بِنَاءُ الأَيْدِيُولُوجْيَا التَّارِيخِيَّةِ: صِنَاعَةُ الرِّوَايَةِ العَبَّاسِيَّةِ
بِنَاءُ الأَيْدِيُولُوجْيَا التَّارِيخِيَّةِ: صِنَاعَةُ الرِّوَايَةِ العَبَّاسِيَّةِ وَمَأْزَقُ التَّقْدِيسِ
بَقْلَمِ البَاحِثِ وَالمُؤَرِّخِ: فُؤَاد زَادِيكِي
تَقِفُ القِرَاءَةُ النَّقْدِيَّةُ الحَدِيثَةُ لِلتَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ المُبَكِّرِ أَمَامَ مَفْصِلٍ مَنْهَجِيٍّ حَاسِمٍ، فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المُكْتَشَفَاتِ الأَثَرِيَّةَ وَالمَادِّيَّةَ لِلْمَخْطُوطَاتِ وَالنُّقُوشِ وَشَهَادَاتِ المَصَادِرِ الخَارِجِيَّةِ المُعَاصِرَةِ تُثْبِتُ وُجُودَ النَّوَاةِ التَّأْسِيسِيَّةِ الصَّلْبَةِ لِلإِسْلَامِ فِي بِيئَةِ الحِجَازِ خِلَالَ القَرْنِ السَّابِعِ المِيلَادِيِّ، إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ السَّائِدَةَ اليَوْمَ لَمْ تَكُنْ نِتَاجَ ذَلِكَ العَصْرِ العَفْوِيِّ، بَلْ صِيغَتْ وَهُوكِلَتْ بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ فِي العَصْرِ العَبَّاسِيِّ بَعْدَ نَحْوِ قَرْنٍ وَنِصْفٍ مِنَ الأَحْدَاثِ.
لَمْ يَرِثِ العَبَّاسِيُّونَ عِنْدَ صُعُودِهِمْ إِلَى السُّلْطَةِ سَنَةَ ( 750 م) دَوْلَةً سِيَاسِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ كَانُوا بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى صِيَاغَةِ مَشْرُوعِيَّةٍ دِينِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ تُثَبِّتُ أَرْكَانَ عَرْشِهِمْ وَتُطِيحُ بِإِرْثِ خُصُومِهِمُ الأُمَوِيِّينَ. مِنْ هُنَا، انْطَلَقَتْ حَرَكَةُ التَّدْوِينِ الكُبْرَى لِلسِّيَرِ وَالمَغَازِي وَالأَحَادِيثِ تَحْتَ رِعَايَةِ السُّلْطَةِ وَتَوْجِيهِهَا، لِتَتَحَوَّلَ الرِّوَايَةُ الشَّفَوِيَّةُ الخَاضِعَةُ لِأَهْوَاءِ القُصَّاصِ وَأَصْحَابِ المَصَالِحِ إِلَى نُصُوصٍ مَكْتُوبَةٍ تَرْتَدِي ثَوْبَ القَدَاسَةِ.
لَقَدْ شَهِدَ العَصْرُ العَبَّاسِيُّ تَجَاوُزَاتٍ مَنْهَجِيَّةً وَمُبَالَغَاتٍ ضَخْمَةً، حَيْثُ جَرَى شَيْطَنَةُ الحِقْبَةِ الأُمَوِيَّةِ وَإِظْهَارُهَا بِمَظْهَرِ الجَاهِلِيَّةِ الجَدِيدَةِ، فِي حِينِ تَمَّ تَضْخِيمُ أَدْوَارِ أَجْدَادِ العَبَّاسِيِّينَ وَإِسْقَاطُ الصِّرَاعَاتِ السِّيَاسِيَّةِ الحَاضِرَةِ عَلَى المَاضِي النَّبَوِيِّ. كَمَا جَرَى صِيَاغَةُ أَقْوَالٍ وَنُبُوءَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ نُسِبَتْ زُورًا إِلَى الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ لِتَبْشِيرِ النَّاسِ بِـ"الرَّايَاتِ السُّودِ" المَادِحَةِ لِبَنِي العَبَّاسِ. وَمَعَ تَمَدُّدِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ وَدُخُولِ شُعُوبٍ ذَاتِ خَلْفِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، تَلاقَحَتِ الأَفْكَارُ وَتَسَرَّبَتْ خُرَافَاتُ القُصَّاصِ وَأَسَاطِيرُ "الإِسْرَائِيلِيَّاتِ" المَأْخُوذَةِ مِنَ المِدْرَاشِ اليَهُودِيِّ وَالأَبُوكْرِيفَا المَسِيحِيَّةِ، لِتُنْسَجَ فِي صُلْبِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالتَّارِيخِ كَأَنَّهَا حَقَائِقُ كَوْنِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ. هَذَا التَّضْخِيمُ المَلْحَمِيُّ حَوَّلَ الأَحْدَاثَ البَشَرِيَّةَ المَحَلِّيَّةَ إِلَى مَشَاهِدَ مِيثُولُوجْيَّةٍ غَيْرِ مَنْطِقِيَّةٍ لِتَلْبِيَةِ الخَيَالِ الشَّعْبِيِّ وَخِدْمَةِ السُّلْطَانِ.
إِنَّ العَقَبَةَ الكَأْدَاءَ، الَّتِي تَمْنَعُ الفِكْرَ العَرَبِيَّ وَالإِسْلَامِيَّ مِنَ الفِكَاكِ مِنْ هَذِهِ الأَسَاطِيرِ هِيَ "صِنَاعَةُ التَّقْدِيسِ"، حَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرِ التَّقْدِيسُ عَلَى النَّصِّ الإِلَهِيِّ المَحْدُودِ، بَلْ تَمَّ تَسْيِيجُ الفَهْمِ البَشَرِيِّ التَّارِيخِيِّ لِلنَّصِّ بِسِيَاجٍ مِنَ المَنَعَةِ وَالتَّرْهِيبِ. بَلْ إِنَّ الأَمْرَ وَصَلَ إِلَى تَقْدِيسِ أَدَاةِ التَّعْبِيرِ نَفْسِهَا - أَيِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ - وَاعْتِبَارِ قَوَاعِدِهَا النَّحْوِيَّةِ وَالصَّرْفِيَّةِ الَّتِي وَضَعَهَا بَشَرٌ (مِثْلُ سِيبَوَيْهِ وَالخَلِيلِ) مَوَازِينَ سَمَاوِيَّةً لَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا، وَهُوَ مَلْمَحٌ فَرِيدٌ لَا نَجِدُهُ لَدَى أَيِّ شَعْبٍ آخَرَ فِي العَالَمِ، حَيْثُ حُوِّلَتِ اللُّغَةُ مِنْ كَائِنٍ حَيٍّ يَتَطَوَّرُ إِلَى قَالَبٍ جَامِدٍ يَسْجُنُ العَقْلَ فِي اللَّفْظِ دُونَ المَعْنَى.
بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، يَتَّضِحُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْكِينُ النَّقْدِ العِلْمِيِّ وَالتَّجْدِيدِ الحَقِيقِيِّ دُونَ إِسْقَاطِ القَدَاسَةِ عَنِ المُنْتَجِ البَشَرِيِّ التَّارِيخِيِّ وَأَنْسَنَتِهِ. طَالَمَا بَقِيَتْ سُلْطَةُ التَّكْفِيرِ وَتُهَمُ الزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ وَالخُرُوجِ عَنِ الدِّينِ جَاهِزَةً لِقَمْعِ كُلِّ مُحَاوَلَةٍ لِمَحَاكَمَةِ النُّصُوصِ مَنْهَجِيًّا، سَيَظَلُّ الفِكْرُ يَدُورُ فِي حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ خَوْفًا مِنَ المَسَاسِ بِالمَوْرُوثِ. إِنَّ التَّفْرِيقَ الحَاسِمَ بَيْنَ مَا هُوَ إِلَهِيٌّ مُطْلَقٌ وَبَيْنَ مَا هُوَ بَشَرِيٌّ زَمَنِيٌّ (مِنْ فِقْهٍ، وَتَفْسِيرٍ، وَلُغَةٍ، وَرِوَايَاتٍ عَبَّاسِيَّةٍ) هُوَ الشَّرْطُ الأَوَّلُ وَالأَسَاسِيُّ لِتَأْسِيسِ عِلْمِ تَارِيخٍ نَقْدِيٍّ، يُمِيطُ اللِّثَامَ عَنِ الحَقِيقَةِ وَيَفْتَحُ نَوَافِذَ الحَدَاثَةِ وَالنَّهْضَةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|