Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 02:43 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,308
افتراضي الانتداب الفرنسي على سورية من الألف إلى الياء دراسة تاريخية شاملة من سايكس–بيكو إلى

الانتداب الفرنسي على سورية من الألف إلى الياء

دراسة تاريخية شاملة من سايكس–بيكو إلى الجلاء سنة 1946

إعداد وبحث: فؤاد زاديكي

القسم الثاني: المقاومة الوطنية والثورة السورية الكبرى والحرب العالمية الثانية والجلاء

لم يؤدِّ احتلال القوات الفرنسية لدمشق وسقوط المملكة العربية السورية سنة 1920 إلى إنهاء المطالبة السورية بالاستقلال، بل فتح مرحلة جديدة من المقاومة السياسية والعسكرية والشعبية. فقد أدرك السوريون أن الانتداب لم يكن مجرد ترتيب مؤقت لإدارة البلاد، بل نظامًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا فرضته القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وأن استمرار هذا النظام يعني بقاء القرار الوطني خاضعًا لإرادة دولة أجنبية. ولهذا ظهرت منذ السنوات الأولى للاحتلال حركات مقاومة متعددة، اختلفت في قياداتها ومناطقها وأساليبها، لكنها التقت في رفض السيطرة الفرنسية والدفاع عن حق السوريين في تقرير مصيرهم.

كانت المقاومة في بدايات الانتداب موزعة بين مناطق مختلفة. ففي الساحل السوري برزت مقاومة الشيخ صالح العلي، وفي الشمال قاد إبراهيم هنانو حركة مسلحة ضد القوات الفرنسية، كما ظهرت تحركات في الغوطة وريف دمشق وحوران وجبل العرب ومناطق الجزيرة والبادية. ولم تكن هذه المقاومات متطابقة من حيث أهدافها المباشرة أو تركيبتها الاجتماعية، إذ ارتبط بعضها بالدفاع عن الاستقلال والوحدة، وبعضها بمواجهة الضرائب والتجنيد والتدخل الإداري، وبعضها برفض نزع السلاح أو السيطرة على الأراضي والطرق. لكن هذه العوامل المحلية سرعان ما اندمجت في الإطار الأوسع للمقاومة الوطنية.

قاد الشيخ صالح العلي مقاومة مسلحة في منطقة الساحل، مستفيدًا من الطبيعة الجبلية للمنطقة ومن شبكات التضامن المحلية. وقد واجهت قواته الحملات الفرنسية التي سعت إلى تثبيت السيطرة على الساحل والجبال، وإخضاع القرى والقيادات المحلية للإدارة الجديدة. وتميزت مقاومته بالاعتماد على معرفة دقيقة بالتضاريس، وبالتحرك المرن بين القرى والجبال، وبالاستناد إلى دعم اجتماعي من قطاعات واسعة من السكان.

لم تكن مقاومة صالح العلي حركة معزولة عن القضية السورية العامة، رغم أن ظروف الساحل وتركيبته الاجتماعية أعطياها خصائص خاصة. فقد رفضت الحركة إخضاع المنطقة للسلطة الفرنسية، ودافعت عن استقلالها وحق سكانها في إدارة شؤونهم. كما أظهرت أن مقاومة الانتداب لم تكن مقتصرة على المدن الكبرى أو النخب السياسية، بل شاركت فيها مناطق ريفية وجبلية ذات ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة.

وفي الشمال السوري، قاد إبراهيم هنانو حركة مقاومة واسعة ضد الفرنسيين، بدأت في منطقة جبل الزاوية وامتدت إلى مناطق أخرى من الشمال. وكان هنانو من الشخصيات الوطنية التي جمعت بين العمل السياسي والمقاومة المسلحة، واستطاع أن ينظم مجموعات محلية اعتمدت على الهجمات المباغتة وقطع طرق الإمداد ومهاجمة المواقع الفرنسية. وقد واجهت قواته حملات عسكرية متكررة، لكنها استطاعت لفترة طويلة إرباك الإدارة الفرنسية وإظهار صعوبة فرض السيطرة الكاملة على البلاد.

ارتبطت مقاومة إبراهيم هنانو أيضًا برفض تقسيم سورية، ولا سيما إنشاء دولة حلب منفصلة عن دمشق. فقد رأت الحركة الوطنية أن التقسيم الإداري الذي فرضته فرنسا يهدف إلى إضعاف الوحدة السورية، وأن قبول هذه التقسيمات سيجعل البلاد أكثر عرضة للنفوذ الأجنبي. ولذلك أصبحت قضية الوحدة عنصرًا أساسيًا في خطاب المقاومة، إلى جانب المطالبة بالاستقلال وإنهاء الانتداب.

اعتمدت فرنسا في مواجهة هذه الحركات على التفوق العسكري، واستخدام الطائرات والمدفعية، وفرض العقوبات الجماعية، وملاحقة القادة، والسيطرة على طرق المواصلات ومصادر التموين. كما حاولت استمالة بعض الزعامات المحلية، وإقامة تفاهمات مؤقتة مع قوى اجتماعية أو سياسية، والاستفادة من التنافسات المحلية. وقد أظهرت هذه السياسة أن الإدارة الفرنسية لم تكن تعتمد على القوة وحدها، بل كانت تستخدم أيضًا الوسائل السياسية والإدارية لتفكيك جبهة المقاومة.

ومع مرور الوقت، انتقلت المقاومة من التحركات المحلية المتفرقة إلى نشاط وطني أكثر تنظيمًا. فقد بدأت الجمعيات والنوادي والهيئات السياسية في المدن السورية تعمل على تنسيق المواقف، وبرزت شخصيات وطنية دعت إلى توحيد الجهود ضد الانتداب. كما تطورت الصحافة الوطنية، وأصبحت وسيلة لنشر الوعي السياسي وانتقاد سياسات فرنسا، رغم الرقابة والملاحقة والإغلاق التي تعرضت لها الصحف.

كانت الحياة السياسية خلال الانتداب محكومة بقيود شديدة. فقد سمحت فرنسا بوجود مجالس وهيئات تمثيلية محدودة، لكنها احتفظت بالسلطة الفعلية في شؤون الأمن والدفاع والمالية والسياسة الخارجية. كما تدخلت في تشكيل الحكومات والمجالس، وأوقفت العمل بالدستور أو عطلت المؤسسات عندما رأت أن نتائجها لا تتوافق مع مصالحها. ولذلك ظل الصراع بين الحركة الوطنية والسلطة الفرنسية يدور حول مسألتين مترابطتين: الاستقلال السياسي من جهة، ووحدة البلاد من جهة أخرى.

في منتصف عشرينيات القرن العشرين، بلغت المقاومة مرحلة جديدة مع اندلاع الثورة السورية الكبرى سنة 1925. وقد بدأت الثورة في جبل العرب بقيادة سلطان باشا الأطرش، ثم امتدت إلى مناطق واسعة من سورية، ولا سيما حوران والغوطة وريف دمشق وجبل لبنان وبعض مناطق الشمال. وكانت الثورة من أكبر الانتفاضات ضد الانتداب الفرنسي، لأنها جمعت بين مقاومة مسلحة واسعة، وحركة سياسية وشعبية امتدت إلى المدن والقرى.

كان سلطان باشا الأطرش زعيمًا وطنيًا من جبل العرب، وقد ارتبط اسمه بالثورة السورية الكبرى. بدأت المواجهة بعد تصاعد التوتر بين الزعامات المحلية والسلطات الفرنسية، نتيجة تدخل الإدارة في شؤون المنطقة وفرض ترتيبات سياسية وأمنية لم تحظَ بقبول السكان. ومع اتساع المواجهات، تحولت الثورة إلى حركة وطنية عامة، وبدأت مجموعات من مناطق أخرى بالانضمام إليها.

لم تكن الثورة السورية الكبرى مجرد انتفاضة محلية في جبل العرب، بل تحولت إلى مشروع مقاومة يهدف إلى إنهاء الانتداب وتوحيد سورية. وقد شارك فيها مقاتلون من حوران والغوطة وريف دمشق ومناطق أخرى، كما ساهمت المدن في دعمها بالإضرابات والتظاهرات والتمويل وتوفير المؤن. وأصبح اسم سلطان باشا الأطرش رمزًا للمقاومة الوطنية، كما برزت قيادات أخرى في مناطق مختلفة من البلاد.

واجهت فرنسا الثورة بقوة عسكرية كبيرة، واستخدمت الطائرات والمدفعية والآليات الحديثة، كما فرضت حصارًا على بعض المناطق، وشنّت حملات على القرى والبلدات. وقد تعرضت مناطق واسعة للدمار، وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى، ونزحت عائلات كثيرة من مناطق القتال. ولم تقتصر آثار الثورة على المجال العسكري، بل تركت نتائج اجتماعية واقتصادية عميقة، إذ تضررت الزراعة والتجارة، وتعطلت طرق المواصلات، وتزايدت الأعباء على السكان.

من أبرز أحداث الثورة السورية الكبرى امتداد القتال إلى الغوطة وريف دمشق، حيث تمكن الثوار من تهديد المراكز الفرنسية ومهاجمة طرق الإمداد. كما شهدت دمشق إضرابات واحتجاجات واسعة، وظهرت حالة من التضامن بين قطاعات مختلفة من السكان. وقد أدركت السلطات الفرنسية أن استمرار الثورة لا يمكن مواجهته عسكريًا فقط، فعملت على الجمع بين القمع والمفاوضات، وعلى محاولة فصل المناطق عن بعضها ومنع تنسيق جهود المقاومة.

كان قصف دمشق من أكثر الأحداث قسوة وإثارة للجدل في تاريخ الانتداب. فقد تعرضت أحياء من العاصمة للقصف الفرنسي خلال مواجهات الثورة، وأدى ذلك إلى سقوط ضحايا مدنيين ودمار في عدد من المباني والأسواق والمناطق السكنية. وقد ترك القصف أثرًا بالغًا في الذاكرة السورية، لأنه أكد للسكان أن السلطة المنتدبة مستعدة لاستخدام القوة ضد المدن والأحياء المدنية من أجل تثبيت سيطرتها.

أظهرت الثورة السورية الكبرى أن الحركة الوطنية تجاوزت حدود الانقسامات المحلية والمذهبية والمناطقية، رغم استمرار وجود اختلافات داخلها. فقد تعاونت مجموعات من مناطق مختلفة، وشاركت شخصيات مدينية وريفية في دعم الثورة، كما ساهمت الصحافة والهيئات السياسية في نقل أخبارها وتعبئة الرأي العام. ومع ذلك، لم تكن الثورة خالية من الصعوبات، إذ عانت من نقص السلاح والتمويل، ومن صعوبة التنسيق بين الجبهات، ومن التفوق العسكري الفرنسي، ومن محاولات السلطة عزل القيادات عن قواعدها الشعبية.

انتهت المرحلة العسكرية الكبرى من الثورة بعد حملات فرنسية واسعة، لكنها لم تعنِ انتهاء الروح الوطنية أو قبول الانتداب. فقد استمرت المقاومة بأشكال مختلفة، وانتقلت بدرجة أكبر إلى العمل السياسي والدستوري والصحافي. كما تحولت الثورة إلى رمز وطني أساسي، وأصبحت ذكراها جزءًا من الخطاب السياسي السوري، ومرجعًا تستند إليه الأجيال اللاحقة في مطالبتها بالاستقلال.

بعد تراجع الثورة، سعت فرنسا إلى إعادة تنظيم النظام السياسي في سورية، وإلى تقديم صورة عن الانتداب بوصفه مرحلة تمهّد للحكم الدستوري. وفي هذا السياق، جرت محاولات لصياغة دستور سوري، وانعقدت مؤسسات تمثيلية، لكن السلطة الفرنسية احتفظت لنفسها بحق التدخل في القرارات الأساسية. وقد صدر دستور سنة 1930، الذي مثّل خطوة مهمة في تاريخ الحياة الدستورية السورية، لكنه بقي محكومًا بحدود الانتداب وبصلاحيات المفوضية السامية.

نص الدستور على قيام جمهورية سورية ومؤسسات تشريعية وتنفيذية، لكنه لم ينهِ السيطرة الفرنسية. فقد بقيت قضايا الدفاع والسياسة الخارجية والامتيازات والمصالح الاستراتيجية مرتبطة بالسلطة المنتدبة. كما أن فرنسا كانت قادرة على تعطيل المؤسسات أو تعليق العمل الدستوري عندما ترى أن الحياة السياسية تهدد نفوذها. ولذلك أصبح الدستور ساحة جديدة للصراع بين الوطنيين والسلطات الفرنسية.

نشأت خلال الثلاثينيات كتلة وطنية قادت جانبًا مهمًا من العمل السياسي، وضمت شخصيات من دمشق وحلب وحمص وحماة ومناطق أخرى. وقد ركزت هذه القوى على المطالبة بالاستقلال، ووحدة سورية، وإنهاء تدخل المفوضية السامية في الشؤون الداخلية. كما استخدمت الإضرابات والمظاهرات والمفاوضات والانتخابات وسيلة للضغط على فرنسا.

كان الإضراب العام في سورية خلال سنة 1936 من أبرز مظاهر النضال السياسي في فترة الانتداب. فقد شاركت فيه قطاعات واسعة من التجار والعمال والطلاب والموظفين وأصحاب المهن، وشلّ الحياة الاقتصادية والإدارية في عدد من المدن. وقد أظهر الإضراب قدرة الحركة الوطنية على تنظيم احتجاج واسع، كما دفع فرنسا إلى الدخول في مفاوضات مع ممثلي الكتلة الوطنية.

أسفرت المفاوضات عن توقيع المعاهدة السورية الفرنسية سنة 1936، التي مثّلت محاولة لتنظيم العلاقة بين سورية وفرنسا على أساس الاعتراف التدريجي بالاستقلال. وقد تضمنت المعاهدة وعودًا بإنهاء الانتداب وإقامة علاقات تحالف وتعاون بين البلدين، لكنها أبقت مسائل مهمة معلقة، كما أن تنفيذها واجه اعتراضات داخل فرنسا وتغيرات دولية حالت دون تطبيقها بصورة كاملة.

استقبل السوريون المعاهدة بآمال كبيرة، لأنها بدت وكأنها طريق قانوني نحو الاستقلال. لكن سرعان ما ظهرت خيبة أمل بسبب تأخر التصديق عليها، وعدم انسحاب القوات الفرنسية، واستمرار النفوذ الفرنسي في الجيش والسياسة الخارجية وبعض المناطق الاستراتيجية. ومع ذلك، ساهمت المعاهدة في تعزيز مكانة الحركة الوطنية، وفي إظهار أن الضغط الشعبي والسياسي قادر على انتزاع تنازلات من السلطة المنتدبة.

في أواخر الثلاثينيات، عادت فرنسا إلى سياسات أكثر تشددًا. فقد أدى تصاعد التوتر الدولي، وقضية لواء الإسكندرون، والتغيرات في أوروبا، إلى تراجع فرص تنفيذ الوعود السابقة. وفي سنة 1939، أُلحِق لواء الإسكندرون بتركيا بعد ترتيبات دولية وسياسية أثارت رفضًا واسعًا في سورية. وقد اعتبر كثير من السوريين ذلك انتقاصًا من الأراضي السورية، وزاد من الشعور بأن القرارات المصيرية للبلاد كانت تُتخذ خارج إرادتها.

اندلعت الحرب العالمية الثانية سنة 1939، وأثرت بصورة مباشرة في سورية ولبنان. فقد أصبحت المنطقة ذات أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي وقربها من طرق المواصلات والموانئ والحقول النفطية ومناطق الصراع في العراق وفلسطين ومصر. وبعد سقوط فرنسا أمام ألمانيا سنة 1940، خضعت سورية ولبنان لإدارة حكومة فيشي الفرنسية، التي تعاونت مع دول المحور في مراحل من الحرب.

أدى وجود حكومة فيشي إلى زيادة التوتر بين السكان والقوى الوطنية من جهة، والسلطات الفرنسية من جهة أخرى. فقد رأت بريطانيا أن استمرار النفوذ الفرنسي الموالي لفيشي في سورية يشكل تهديدًا لمصالحها العسكرية والاستراتيجية في الشرق الأوسط. كما خشيت من استخدام المطارات والموانئ والمنشآت السورية لمصلحة ألمانيا وإيطاليا.

في سنة 1941، تقدمت القوات البريطانية وقوات فرنسا الحرة إلى سورية ولبنان، واندلعت حملة عسكرية عُرفت بالحملة السورية اللبنانية. واجهت القوات البريطانية وحلفاؤها قوات فيشي، ووقعت معارك في مناطق مختلفة، وانتهت الحملة بخروج قوات فيشي وسيطرة البريطانيين وفرنسا الحرة على المنطقة. وقد شكّل ذلك تحولًا جديدًا في وضع الانتداب، لكنه لم يؤدِ مباشرة إلى استقلال سورية.

بعد انتهاء القتال، أُعلن عن وعود جديدة بمنح سورية ولبنان الاستقلال، وبدأت مرحلة من التفاوض حول نقل الصلاحيات إلى الحكومات المحلية. لكن بريطانيا وفرنسا ظلتا حريصتين على حماية مصالحهما العسكرية والسياسية، كما اختلفتا حول مستقبل النفوذ الفرنسي في المشرق. وقد أدى هذا التنافس إلى استمرار الغموض بشأن موعد الاستقلال الفعلي.

في سورية، استمرت المؤسسات الوطنية في المطالبة بإنهاء الانتداب، وبرزت أهمية البرلمان والحكومة والصحافة في إدارة الصراع السياسي. كما ازدادت الضغوط الشعبية على السلطات الأجنبية، وبدأت فكرة الاستقلال الكامل تكتسب دعمًا دوليًا أكبر مع تغير موازين القوى بعد الحرب العالمية الثانية.

في سنة 1943، جرت انتخابات أفرزت قيادة وطنية جديدة، وأصبح شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية. وقد سعت القيادة السورية إلى تثبيت استقلال البلاد، وتوسيع صلاحيات الحكومة والجيش، وإنهاء تدخل المفوضية الفرنسية. كما عملت على تعزيز العلاقات العربية والدولية، والاستفادة من تأسيس جامعة الدول العربية سنة 1945، التي وفرت إطارًا إقليميًا لدعم استقلال الدول العربية.

كان الجيش السوري من القضايا الأساسية في الصراع مع فرنسا. فقد أرادت السلطات الفرنسية الاحتفاظ بالسيطرة على القوات المسلحة والأمنية، بينما طالبت الحكومة السورية بنقل هذه الصلاحيات إلى الدولة السورية. ولم يكن الخلاف حول الجيش مسألة إدارية فقط، بل كان مرتبطًا بجوهر السيادة، لأن الدولة التي لا تملك جيشها وأمنها لا تستطيع ممارسة استقلال كامل.

في سنة 1945، تصاعدت الأزمة بين الحكومة السورية والسلطات الفرنسية. فقد طالبت سورية بنقل جميع الصلاحيات السيادية إليها، وإنهاء الامتيازات والتدخلات الفرنسية، بينما حاولت فرنسا الإبقاء على وجودها العسكري والسياسي. ومع فشل المفاوضات، اتجهت الأحداث نحو المواجهة، خصوصًا بعد إصرار فرنسا على الاحتفاظ بالسيطرة على الجيش والقوات الأمنية.

في أيار سنة 1945، اندلعت مواجهات في دمشق ومناطق أخرى بين القوات الفرنسية والقوى السورية. وقد استخدمت القوات الفرنسية المدفعية والطائرات ضد مواقع ومؤسسات سورية، وتعرضت مبانٍ حكومية ومناطق مدنية للقصف. وكان قصف البرلمان السوري من أكثر الأحداث رمزية في تلك الأزمة، لأنه استهدف مؤسسة تمثل الإرادة السياسية الوطنية، وأظهر أن فرنسا لم تعد قادرة على تقديم وجودها بوصفه مجرد إشراف إداري محايد.

أثارت أحداث سنة 1945 غضبًا واسعًا في سورية والعالم العربي، كما دفعت الحكومة السورية إلى طلب الدعم الدولي. وتدخلت بريطانيا للضغط على فرنسا ووقف القتال، خشية اتساع المواجهة وتهديد الاستقرار الإقليمي. وفي نهاية المطاف، اضطرت القوات الفرنسية إلى وقف عملياتها والانسحاب من عدد من المواقع، لكن إتمام الجلاء احتاج إلى مفاوضات وترتيبات لاحقة.

كان الدعم العربي والدولي مهمًا في هذه المرحلة. فقد ساهمت جامعة الدول العربية في طرح القضية السورية على المستوى الدولي، كما دعمت دول عربية عدة مطالب سورية بالاستقلال. وأصبحت القضية السورية جزءًا من النقاش العالمي حول تصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها، خصوصًا بعد تأسيس منظمة الأمم المتحدة وتراجع شرعية الأنظمة الاستعمارية القديمة.

تواصلت المفاوضات بين الحكومة السورية وفرنسا حول ترتيبات الانسحاب ونقل المنشآت والمرافق العسكرية. وكانت المسألة معقدة بسبب وجود قواعد ومخازن ومطارات وشبكات اتصال مرتبطة بالجيش الفرنسي، وبسبب رغبة فرنسا في الاحتفاظ بنفوذ طويل الأمد. لكن الضغط الشعبي والسياسي، إلى جانب تغير الظروف الدولية، جعل استمرار الاحتلال أكثر صعوبة.

في 17 نيسان سنة 1946، اكتمل جلاء القوات الفرنسية عن سورية، وأصبح هذا اليوم عيد الجلاء الوطني. وقد مثّل الجلاء نهاية مرحلة الانتداب رسميًا، وأكد استعادة سورية سيادتها على أراضيها ومؤسساتها. ولم يكن الجلاء نتيجة حدث واحد، بل حصيلة عقود من المقاومة المسلحة والعمل السياسي والإضرابات والمفاوضات والتضحيات الشعبية.

كان للجلاء معنى سياسي وتاريخي عميق. فقد أنهى الوجود العسكري الفرنسي المباشر، وأعاد للدولة السورية حقها في إدارة الجيش والأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. كما فتح مرحلة جديدة من بناء الدولة المستقلة، لكنها كانت مرحلة مليئة بالتحديات، من بينها ضعف المؤسسات، والتنافس السياسي، والتوترات الاجتماعية، والقضايا الإقليمية، والتدخلات الدولية.

إن مسار المقاومة السورية خلال الانتداب يوضح أن الاستقلال لم يُمنح بسهولة، بل انتزع عبر مراحل طويلة من الصراع. فقد بدأت المقاومة بتحركات محلية قادها زعماء في الساحل والشمال والجنوب، ثم تحولت إلى ثورة وطنية واسعة، ثم انتقلت إلى العمل الدستوري والسياسي، قبل أن تعود إلى المواجهة في أزمة سنة 1945. وفي كل مرحلة، كانت قضية الوحدة والاستقلال حاضرة بدرجات مختلفة.

كما تكشف هذه المرحلة أن الحركة الوطنية السورية لم تكن حركة عسكرية فقط. فقد شارك فيها الفلاحون والعمال والتجار والطلاب والموظفون ورجال الدين والمثقفون والنساء، كل وفق ظروفه ووسائله. وكان الإضراب العام والصحافة والاحتجاجات والانتخابات والمفاوضات أدوات لا تقل أهمية عن المقاومة المسلحة، لأنها ساهمت في تشكيل رأي عام وطني، وفي تحويل الاستقلال إلى مطلب شعبي واسع.

ومع ذلك، لا ينبغي تصوير الحركة الوطنية بوصفها كتلة متجانسة تمامًا. فقد ظهرت خلافات بين القيادات السياسية، وبين أنصار التفاوض وأنصار المقاومة، وبين النخب المدينية والزعامات المحلية، كما اختلفت المواقف من المعاهدات ومن العلاقة مع بريطانيا وفرنسا. لكن هذه الخلافات لم تمنع الوصول إلى هدف الجلاء، وإن تركت آثارًا على الحياة السياسية بعد الاستقلال.

لقد ترك الانتداب آثارًا عميقة في الذاكرة السورية. فمعركة ميسلون أصبحت رمزًا للتضحية، ومقاومة إبراهيم هنانو وصالح العلي وسلطان باشا الأطرش أصبحت جزءًا من تاريخ النضال الوطني، وقصف دمشق والبرلمان سنة 1945 أصبح شاهدًا على صراع السيادة مع السلطة الأجنبية. كما أصبحت ذكرى الجلاء مناسبة وطنية تستحضر تضحيات الأجيال التي سبقت الاستقلال.

إن دراسة المقاومة السورية لا تقتصر على تعداد المعارك والقادة، بل تتطلب فهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي جعلت قطاعات واسعة من السكان ترفض الانتداب. فقد كان التدخل في الضرائب والأراضي والتجنيد والإدارة، إلى جانب التقسيم السياسي والوجود العسكري، سببًا في تأجيج الاحتجاج. كما أن الوعي القومي والوطني المتنامي جعل السوريين ينظرون إلى الانتداب باعتباره عائقًا أمام بناء دولة مستقلة موحدة.

ومن جهة أخرى، أسهمت سنوات الانتداب في تكوين جيل سياسي جديد امتلك خبرة في الإدارة والبرلمان والصحافة والتفاوض والعلاقات الدولية. وقد تولى عدد من رجال الحركة الوطنية لاحقًا مسؤوليات في الدولة المستقلة، مستفيدين من التجربة التي اكتسبوها خلال الصراع مع فرنسا. لكن هذه الخبرة رافقها إرث من الانقسامات والتوترات التي ستؤثر في الحياة السياسية السورية بعد سنة 1946.

يمكن القول إن الثورة السورية الكبرى وأحداث سنة 1945 شكلتا ذروتين أساسيتين في مقاومة الانتداب. ففي الثورة الكبرى ظهر اتساع المقاومة الشعبية المسلحة وقدرتها على تهديد السيطرة الفرنسية، وفي أزمة 1945 ظهر انتقال الصراع إلى مستوى الدولة والمؤسسات والجيش والشرعية الدولية. وبين الذروتين استمرت الحركة الوطنية في بناء أدوات سياسية ودستورية وشعبية مهدت للجلاء.

وفي النهاية، كان الجلاء سنة 1946 تتويجًا لمسار طويل بدأ برفض تقسيم سورية وسقوط المملكة العربية السورية، ثم تواصل عبر الثورات والمقاومات والإضرابات والمفاوضات. وقد أثبت السوريون خلال هذه المرحلة أن السيطرة العسكرية يمكن أن تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع إلغاء تطلعات شعب يسعى إلى الاستقلال. ومع خروج القوات الفرنسية، دخلت سورية مرحلة جديدة بوصفها دولة مستقلة، تحمل إرثًا ثقيلًا من الانتداب، وتواجه مهمة بناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية السيادة وتحقيق الاستقرار والتنمية.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:54 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke