Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 02:48 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,308
افتراضي القسم الرابع: الانتداب الفرنسي وبناء المجتمع السوري الحديث يمثل المجتمع السوري خلال

القسم الرابع: الانتداب الفرنسي وبناء المجتمع السوري الحديث

يمثل المجتمع السوري خلال فترة الانتداب الفرنسي أحد أكثر جوانب المرحلة تعقيدًا، لأن التحولات التي شهدها لم تكن نتيجة سياسة فرنسية واحدة ومباشرة، كما أنها لم تكن استمرارًا بسيطًا لما كان قائمًا في العهد العثماني، وإنما جاءت نتيجة تداخل عوامل متعددة: الإرث الإداري والتعليمي والصحي العثماني، وسياسات السلطة الفرنسية ومصالحها الاستعمارية، ونمو المدن، وتوسع التجارة، وتطور وسائل الاتصال والمواصلات، وانتشار التعليم الحديث، ونشوء الصحافة، وظهور طبقة جديدة من الموظفين والمعلمين والمحامين والأطباء والصحفيين والضباط والمثقفين، إلى جانب استمرار البنى الاجتماعية التقليدية والعائلية والدينية والمحلية. ولذلك فإن دراسة المجتمع السوري في زمن الانتداب لا ينبغي أن تنطلق من فكرة أن فرنسا "أنشأت" المجتمع السوري الحديث من العدم، كما لا يصح، في المقابل، تجاهل ما أحدثته الإدارة الفرنسية من تغيرات مؤسساتية وعمرانية وتعليمية كان لها أثر طويل الأمد في تطور الدولة والمجتمع.

عند دخول القوات الفرنسية إلى سورية سنة 1920 كانت البلاد قد خرجت من الحرب العالمية الأولى وهي تعاني من آثار اقتصادية واجتماعية عميقة، كما كانت سنوات الحرب والمجاعات والأوبئة والتجنيد الإجباري والنزوح قد تركت آثارًا واضحة في السكان. وكانت الدولة العثمانية قد أقامت خلال العقود الأخيرة من حكمها مجموعة من المدارس النظامية والمكتبات والمؤسسات الصحية والإدارية، إلا أن انتشار التعليم الحديث ظل متفاوتًا بين المدن والأرياف، وكانت نسبة كبيرة من السكان تعتمد على التعليم الديني التقليدي أو على الكتاتيب المحلية. ومع بداية الانتداب ورثت الإدارة الفرنسية هذه البنية، وأدخلت عليها تعديلات تتفق مع طبيعة السلطة الجديدة وأهدافها، فوسعت بعض المؤسسات، وأنشأت مدارس ومراكز تعليمية وصحية وإدارية، لكنها في الوقت نفسه جعلت التعليم والإدارة جزءًا من منظومة السيطرة السياسية والثقافية على البلاد.

كان التعليم من أهم المجالات التي شهدت تغيرًا خلال فترة الانتداب. فقد أدركت الإدارة الفرنسية أن السيطرة على بلد واسع ومتنوع مثل سورية تحتاج إلى جهاز إداري قادر على العمل، وإلى موظفين محليين يجيدون القراءة والكتابة والحساب واللغات، ولذلك اهتمت بتطوير التعليم النظامي وتوسيع المدارس في المدن وبعض المناطق الريفية. وظهرت مدارس ابتدائية وثانوية ومهنية، وتطورت مدارس المعلمين، كما استمرت المؤسسات التعليمية التي كانت قائمة قبل الانتداب. وكانت دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرابلس وغيرها من المراكز الحضرية تشكل نقاطًا أساسية في انتشار التعليم النظامي، في حين ظل الريف يعاني بدرجات متفاوتة من نقص المدارس وبعد المسافات وقلة الموارد.

ولم يكن التعليم في هذه المرحلة منفصلًا عن السياسة. فقد كانت السلطة المنتدبة حريصة على أن يكون الجهاز التعليمي خاضعًا لإشرافها، وكانت اللغة الفرنسية تحظى بمكانة مهمة في المدارس والمؤسسات التعليمية التي ارتبطت بالإدارة الفرنسية أو بالمؤسسات التبشيرية والثقافية الفرنسية. وفي المقابل، نشأ داخل المجتمع السوري تيار قوي يرى أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة للتعليم، بل وسيلة للحفاظ على الهوية الوطنية وبناء جيل قادر على إدارة الدولة المستقلة. ولذلك أصبح التعليم أحد ميادين التنافس بين المشروع الاستعماري والمشروع الوطني.

وكانت اللغة العربية عنصرًا مركزيًا في هذا الصراع. فالعربية لم تكن مجرد لغة تخاطب يومية، بل كانت مرتبطة بالهوية الثقافية والتاريخية للسوريين، وبالنهضة الأدبية والفكرية التي بدأت قبل الحرب العالمية الأولى واستمرت بعدها. ومع نمو المدارس والصحافة ظهرت طبقة من المتعلمين الذين جعلوا من الدفاع عن العربية وعن التعليم الوطني جزءًا من العمل العام. وفي هذا السياق أصبحت المدرسة مكانًا لتشكيل الوعي الوطني بقدر ما كانت مؤسسة لنقل المعرفة.

كما شهدت تلك المرحلة نمو التعليم الأهلي والخاص، وبرز دور الجمعيات والهيئات الدينية والثقافية في تأسيس المدارس وإدارتها. فقد استمرت المدارس المسيحية والكنسية والإسلامية وبعض المؤسسات الأهلية في العمل، ووفرت نماذج تعليمية مختلفة عن المدارس الحكومية. وكان هذا التنوع يعكس التركيبة الاجتماعية والدينية المتعددة لسورية، لكنه كان في الوقت نفسه يثير أسئلة حول طبيعة المناهج واللغات والمرجعيات الثقافية التي ينبغي أن يقوم عليها التعليم الوطني.

أما التعليم العالي، فقد كان أكثر محدودية من التعليم الابتدائي والثانوي. وكانت البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على إرسال الطلاب إلى الخارج، ولا سيما إلى فرنسا ومصر وبلدان أخرى، من أجل دراسة الطب والهندسة والقانون والعلوم والآداب. وقد لعب هؤلاء الطلاب العائدون دورًا مهمًا في تكوين النخب الحديثة، إذ حملوا معهم أفكارًا سياسية وفكرية جديدة، وأسهموا في تطوير الحياة الثقافية والإدارية والطبية والقانونية. وكان من نتائج ذلك ظهور طبقة اجتماعية جديدة تجمع بين التعليم الحديث والانخراط في الحياة السياسية.

وفي المجال الصحي، شهدت فترة الانتداب توسعًا في إنشاء المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية، كما جرى الاهتمام بمكافحة بعض الأمراض والأوبئة، وبخاصة الأمراض التي كانت تمثل تحديًا للمجتمعات الريفية والحضرية. وكانت الأوضاع الصحية قد تأثرت بشدة بالحرب العالمية الأولى، ولذلك كان من الضروري إعادة بناء الخدمات الطبية وتوفير المؤسسات اللازمة لمعالجة السكان. وظهرت أو توسعت المستشفيات في المدن الرئيسية، كما أنشئت مراكز صحية في بعض المناطق، وتطورت أعمال التلقيح ومراقبة الأمراض المعدية والصحة العامة.

غير أن الخدمات الصحية بقيت متفاوتة بصورة كبيرة. فالمدن الرئيسية استفادت من وجود المستشفيات والأطباء والصيدليات والخدمات الطبية الحديثة، بينما ظلت مناطق ريفية واسعة تعاني من نقص الكوادر الطبية والمراكز الصحية. كما أن الفقر والأمية وضعف البنية التحتية ونقص المياه النظيفة والصرف الصحي كانت عوامل تحد من فعالية أي نظام صحي حديث. ومن هنا فإن التحسن الصحي في بعض المدن لا ينبغي أن يُفهم على أنه تحول شامل وسريع في أوضاع السكان، بل كان عملية تدريجية تفاوتت من منطقة إلى أخرى.

وكانت أعمال المياه والصرف الصحي مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالصحة العامة. فالتوسع العمراني الذي شهدته دمشق وحلب والمدن الأخرى فرض على السلطات تطوير شبكات المياه وتحسين مصادرها وتنظيم بعض أعمال الصرف الصحي. وقد ساهم ذلك تدريجيًا في تحسين البيئة الحضرية، لكنه بقي محدودًا مقارنة بحجم التحديات. كما أن الأحياء القديمة والمناطق الفقيرة لم تستفد دائمًا بالقدر نفسه من الخدمات الجديدة.

وفي الإدارة، كان الانتداب الفرنسي أحد أهم العوامل التي ساهمت في إعادة تنظيم الجهاز الحكومي السوري، وإن كان ذلك ضمن نظام سياسي لم يكن مستقلًا. فقد توسعت الدوائر الحكومية، ونظمت أعمال المالية والجمارك والأشغال العامة والصحة والتعليم والزراعة والداخلية، وازداد الاعتماد على الموظفين المحليين في إدارة الدولة. وكان الموظف السوري الذي يعمل في الإدارة الحديثة يمثل شخصية اجتماعية جديدة تختلف جزئيًا عن الموظف التقليدي في العهد العثماني، إذ أصبح مرتبطًا بالقوانين والأنظمة والسجلات والملفات والدوائر الرسمية.

وقد ساهم هذا التطور الإداري في ترسيخ مجموعة من المفاهيم الحديثة المتعلقة بوظيفة الدولة. فالسجل الرسمي، والوثيقة، والرخصة، والضرائب، والبلديات، والسجل العقاري، والتنظيم العمراني، والشرطة، والمحاكم، والمراسلات الرسمية، كلها أصبحت جزءًا أكثر رسوخًا في الحياة اليومية. ومع أن كثيرًا من هذه المؤسسات كانت لها جذور عثمانية، فإن الانتداب أعاد تنظيمها ووضعها ضمن هيكل إداري جديد.

ومن أهم النتائج الاجتماعية لذلك ظهور شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين. ومع توسع المدارس ازداد عدد المعلمين، ومع تطور الإدارة ازداد عدد الموظفين والكتبة والمحاسبين، ومع نمو الخدمات الصحية ظهرت أعداد أكبر من الأطباء والصيادلة والممرضين، ومع تطور المحاكم والإدارة القانونية توسع حضور المحامين والقضاة. وهكذا بدأت ملامح الطبقة الوسطى الحضرية الحديثة بالوضوح بصورة أكبر.

وكانت هذه الطبقة الوسطى من أهم القوى الاجتماعية التي حملت المشروع الوطني. فالموظف والمعلم والمحامي والطبيب والصحفي والمهندس لم يكن مجرد صاحب مهنة جديدة، بل كان في كثير من الأحيان صاحب تصور جديد للدولة والمجتمع. وكان التعليم الحديث قد منحه قدرة على قراءة الصحف والكتب والتعامل مع المؤسسات الرسمية والاطلاع على الأفكار السياسية العالمية. ولذلك أصبح هؤلاء جزءًا أساسيًا من الحياة السياسية والثقافية في سورية خلال الثلاثينيات والأربعينيات.

وفي الوقت نفسه لم تختفِ البنية الاجتماعية التقليدية. فقد بقيت العائلات الكبيرة والزعامات المحلية وشيوخ العشائر والقيادات الدينية والوجهاء يحتفظون بنفوذهم، وخاصة في الأرياف والمناطق الطرفية. وكانت الإدارة الفرنسية تتعامل في كثير من الأحيان مع هذه القوى المحلية لضمان الاستقرار وجمع الضرائب وتنفيذ القرارات، الأمر الذي ساهم في استمرار بعض أشكال الوساطة التقليدية بين الدولة والمجتمع.

وهكذا كان المجتمع السوري يعيش حالة من التداخل بين القديم والجديد. فالعائلة الكبيرة بقيت ذات نفوذ، لكن ابنها قد يكون موظفًا أو طبيبًا أو محاميًا. والزعيم المحلي قد يتعامل مع الإدارة الحديثة، بينما يظل نفوذه قائمًا على علاقات اجتماعية تقليدية. والقرية قد تستمر في أنماطها الزراعية القديمة، لكنها أصبحت مرتبطة بالسوق والمدينة والطريق والهاتف والقطار. وهذا التداخل هو الذي يفسر الكثير من تعقيدات المجتمع السوري في مرحلة الانتداب.

أما الصحافة، فقد كانت من أكثر المجالات تأثيرًا في تكوين المجتمع السياسي الحديث. فقد شهدت سورية خلال فترة الانتداب نموًا ملحوظًا في الصحف والمجلات، وخاصة في دمشق وحلب، واستمرت تقاليد صحفية كانت قد بدأت في أواخر العهد العثماني. وأصبحت الصحيفة وسيلة أساسية لمناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، ونشر الأخبار، والتعبير عن المواقف من الانتداب، والدفاع عن الاستقلال.

وكانت الصحافة الوطنية تخوض مواجهة مستمرة مع الرقابة والقيود السياسية. فقد كانت السلطات الفرنسية تنظر إلى الصحافة باعتبارها وسيلة يمكن أن تؤثر في الرأي العام وتحرك المعارضة، ولذلك فرضت عليها أشكالًا مختلفة من الرقابة والتنظيم. ومع ذلك تمكن الصحفيون والمثقفون من إيجاد مساحات للتعبير، وكانت الصحف تنشر المقالات السياسية والأدبية والتاريخية، وتتابع أخبار الحركة الوطنية والمفاوضات مع فرنسا.

وقد ساهمت الصحافة في نقل النقاش السياسي من مجال النخب الضيق إلى جمهور أوسع. فأصبح المواطن يستطيع متابعة أخبار البرلمان والمعاهدات والانتخابات والمفاوضات والإضرابات والأحداث الدولية. كما ساهمت الصحافة في انتشار النقاش حول مفهوم الدستور والمواطنة والاستقلال والسيادة، وهي مفاهيم كانت تتبلور تدريجيًا في الحياة العامة السورية.

ولم تكن الصحافة سياسية فقط، بل كانت أيضًا أدبية وثقافية. فقد ازدهرت المقالة الأدبية والنقد والشعر والقصة والترجمة، وظهرت مجلات تهتم بالفكر والتاريخ واللغة والأدب. وأسهم ذلك في تعزيز النهضة الثقافية العربية التي كانت قد بدأت قبل الانتداب، وفي ربط المثقف السوري بحركة فكرية عربية أوسع امتدت إلى مصر والعراق ولبنان وفلسطين وغيرها.

وكانت دمشق وحلب مركزين رئيسيين لهذا النشاط الثقافي، لكن النشاط الصحفي والثقافي لم يقتصر عليهما. فقد ظهرت مطبوعات ونشاطات ثقافية في مدن أخرى، وساهمت المواصلات الحديثة والبريد والبرق والهاتف في تسريع تداول الأفكار والأخبار بين المناطق.

وفي هذا السياق لعبت المقاهي والنوادي والجمعيات الثقافية دورًا اجتماعيًا مهمًا. فالمقهى في المدن لم يكن مكانًا للراحة فقط، بل كان فضاءً للنقاش السياسي وتبادل الأخبار. وكذلك كانت الأندية والجمعيات والروابط المهنية والثقافية أماكن يلتقي فيها المتعلمون والموظفون والسياسيون وأصحاب المهن الجديدة. ومع مرور الوقت أصبحت هذه المؤسسات جزءًا من الحياة المدنية الحديثة.

أما المرأة السورية، فقد شهد وضعها الاجتماعي والثقافي خلال فترة الانتداب تحولات مهمة، وإن كانت تدريجية وغير متساوية بين المناطق والطبقات. وكانت مشاركة المرأة في الحياة العامة قد بدأت قبل الانتداب، خصوصًا في المدن، إلا أن انتشار التعليم والصحافة والجمعيات ساهم في توسيع النقاش حول تعليم المرأة ومكانتها الاجتماعية ودورها في المجتمع.

فقد ازداد اهتمام الأسر الحضرية بتعليم البنات، وظهرت مدارس للبنات، وتوسعت مشاركة النساء في بعض مجالات التعليم والعمل الثقافي. كما بدأت تظهر أسماء نسائية في الصحافة والأدب والعمل الأهلي، وأصبحت قضية تعليم المرأة من الموضوعات التي تناقشها الصحافة والصالونات الثقافية والجمعيات.

وكانت هذه التحولات مرتبطة أيضًا بنمو الأفكار الإصلاحية التي انتشرت في العالم العربي. فقد بدأ الحديث عن المرأة لا باعتبارها موضوعًا اجتماعيًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من مشروع بناء المجتمع الحديث. وكان تعليمها يُنظر إليه من قبل كثير من الإصلاحيين بوصفه شرطًا لتكوين الأسرة الحديثة وتربية الأجيال الجديدة.

لكن لا ينبغي المبالغة في حجم هذا التحول. فقد ظلت قطاعات واسعة من النساء، وخاصة في الأرياف والمناطق الفقيرة، بعيدة عن التعليم والعمل العام. كما بقيت العادات الاجتماعية التقليدية قوية، واستمرت الفوارق الكبيرة بين المدن والريف وبين الطبقات الاجتماعية. ولذلك كان التغيير في وضع المرأة عملية طويلة بدأت قبل الانتداب واستمرت بعده، ولم تكن نتيجة مباشرة للسياسة الفرنسية وحدها.

ومن المجالات المهمة أيضًا النشاط التبشيري والثقافي الأجنبي. فقد كانت بعض المؤسسات التعليمية والطبية التابعة لهيئات دينية وأجنبية تعمل في سورية، وكان لها دور في التعليم والصحة والترجمة والثقافة. وأسهم بعضها في إدخال مناهج وطرق تعليم حديثة، لكنها كانت في الوقت نفسه مرتبطة بخلفيات دينية وثقافية وسياسية أثارت أحيانًا حساسية لدى التيارات الوطنية.

ومن هنا ظهرت لدى المثقفين السوريين أسئلة حول العلاقة بين التعليم الحديث والهوية الوطنية، وبين الانفتاح على الثقافة الأوروبية والحفاظ على الثقافة العربية. ولم يكن الموقف السوري من الثقافة الفرنسية موقفًا واحدًا؛ فقد وجد مناهضون للاستعمار يتقنون الفرنسية ويقرأون الأدب والفكر الفرنسي، كما وجد من تعلموا في المؤسسات الفرنسية ثم أصبحوا من أبرز دعاة الاستقلال. وهذا يدل على أن انتقال الأفكار بين المجتمعات لا يتطابق بالضرورة مع المواقف السياسية من الدولة التي جاءت بها.

وفي الحياة الاجتماعية، أدى نمو المدن والمواصلات والأسواق إلى تغيير أنماط العلاقات بين الناس. فقد أصبحت المدن تستقبل سكانًا من الأرياف، وازدادت حركة الطلاب والموظفين والتجار، ونشأت أحياء جديدة خارج النواة القديمة للمدن. كما أدى انتشار الكهرباء والمياه والطرق والهاتف إلى تغير تدريجي في نمط الحياة اليومية.

وأصبحت المدينة الحديثة تضم أنماطًا اجتماعية متعددة: أحياء قديمة ذات بنية تقليدية، وأحياء جديدة ذات شوارع أوسع ومبانٍ حديثة، وأسواق تجارية، ومقاهٍ، ومدارس، ودوائر حكومية، ومستشفيات، ومراكز للشرطة، ومحطات للقطار والحافلات. وكان هذا التحول العمراني يغير أيضًا طبيعة العلاقات الاجتماعية، إذ أصبحت المهنة والتعليم والدخل من العوامل المتزايدة في تحديد المكانة الاجتماعية إلى جانب النسب والعائلة.

كما لعب الجيش دورًا في تكوين فئة اجتماعية جديدة. فمع إنشاء وتنظيم القوات المحلية المرتبطة بالإدارة الفرنسية، ثم تطور الحياة العسكرية السورية، ظهر ضباط سوريون تلقوا تدريبًا عسكريًا حديثًا. وكان بعض هؤلاء الضباط لاحقًا من الشخصيات المؤثرة في تاريخ سورية السياسي بعد الاستقلال. ومن المفارقات التاريخية أن مؤسسة عسكرية نشأت في ظل الانتداب أصبحت لاحقًا واحدة من المؤسسات الأساسية في الحياة السياسية للجمهورية السورية.

وكانت المدارس العسكرية والإدارية والصحية والقانونية وغيرها من المؤسسات الحديثة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تخدم حاجات السلطة القائمة، ومن جهة أخرى تنتج كوادر سورية قادرة على العمل في الدولة المستقلة. وهذه إحدى المفارقات المهمة في دراسة الاستعمار؛ فالمؤسسات التي أقامتها سلطة استعمارية لخدمة نظامها قد تتحول بعد انتهاء الاستعمار إلى أدوات في بناء الدولة الوطنية.

وينطبق الأمر نفسه على القانون والقضاء. فقد جرى خلال الانتداب تنظيم عدد من المجالات القانونية والقضائية وفق أنظمة حديثة، واستمر جزء من هذه التقاليد بعد الاستقلال. وأصبح القانون المكتوب والإجراءات القضائية والسجلات الرسمية جزءًا أساسيًا من الحياة العامة. ومع ذلك كان النظام القانوني في فترة الانتداب مرتبطًا بالسيادة الفرنسية وبالتقسيمات السياسية والإدارية التي فرضتها السلطة المنتدبة، ولذلك لا يمكن فصله عن طبيعة النظام الاستعماري نفسه.

أما الحياة السياسية، فقد ساهمت بصورة مباشرة في تشكيل المجتمع الحديث. فقد أدت الانتخابات والبرلمانات والأحزاب والصحف والإضرابات والمظاهرات إلى إشراك شرائح اجتماعية متزايدة في المجال العام. ولم يعد العمل السياسي مقتصرًا على وجهاء المدن أو كبار الأعيان، بل بدأ المعلمون والمحامون والطلاب والموظفون والتجار والعمال بالمشاركة بدرجات مختلفة.

وكانت الأحزاب والتيارات السياسية تمثل مدارس فكرية متعددة. فهناك الوطنيون التقليديون، والقوميون العرب، والتيارات الدستورية، والليبراليون، واليساريون، والإسلاميون، والتيارات المحلية والإقليمية. ولم تكن هذه التيارات منفصلة تمامًا، بل كانت تتداخل أحيانًا بحسب الظروف السياسية. وكان العامل المشترك الأكبر بينها، بدرجات متفاوتة، هو البحث عن صيغة للدولة السورية ومستقبلها في مواجهة الانتداب.

وكانت الإضرابات والمظاهرات من أبرز وسائل التعبير الجماعي. وقد أظهرت أحداث الإضراب العام سنة 1936 أن المجتمع السوري أصبح قادرًا على تنظيم حركة سياسية واسعة تتجاوز النخب التقليدية. كما أظهرت أحداث 1945 أن قضية الاستقلال لم تعد قضية سياسيين فقط، بل أصبحت قضية اجتماعية عامة شاركت فيها قطاعات واسعة من السكان.

وفي الوقت نفسه تطورت الحركة العمالية، وإن كانت لا تزال محدودة مقارنة بما ستصبح عليه بعد الاستقلال. فقد أدى نمو المرافئ والسكك والورش والمصانع والطباعة والنقل إلى ظهور عدد متزايد من العمال، وبدأت تظهر أشكال من التنظيم النقابي والمطالب المتعلقة بالأجور وظروف العمل. وكانت المدن والموانئ والمراكز الصناعية والتجارية أكثر استعدادًا لنشوء هذه التنظيمات.

وكانت هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة أيضًا بتغير وضع الطبقات الاجتماعية. فقد بقي كبار ملاك الأراضي والتجار والعائلات التقليدية في موقع قوي، لكن الطبقة الوسطى توسعت، وظهرت فئات مهنية جديدة، بينما بقيت قطاعات واسعة من الفلاحين والعمال تعاني من الفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي. ومن هنا فإن الحديث عن "المجتمع الحديث" في هذه المرحلة يجب ألا يوحي بأن التحديث كان شاملًا أو متساويًا.

وفي الريف، بقيت الحياة الاجتماعية مرتبطة بالأرض والعائلة والعشيرة والعلاقات المحلية، لكن تدخل الدولة ازداد تدريجيًا. فالسجل العقاري والضرائب والطرق والمدارس والشرطة والأسواق جعلت الريف أكثر ارتباطًا بالمؤسسات الحكومية وبالمدينة. كما أدت الزراعة التجارية ونمو زراعة الحبوب والقطن إلى إدخال بعض المناطق في شبكة اقتصادية أوسع من السابق.

وفي الجزيرة السورية، كان التحول أكثر وضوحًا بسبب الاستيطان ونمو المدن الجديدة وحركة الهجرة والتجارة. فقد أدى تغير التركيبة السكانية في بعض مناطق الجزيرة خلال فترة الانتداب إلى ظهور مراكز حضرية جديدة، وإلى تشكل علاقات اجتماعية واقتصادية مختلفة. وأصبحت مدن مثل القامشلي والحسكة وديريك مراكز تجارية وإدارية مرتبطة بشبكة طرق وأسواق وحدود دولية.

وهنا تظهر أهمية الهجرة في تكوين المجتمع السوري الحديث. فقد استقبلت بعض مناطق سورية جماعات سكانية قدمت من مناطق مجاورة نتيجة الاضطرابات والحروب والتغيرات السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. وكان لهذه الهجرات آثار عميقة في التركيبة السكانية والاقتصادية، وخصوصًا في المدن الحدودية والجزيرة. ولا يمكن فهم نمو بعض المراكز الحضرية الجديدة من دون أخذ هذه الحركة السكانية في الاعتبار.

كما أن الانتداب ساهم في توسيع المجال الإداري للدولة الحديثة، لكن هذا التوسع لم يكن دائمًا متطابقًا مع مفهوم الدولة الوطنية الموحدة. فقد اعتمدت الإدارة الفرنسية في مراحل مختلفة على تقسيمات إدارية وسياسية هدفت إلى إدارة التنوع وإضعاف مركزية الدولة السورية. ومن هنا نشأ توتر مستمر بين واقع التقسيمات التي فرضتها السلطة المنتدبة وبين التيار الوطني الذي كان يسعى إلى دولة سورية موحدة.

وقد انعكس ذلك على المجتمع نفسه. فالمواطن في دمشق أو حلب أو جبل الدروز أو منطقة الجزيرة كان يعيش ضمن ظروف محلية مختلفة، لكن الحركة الوطنية والصحافة والمدرسة والسوق والجيش والإدارة ساهمت تدريجيًا في تشكيل شعور سياسي أوسع بالانتماء إلى سورية.

وكانت الثقافة الوطنية واحدة من أهم الأدوات التي ساهمت في هذا التحول. فالأدباء والمؤرخون والصحفيون والمعلمون عملوا على إعادة قراءة التاريخ السوري والعربي، وعلى إبراز رموز الاستقلال والمقاومة، وربط الحاضر بالماضي. وأصبحت شخصيات مثل يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وصالح العلي وسلطان باشا الأطرش وغيرهم جزءًا من الذاكرة الوطنية التي تشكلت خلال الانتداب وبعده.

ومن المهم هنا التمييز بين التاريخ والذاكرة. فبعض الروايات التي انتشرت في المجتمعات المحلية حول المقاومة والانتداب تعكس ذاكرة اجتماعية حقيقية ومهمة، لكنها ليست دائمًا وثيقة تاريخية بالمعنى الصارم. وقد تختلف الروايات المحلية حول تفاصيل الأحداث أو الأسماء أو الأدوار. ولذلك ينبغي للباحث أن يقارن بين الوثائق الرسمية والمذكرات والصحافة والروايات الشفوية، وألا يحول الرواية المحلية إلى حقيقة قطعية دون قرائن.

ومن أبرز نتائج المرحلة ظهور نخبة سورية حديثة تجمع بين التعليم والعمل الإداري والسياسي والثقافي. وقد كان لهذه النخبة دور أساسي في قيادة الدولة بعد الاستقلال. فالأطباء والمحامون والمهندسون والمدرسون والموظفون والضباط والصحفيون الذين ظهروا أو توسع حضورهم خلال فترة الانتداب شكلوا جزءًا مهمًا من الكادر البشري الذي تولى مؤسسات الدولة السورية بعد عام 1946.

لكن هذه النخبة لم تكن فرنسية الصنع، كما لا يمكن القول إنها كانت عثمانية فقط. فقد تكونت من مصادر متعددة: المدارس العثمانية، والمدارس العربية، والمدارس الفرنسية، والجامعات الأجنبية، والمؤسسات الدينية، والخبرة الإدارية المحلية، والعمل السياسي الوطني، والتفاعل مع الحركات الفكرية العربية والعالمية. ولذلك فإن نشوء النخبة الحديثة كان نتيجة تفاعل طويل ومعقد أكثر من كونه نتيجة سياسة واحدة.

ومع اقتراب نهاية الانتداب كانت سورية قد تغيرت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه سنة 1920. فقد توسعت المدن، وتحسنت بعض شبكات الطرق والمواصلات والاتصالات، وانتشرت المدارس بصورة أكبر، وظهرت مؤسسات صحية وإدارية حديثة، وتطورت الصحافة، ونمت الطبقة الوسطى، وتكونت نخبة سياسية وثقافية وإدارية جديدة. وفي الوقت نفسه بقيت البلاد تعاني من الفقر وعدم المساواة وضعف الخدمات في مناطق واسعة، ومن آثار التقسيمات الإدارية والسياسية ومن التفاوت الكبير بين المدينة والريف.

وعندما تحقق الجلاء سنة 1946 لم تبدأ الدولة السورية من الصفر. فقد ورثت شبكة من المؤسسات الإدارية والقانونية والتعليمية والصحية والعسكرية والعمرانية، بعضها نشأ قبل الانتداب وبعضها تطور خلاله. كما ورثت جيلًا من الموظفين والمعلمين والأطباء والمهندسين والمحامين والضباط والصحفيين الذين أصبحوا جزءًا من الجهاز البشري للدولة المستقلة.

لكن الدولة المستقلة ورثت أيضًا مشكلات عميقة: التفاوت الاجتماعي، وضعف التعليم في الأرياف، الفقر، قضية ملكية الأراضي، التفاوت بين المدن والمناطق، آثار الهجرة والنزوح، والتوترات السياسية، والإرث الاقتصادي للانتداب، فضلًا عن استمرار بعض البنى الإدارية والقانونية التي كانت قد تشكلت في ظل السلطة الفرنسية.

ومن هنا فإن تقييم الانتداب الفرنسي من زاوية بناء المجتمع السوري الحديث يجب أن يكون أكثر دقة من الأحكام المطلقة. فالقول إن فرنسا "أنشأت المجتمع السوري الحديث" يتجاهل قرونًا من التطور المحلي والإرث العثماني والنهضة العربية التي سبقت الاحتلال، كما يتجاهل الدور الكبير للمجتمع السوري نفسه في التعليم والصحافة والسياسة والاقتصاد. وفي المقابل فإن القول إن الانتداب لم يترك أي أثر مؤسساتي أو اجتماعي حديث يتجاهل التغيرات التي حدثت بالفعل في الإدارة والتعليم والصحة والمواصلات والقانون والعمران.

والحقيقة التاريخية الأقرب إلى التوازن هي أن الانتداب الفرنسي كان سلطة استعمارية فرضت وجودها على سورية، وأعادت تنظيم الدولة والمجتمع وفق مصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وحاولت استخدام التعليم والإدارة والثقافة كأدوات من أدوات الحكم. لكن المجتمع السوري لم يكن مجرد متلقٍ سلبي لهذه السياسات، بل قاومها وتفاوض معها وتكيف معها واستفاد أحيانًا من بعض مؤسساتها، ثم أعاد توظيف قسم من هذه المؤسسات بعد الاستقلال لصالح الدولة الوطنية.

وبذلك يمكن النظر إلى مرحلة الانتداب باعتبارها مرحلة انتقالية شديدة التعقيد في تاريخ سورية الحديثة. فقد تداخل فيها الإرث العثماني مع الإدارة الفرنسية، وتداخلت المقاومة الوطنية مع المؤسسات الحديثة، وتداخلت الثقافة العربية مع التأثيرات الأوروبية، وتداخلت المدن القديمة مع المراكز الحضرية الجديدة، وتداخلت البنى الاجتماعية التقليدية مع الطبقة الوسطى الحديثة. ومن هذا التداخل خرج المجتمع السوري الذي دخل مرحلة الاستقلال سنة 1946 وهو يحمل في داخله آثار مراحل تاريخية متعددة.

وعندما نقرأ تاريخ سورية بعد الجلاء، نجد أن كثيرًا من المؤسسات والأفكار التي ستؤثر في الجمهورية السورية كانت قد بدأت بالتشكل قبل 1946: المدرسة الحديثة، الإدارة المركزية، القضاء الحديث، الصحافة، النقابات، الأحزاب، الجيش، التعليم الطبي والهندسي، البلديات، التنظيم العمراني، السجل العقاري، شبكات الطرق والاتصالات، والطبقة الوسطى المتعلمة. لكن هذه العناصر لم تكن جميعها نتاج الانتداب، بل كانت نتيجة تراكم تاريخي طويل ساهمت فيه الدولة العثمانية، والحركات الإصلاحية العربية، والمجتمع المحلي، والمؤسسات الدينية والأهلية، ثم الإدارة الفرنسية، وأخيرًا الحركة الوطنية السورية.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة الانتداب الفرنسي بعيدًا عن التبسيط. فالمرحلة ليست مجرد قصة احتلال ومقاومة، على الرغم من أن الاحتلال والمقاومة يشكلان جوهرها السياسي، وليست كذلك قصة تحديث وبناء مؤسسات، لأن هذه المؤسسات كانت تعمل داخل نظام استعماري مفروض. إنها مرحلة اجتمعت فيها السيطرة والمقاومة، والتحديث والتبعية، والتطور والتفاوت، والمؤسسة الحديثة والإرث التقليدي.

وبهذا القسم نصل إلى نهاية دراسة "الانتداب الفرنسي على سورية من الألف إلى الياء". وقد أظهرت الأقسام السابقة أن الطريق إلى الانتداب بدأ من التحولات الدولية التي سبقت نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم انتقل إلى سقوط المملكة العربية السورية وفرض الانتداب، قبل أن يتحول إلى نظام سياسي وإداري وعسكري واقتصادي واسع. ثم واجه هذا النظام مقاومات متعددة culminated في الثورة السورية الكبرى، وتطورت في مواجهته الحركة الوطنية السورية حتى وصلت إلى مرحلة المفاوضات والأزمات الكبرى والحرب العالمية الثانية، وانتهت بالجلاء سنة 1946. وفي الوقت نفسه شهدت سورية تحولات عمرانية واقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة، ساهم فيها الانتداب كما ساهم فيها المجتمع السوري نفسه، وامتدت آثارها إلى مرحلة الاستقلال.

إن فهم سورية الحديثة لا يكتمل من دون فهم هذه المرحلة، لكن فهم الانتداب نفسه لا يكتمل أيضًا من دون النظر إلى السوريين بوصفهم فاعلين في تاريخهم، لا مجرد موضوع لسياسات القوى الأجنبية. فقد قاوم السوريون، وتفاوضوا، وأنشأوا الصحف والمدارس والجمعيات، ودخلوا الإدارة، وطوروا المدن والأسواق، وأسهموا في تكوين المؤسسات التي ستصبح لاحقًا مؤسسات الدولة المستقلة. ولذلك فإن الجلاء سنة 1946 لم يكن مجرد خروج القوات الفرنسية، بل كان نهاية مرحلة استعمارية طويلة وبداية اختبار جديد للسوريين: كيف يحولون مجتمعًا خرج من الحرب والانتداب إلى دولة مستقلة قادرة على بناء مؤسساتها والحفاظ على وحدتها وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية؟

وهنا تكمن القيمة التاريخية الحقيقية لهذه المرحلة. فالانتداب الفرنسي ترك آثارًا لا يمكن إنكارها في الدولة والمجتمع والعمران والاقتصاد والتعليم والإدارة، لكنه لم يكن وحده صانع سورية الحديثة. سورية الحديثة كانت ثمرة تفاعل طويل بين تاريخ محلي عميق، وإرث عثماني، ونهضة عربية، ومقاومة وطنية، وتحولات دولية، وسياسات استعمارية، وحركة سكانية واقتصادية واسعة، ثم تجربة الاستقلال التي بدأت فعليًا مع الجلاء.

وعليه، فإن القراءة العلمية للانتداب الفرنسي ينبغي أن تبتعد عن التمجيد كما تبتعد عن الإنكار، وأن تميز دائمًا بين ما تثبته الوثائق وما تنقله الذاكرة المحلية وما يستنتجه الباحث من مقارنة المصادر. فالتاريخ ليس محكمة لإصدار الأحكام السريعة، بل محاولة لفهم كيف تشكلت الأحداث والمؤسسات والمجتمعات، وكيف تركت كل مرحلة آثارها في المراحل التي تلتها.

وبهذا المعنى، فإن تاريخ الانتداب الفرنسي على سورية ليس تاريخ فرنسا وحدها، ولا تاريخ المقاومة السورية وحدها، بل هو جزء أساسي من تاريخ تشكل سورية الحديثة نفسها؛ تاريخ دولة ومجتمع دخلا القرن العشرين وسط تحولات كبرى، وخرجا منهما بعد عقود من الصراع والتغيير وهما يحملان إرثًا مركبًا لا يزال حاضرًا في مؤسسات الدولة، وفي عمران المدن، وفي الذاكرة الوطنية، وفي الثقافة السياسية والاجتماعية السورية حتى اليوم.

إعداد وبحث: فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:55 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke