Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-08-2026, 01:12 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,278
افتراضي السَّعَادَةُ بَيْنَ وَهْمِ الاكْتِمَالِ وَحَقِيقَةِ الرِّضَا 15 قؤاد زاديكي

السَّعَادَةُ بَيْنَ وَهْمِ الاكْتِمَالِ وَحَقِيقَةِ الرِّضَا


15

بِقَلَمِ الْبَاحِثِ فُؤَادِ زَادِيكِي

مَا السَّعَادَةُ؟ سُؤَالٌ يَبْدُو بَسِيطًا، وَلَكِنَّهُ كُلَّمَا اقْتَرَبْنَا مِنْهُ ازْدَادَ اتِّسَاعًا وَغُمُوضًا. فَالسَّعَادَةُ لَيْسَتْ مَعْنًى ثَابِتًا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَلَا حَالَةً دَائِمَةً يَبْلُغُهَا الْإِنْسَانُ ثُمَّ يَسْكُنُ فِيهَا إِلَى الْأَبَدِ. إِنَّهَا، رُبَّمَا، مِنْ أَكْثَرِ الْمَفَاهِيمِ مَرُونَةً؛ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالظُّرُوفِ وَمَا نَمُرُّ بِهِ مِنْ تَجَارِبَ.

وَلَعَلَّ أَكْبَرَ وَهْمٍ يَحْكُمُ تَصَوُّرَنَا لِلسَّعَادَةِ هُوَ أَنَّنَا نَرْبِطُهَا بِاكْتِمَالِ الْحَيَاةِ: أَنْ لَا نَحْزَنَ، وَلَا نَفْقِدَ، وَلَا نَفْشَلَ، وَأَنْ نَحْصُلَ عَلَى كُلِّ مَا نُرِيدُ. وَهَذَا تَعْرِيفٌ خُرَافِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُعْطِي أَحَدًا اكْتِمَالًا دَائِمًا. فَالْحُزْنُ لَا يَنْفِي السَّعَادَةَ، كَمَا أَنَّ الضَّحِكَ لَا يُثْبِتُهَا. قَدْ يَحْزَنُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ مُحِبٌّ لِحَيَاتِهِ، وَقَدْ يَضْحَكُ وَفِي دَاخِلِهِ فَرَاغٌ لَا يُرَى.

وَالسَّعَادَةُ، فِي أَقْرَبِ صُوَرِهَا إِلَى الْحَقِيقَةِ، لَيْسَتْ أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ كَمَا نُرِيدُ، بَلْ أَنْ نَجِدَ فِيهَا، عَلَى رَغْمِ نَقْصِهَا، مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ نُحِبَّهُ. قَدْ تَكُونُ فِي لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ، فِي ضَحْكَةِ طِفْلٍ، أَوْ لِقَاءٍ دَافِئٍ، أَوْ صَمْتٍ هَادِئٍ، أَوْ شُعُورٍ خَفِيٍّ بِأَنَّ الْحَيَاةَ، عَلَى مَا فِيهَا، مَا زَالَتْ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ.

وَهُنَا يَبْرُزُ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّعَادَةِ وَالرِّضَا. فَالسَّعَادَةُ أَقْرَبُ إِلَى الشُّعُورِ الْعَاطِفِيِّ؛ وَمْضَةٌ مِنَ الْبَهْجَةِ وَالْخِفَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ تَأْتِي وَتَمْضِي. أَمَّا الرِّضَا فَهُوَ أَعْمَقُ وَأَهْدَأُ؛ إِنَّهُ مَوْقِفٌ مِنَ الْحَيَاةِ، وَقُدْرَةٌ عَلَى قَبُولِ مَا لَا نَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ تَغْيِيرِ مَا نَسْتَطِيعُ.

لِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ الْمَرْءُ رَاضِيًا وَهُوَ حَزِينٌ، وَقَدْ يَكُونُ سَعِيدًا فِي لَحْظَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى قَلَقِهِ وَرَغَبَاتِهِ. فَالسَّعَادَةُ لَحْظَةٌ تُزَارُ، أَمَّا الرِّضَا فَقَدْ يَكُونُ طَرِيقًا نَمْشِيهِ. وَلَيْسَ الرِّضَا التَّامُّ أَنْ نَقُولَ: «كُلُّ شَيْءٍ كَمَا أُرِيدُ»، بَلْ أَنْ نَقْدِرَ عَلَى الْقَوْلِ: «لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ كَمَا أُرِيدُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِيشَ وَأُحِبَّ وَأَسْعَى وَأَمْضِي».

وَلَعَلَّ أَعْمَقَ مَا فِي السَّعَادَةِ أَنَّهَا لَا تَطْلُبُ مِنَّا حَيَاةً بِلَا أَلَمٍ، بَلْ قَلْبًا لَا يَسْمَحُ لِلْأَلَمِ أَنْ يُلْغِيَ مَعْنَى الْحَيَاةِ. وَأَعْمَقَ مَا فِي الرِّضَا أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَتَخَلَّى عَنْ أَحْلَامِنَا، بَلْ أَنْ نَتَعَلَّمَ أَلَّا نَرْبِطَ قِيمَةَ حَيَاتِنَا بِتَحَقُّقِهَا كُلِّهَا.

فَالسَّعَادَةُ لَيْسَتْ أَنْ نَمْلِكَ كُلَّ مَا نُرِيدُ، وَالرِّضَا لَيْسَ أَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ أَنْ نُرِيدَ. إِنَّهُمَا مَعًا ذَلِكَ التَّوَازُنُ الْدَّقِيقُ الَّذِي يُعَلِّمُنَا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا يَأْتِي، وَأَنْ نَقْبَلَ مَا يَرْحَلُ، وَأَنْ نُغَيِّرَ مَا نَسْتَطِيعُ، وَأَنْ نَتَصَالَحَ مَعَ مَا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ.

وَرُبَّمَا حِينَ نَتَوَقَّفُ عَنْ مُطَارَدَةِ السَّعَادَةِ كَغَايَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَنَبْدَأُ فِي عَيْشِ حَيَاتِنَا بِوَعْيٍ وَرِضًا وَامْتِنَانٍ، نَكْتَشِفُ أَنَّ السَّعَادَةَ لَمْ تَكُنْ فِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ، بَلْ كَانَتْ تَمْشِي مَعَنَا فِي بَعْضِ خُطَاهُ.
__________________
fouad.hanna@online.de


التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 31-08-2026 الساعة 11:27 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:47 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke