْتَبَاتِ المَدْرَسِيَّةِ وَغِيَابُ الأَنْشِطَةِ التَّفَاعُلِيَّةِ الَّتِي تُشَجِّعُ عَلَى المَطَالَعَةِ الحُرَّةِ مُنْذُ الصِّغَرِ. وَيَتَلاَمَسُ هَذَا العَجْزُ التَّرْبَوِيُّ مَعَ الارتِفَاعِ المَلْحُوظِ فِي أَسْعَارِ المَطْبُوعَاتِ وَالكُتُبِ نَتِيجَةَ المَشَاكِلِ الاِقْتِصَادِيَّةِ وَارْتِفَاعِ تَكَالِيفِ الوَرَقِ وَالطِّبَاعَةِ، حَتَّى بَاتَ الإِنْفَاقُ عَلَى المَعْرِفَةِ سِلْعَةً كَمَالِيَّةً أَوْ رَفَاهِيَةً تُزِيحُهَا الضُّغُوطُ المَعِيشِيَّةُ العَاجِلَةُ عَنْ سُلَّمِ الأَوْلَوِيَّاتِ لَدَى أَقْطَاعٍ وَاسِعَةٍ مِنَ الأُسَرِ. وَلا تَقِلُّ مَشَاكِلُ التَّوْزِيعِ وَالصُّعُوبَاتُ اللُّوجِسْتِيَّةُ خَطَرًا عَنْ سَابِقَاتِهَا، إِذْ يَصْطَدِمُ القَارِئُ العَرَبِيُّ بِعَدَمِ تَوَفُّرِ المَادَّةِ المَطْلُوبَةِ حِينًا، أَوْ نَفَادِ الطَّبَعَاتِ المَحَلِّيَّةِ حِينًا آَخَرَ، فَيَظَلُّ الكِتَابُ المَطْبُوعُ فِي بَلَدٍ عَرَبِيٍّ حَبِيسَ حُدُودِهِ أَوْ قَاصِرًا عَلَى العَرْضِ فِي المَعَارِضِ الدَّوْلِيَّةِ المَوْسِمِيَّةِ، يَزِيدُ مِنْ ذَلِكِ ارْتِفَاعُ كُلَفِ الشَّحْنِ الفَرْدِيِّ وَالقُيُودِ الرَّقَابِيَّةِ الَّتِي تُحَاصِرُ التَّنَوُّعَ الفِكْرِيَّ وَتَمْنَعُ تَدَاوُلَ المُنْتَجِ الفَلْسَفِيِّ أَوْ الأَدَبِيِّ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى خُبُوِّ جَذْوَةِ الفُضُولِ المَعْرِفِيِّ لَدَى القَارِئِ فِي مَهْدِهَا. وَفِي ظِلِّ هَذَا المَشْهَدِ المُعَقَّدِ، خَلَقَتْ سَطْوَةُ التَّكْنُولُوجِيَا وَالهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ وَمَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ نَمَطًا جَدِيدًا مِنَ التَّلَقِّي السَّرِيعِ الَّذِي يُشَتِّتُ الاِنْتِبَاهَ وَيُقَلِّصُ المَدَى الزَّمَنِيَّ لِلتَّرْكِيزِ، مِمَّا جَعَلَ قِرَاءَةَ نَصٍّ طَوِيلٍ أَوْ كِتَابٍ كَامِلٍ تُشَكِّلُ حَالَةً مِنَ الإِجْهَادِ الذِّهْنِيِّ غَيْرِ المَعْهُودِ لَدَى الجِيلِ الحَدِيثِ. وَمَعَ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ المُمِيتَةِ لِلشَّغَفِ، يَبْرُزُ الكِتَابُ الإِلِكْتُرُونِيُّ وَالمُحْتَوَى الصَّوْتِيُّ كَجِسْرٍ إِصْلَاحِيٍّ حَاسِمٍ يُلْغِي المَسَافَاتِ الجُغْرَافِيَّةَ وَيُتِيحُ الوُصُولَ اللَّحْظِيَّ إِلَى العَنَاوِينِ المَفْقُودَةِ، فَضْلًا عَنْ تَخْفِيضِهِ التَّكَالِيفَ المَادِيَّةَ المُمَاثِلَةَ لِلطِّبَاعَةِ الوَرَقِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الاعْتِمَادَ الكَامِلَ عَلَيْهِ مَا زَالَ يواجه عقَبَاتِ القِرْصَنَةِ الرقميةِ وِضَعْفَ وَسَائِلِ الدَّفْعِ الإِلِكْتُرُونِيِّ. لِذَا، فَإِنَّ الحَلَّ الشَّامِلَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ إِلّا بِرُؤْيَةٍ تَكَامُلِيَّةٍ، تَرْتَكِزُ عَلَى تَطْوِيرِ المَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ، وَدَعْمِ صِنَاعَةِ النَّشْرِ، وَتَوْسِيعِ حَرَكَةِ الترْجَمَةِ، وَتَسْهِيلِ التَّدَاوُلِ الثَّقَافِيِّ المُشْتَرِكِ، لِتَعُودَ القِرَاءَةُ سُلُوكًا حَيَوِيًّا يَبْنِي العَقْلَ وَيَسْتَعِيدُ المَكَانَةَ المَعْرِفِيَّةَ الأَصِيلَةَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|