Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 02:27 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,205
افتراضي بين التاريخ والهوية: قراءة نقدية في مزاعم احتكار الأصل الكردي بقلم: فؤاد زاديكي إن

بين التاريخ والهوية: قراءة نقدية في مزاعم احتكار الأصل الكردي

بقلم: فؤاد زاديكي


إنّ النقاش حول جذور الشعب الكردي وعلاقته بالميديين أو بالأديان الكردية القديمة ينبغي أن يستند إلى الدراسات التاريخية والآثارية واللغوية الرصينة، لا إلى الانطباعات أو الخطابات العاطفية التي تمنح جماعة معينة حقّ احتكار التاريخ أو الهُوِية. فما ورد في مقال الدكتور مهدي كاكائي من أنّ الكاكائيين هم الأحفاد المباشرون للميديين، وأنّ اللغة الهورامية هي اللغة الميدية، وأنّ الدين اليارساني يمثّل القلب النابض للشعب الكردي وروحه، هو طرح يتجاوز ما تسمح به الأدلة العلمية المتوفّرة. فلا توجد حتى اليوم وثيقة تاريخية أو أثرية أو دراسة جينية تُثبت بصورة قاطعة أنّ جماعة بعينها من الكُرد هي الوريث الحصري للميديين، كما لا يوجد إجماع بين المؤرخين وعلماء الآثار واللغويين على أنّ اليارسانيين أو الكاكائيين وحدهم يمثّلون الامتداد المباشر لذلك الشعب القديم.
فالميديون أنفسهم لم يتركوا لنا تراثًا مكتوبًا كافيًا يمكن من خلاله تتبّع أنسابهم أو تحديد الامتداد السكاني المباشر لهم عبر أكثر من ألفين وخمسمائة عام. وما يعرفه الباحثون اليوم هو أنّ الشعب الكردي تشكّل عبر قرون طويلة من تفاعل وامتزاج جماعات عديدة سكنت جبال زاغروس وطوروس، ومن أبرزها الميديون والهوريون واللولوبيون والغوتيون والكاردوخيون والأورارتيون، إلى جانب القبائل الإيرانية الشمالية الغربية التي استقرّت في المنطقة. ولذلك فإنّ الحديث عن وريث وحيد للميديين لا يجد ما يسنده في البحث الأكاديمي الحديث، بل يتعارض مع طبيعة تشكّل الشعوب في الشرق الأدنى القديم، حيث لم تكن الأمم نتاج سلالة واحدة، وإنّما ثمرة تراكمات حضارية وسكّانية متعاقبة.
أما القول بأنّ اللغة الهورامية هي اللغة الميدية، فهو أيضًا تعبير يتجاوز حدود ما أثبته علم اللغة التاريخي. فالهورامية، شأنها شأن الكورانية، تنتمي إلى الفرع الشمالي الغربي من اللغات الإيرانية، ويذهب عدد من الباحثين إلى أنّها احتفظت بسمات لغوية قديمة قد تكون أقرب إلى اللغة الميدية من غيرها، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّها اللغة الميدية نفسها. فالحقيقة أنّ اللغة الميدية لم يصلنا منها إلّا عددٌ محدودٌ جدًّا من الأسماء والألفاظ الواردة في المصادر اليونانية والفارسية القديمة، ولا تُوجد نصوص ميدية كافية تسمح بالمقارنة العلمية الدقيقة، ولذلك فإنّ الجزم بأنّ الهورامية هي اللغة الميدية لا يعدو كونه فرضية لغوية، لا حقيقة تاريخية محسومة.
كما أنّ وصف الدّين اليارساني بأنه القلب النابض للشعب الكردي وروحه يمثّل توصيفًا أدبيًا أو وجدانيًا أكثر منه توصيفًا تاريخيًّا. فلا يُمكن اختزال هُوِية شعب يمتدّ تاريخه آلاف السنين في دين واحد أو جماعة واحدة، مهما كانت مكانتها واحترام الجميع لها. فالكرد عبر تاريخهم الطويل ضمّوا المسلمين سنة وشيعة، والإيزيديين، واليارسانيين، والمسيحيين، واليهود، والزردشتيين في مراحل مختلفة، وقد أسهمت جميع هذه المكوّنات في بناء الشخصية الكردية، وفي المحافظة على اللغة والتراث والعادات والتقاليد، ولم يكن أيّ منها وحده الممثّل الحصريّ للأمّة الكرديّة.
وينطبق الأمر نفسه على القول بأنّ اليارسانيين هم أوّل من كتب الشّعر الكردي أو أنّهم وحدهم حافظوا على اللغة والثقافة الكردية. فلا شكّ أنّ الأدب الديني اليارساني، ولا سيّما باللغة الكورانية، يشكّل جزءًا بالغ الأهمية من التراث الأدبي الكردي، لكنّ ذلك لا يُجيز تَجاهل إسهامات شعراء وعلماء كبار من مختلف الاتجاهات الدينية والمناطق الكردية، فقد عَرَف الأدب الكردي أسماء بارزة أسهمت في ترسيخ اللغة والأدب الكرديين عبر قرون طويلة، كما أنّ المدارس الدينية الإسلامية والزوايا الصّوفية والأديرة المسيحية والبيئات الإيزيدية واليارسانية جميعها لعبت أدوارًا مُتكاملة في حفظ التراث الكردي. ولذلك فإنّ نسب هذا الإنجاز إلى جماعة واحدة فقط لا ينسجم مع الوقائع التاريخية.
والأمر ذاته يصدق على الحديث عن مقاومة المحتلّين والتّضحية من أجل القضية الكردية. فالتاريخ الكردي حافل بأسماء قادة وعلماء ومناضلين من مختلف الانتماءات الدينية والمذهبية، وقد قدّم المسلمون والإيزيديون واليارسانيون والمسيحيون تضحيات كبيرة في سبيل الدفاع عن مناطقهم وهُوِيتهم وحقوقهم القومية. ومن ثم فإنّ احتكار البطولة أو النضال لفئة دون أخرى يمثّل قراءة انتقائية للتاريخ أكثر مما يمثل وصفًا موضوعيًّا له.
وفي المقابل، فإنّ الردّ الذي كتبه السيّد دلدار بدرخان، رغم أنّه انطلق من الدعوة إلى وحدة الشعب الكردي ورفض احتكار التاريخ والهوية، لم يخلُ هو الآخر من بعض التعميمات، التي تحتاج إلى قدر من الدقّة العلمية. فمن الصّحيح أنّ الدّين لا يحدّد الأصل العرقيّ، وأنّ الانتماء القوميّ لا يُقاس بالمعتقد الديني، إلّا أنّ القول إنّ الدين لا علاقة له إطلاقًا بالهُوِية التاريخية يحتاج إلى شيء من التوضيح، لأنّ بعض الديانات الكردية القديمة، كالإيزيدية واليارسانية، أسهمت بالفعل في حفظ عناصر من التراث الثقافي واللغوي والاجتماعي للكُرد خلال فترات طويلة، وهو ما يجعلها جُزءًا مهمًا من التاريخ الكردي، دون أن يمنحها ذلك حقّ احتكار هذا التاريخ أو تمثيله وحدها.
كما أنّ القول بأنّ جميع الكُرد يعودون إلى الجذور نفسها لا يمثّل حقيقة تاريخيّة ثابتة، بل هو تعبير سياسي أو قومي أكثر منه نتيجة علمية. فالدراسات الحديثة في التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الوراثة تُشير إلى أنّ الكُرد، شأنهم شأن معظم شعوب الشرق الأوسط، هم حصيلة امتزاج مجموعات بشرية عديدة عاشت في المنطقة عبر آلاف السنين، وليسوا امتدادًا لسلالة نقية واحدة. ولذلك فإنّ مفهوم "النقاء العرقي" نفسه لم يَعُدْ مقبولًا في العلوم الإنسانية الحديثة، سواءً عند الحديث عن الكرد أو العرب أو الفرس أو الأتراك أو السّريان أو الأرمن أو الآشوريّين أو غيرهم، لأنّ الشعوب تتكوّن بالتّفاعل التاريخي والثقافي والهجرات والاختلاط السكّاني، لا بالاستمرار البيولوجي الخالص.
ومن هنا فإنّ الخطأ المنهجي لدى الطرفين يَكمن في الانطلاق من مسلّمات غير مُثبتة علميًّا، فالدكتور مهدي كاكائي يُحوّل فرضيات تاريخيّة ولغويّة إلى حقائق قطعيّة، ثم يبني عليها استنتاجات تمنح جماعة معيّنة امتيازًا تاريخيًّا لا تُؤيده الأدلّة، بينما يردّ دلدار بدرخان بخطاب وحدويّ محمود في مقصده، لكنّه يَقع في المقابل في تعميمات تاريخيّة لا يُمكن الجزم بها، مثل الحديث عن أصل واحد مؤكّد لجميع الكرد. والحقيقة التي تقترب منها معظم الدراسات الحديثة هي أنّ الشعب الكردي تشكّل عبر تاريخ طويل من تفاعل شعوب وثقافات متعدّدة في فضاء زاغروس وطوروس، وأنّ جميع مكوّناته الدينية والمذهبية واللغوية شاركت في بناء هُوِيّته القومية، دون أن يملك أيّ مُكوِّن حقًّا حصريًّا في تمثيل الماضي أو احتكار الأصالة أو الادعاء بأنّه وحده الوريث الشرعي للميديين أو للتاريخ الكردي بأسره.
إنّ احترام مكانة اليارسانيين أو الإيزيديين أو أي مُكوّن كردي آخر لا يقتضي المبالغة في نسبته إلى الماضي، كما أنّ الدفاع عن وحدة الشعب الكردي لا يَستلزم إغفال التعقيد التاريخي لتكوينه. فالتاريخ لا يُكتَب بالشّعارات، بل بالأدلّة، والهُوِيّة القوميّة لا تُبنَى على إقصاء الآخرين أو احتكار الأمجاد، وإنّما على الاعتراف بأنّ جميع أبناء الشعب الكردي، على اختلاف معتقداتهم ولهجاتهم ومناطقهم، كانوا شُركاء في صناعة تاريخهم المشترك، وأنّ هذا التنوّع كان ولا يزال أحد أهمّ عناصر غِنى التّجربة الكرديُة، لا سببًا لتقسيمها أو المفاضلة بين مكوّناتها.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #2  
قديم يوم أمس, 07:30 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,205
افتراضي

بين التاريخ والهُوِيّة: قراءة نقدية في مزاعم احتكار الأصل الكردي

بقلم: فؤاد زاديكي

[ردّي على الدكتور مهدي كاكائي والسيد دلدار بدرخان]

إنّ النقاش حول جذور الشعب الكردي وعلاقته بالميديين أو بالأديان الكردية القديمة ينبغي أن يستند إلى الدراسات التاريخيّة والآثاريّة واللغويّة الرصينة، لا إلى الانطباعات أو الخطابات العاطفيّة التي تمنح جماعة معينة حقّ احتكار التاريخ أو الهُوِيّة. فما ورد في مقال الدكتور مهدي كاكائي من أنّ الكاكائيين هم الأحفاد المباشرون للميديين، وأنّ اللغة الهورامية هي اللغة الميدية، وأنّ الدين اليارساني يمثّل القلب النابض للشعب الكردي وروحه، هو طرح يتجاوز ما تسمح به الأدلة العلمية المتوفّرة. فلا توجد حتى اليوم وثيقة تاريخيّة أو أثريّة أو دراسة جينيّة تُثبت بصورة قاطعة أنّ جماعة بعينها من الكُرد هي الوريث الحصري للميديين، كما لا يوجد إجماع بين المؤرخين وعلماء الآثار واللغويّين على أنّ اليارسانيين أو الكاكائيين وحدهم يمثّلون الامتداد المباشر لذلك الشعب القديم.
فالميديون أنفسهم لم يتركوا لنا تراثًا مكتوبًا كافيًا يمكن من خلاله تتبّع أنسابهم أو تحديد الامتداد السكّاني المباشر لهم عبر أكثر من ألفين وخمسمائة عام. وما يعرفه الباحثون اليوم هو أنّ الشعب الكردي تشكّل عبر قرون طويلة من تفاعل وامتزاج جماعات عديدة سكنت جبال زاغروس وطوروس، ومن أبرزها الميديون والهوريون واللولوبيون والغوتيون والكاردوخيون والأورارتيون، إلى جانب القبائل الإيرانية الشماليّة الغربيّة التي استقرّت في المنطقة. ولذلك فإنّ الحديث عن وريث وحيد للميديين لا يجد ما يسنده في البحث الأكاديمي الحديث، بل يتعارض مع طبيعة تشكّل الشعوب في الشرق الأدنى القديم، حيث لم تكن الأمم نتاج سلالة واحدة، وإنّما ثمرة تراكمات حضارية وسكّانية متعاقبة.
أما القول بأنّ اللغة الهورامية هي اللغة الميدية، فهو أيضًا تعبير يتجاوز حدود ما أثبته علم اللغة التاريخي. فالهورامية، شأنها شأن الكورانية، تنتمي إلى الفرع الشمالي الغربي من اللغات الإيرانية، ويذهب عدد من الباحثين إلى أنّها احتفظت بسمات لُغوية قديمة قد تكون أقرب إلى اللغة الميدية من غيرها، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّها اللغة الميديّة نفسها. فالحقيقة أنّ اللغة الميديّة لم يصلنا منها إلّا عددٌ محدودٌ جدًّا من الأسماء والألفاظ الواردة في المصادر اليونانية والفارسية القديمة، ولا تُوجد نصوص ميديّة كافية تسمح بالمقارنة العلميّة الدقيقة، ولذلك فإنّ الجزم بأنّ الهورامية هي اللغة الميدية لا يعدو كونه فرضية لغوية، لا حقيقة تاريخية محسومة.
كما أنّ وصف الدّين اليارساني بأنّه القلب النابض للشّعب الكردي وروحه يمثّل توصيفًا أدبيًّا أو وجدانيًّا أكثر منه توصيفًا تاريخيًّا. فلا يُمكن اختزال هُوِيّة شعب يمتدّ تاريخه آلاف السنين في دين واحد أو جماعة واحدة، مهما كانت مكانتها واحترام الجميع لها. فالكرد عبر تاريخهم الطويل ضمّوا المسلمين سنة وشيعة، والإيزيديين، واليارسانيين، والمسيحيين، واليهود، والزردشتيين في مراحل مختلفة، وقد أسهمت جميع هذه المكوّنات في بناء الشخصيّة الكرديّة، وفي المحافظة على اللغة والتراث والعادات والتقاليد، ولم يكن أيّ منها وحده الممثّل الحصريّ للأمّة الكرديّة.
وينطبق الأمر نفسه على القول بأنّ اليارسانيين هم أوّل من كتب الشّعر الكردي أو أنّهم وحدهم حافظوا على اللغة والثقافة الكردية. فلا شكّ أنّ الأدب الديني اليارساني، ولا سيّما باللغة الكورانية، يشكّل جزءًا بالغ الأهمية من التراث الأدبي الكردي، لكنّ ذلك لا يُجيز تَجاهل إسهامات شعراء وعلماء كبار من مختلف الاتجاهات الدينية والمناطق الكردية، فقد عَرَف الأدب الكردي أسماء بارزة أسهمت في ترسيخ اللغة والأدب الكرديين عبر قرون طويلة، كما أنّ المدارس الدينية الإسلامية والزوايا الصّوفيّة والأديرة المسيحيّة والبيئات الإيزيديّة واليارسانيّة جميعها لعبت أدوارًا مُتكاملة في حفظ التراث الكردي. ولذلك فإنّ نسب هذا الإنجاز إلى جماعة واحدة فقط لا ينسجم مع الوقائع التاريخية.
والأمر ذاته يصدق على الحديث عن مقاومة المحتلّين والتّضحية من أجل القضية الكردية. فالتاريخ الكردي حافل بأسماء قادة وعلماء ومناضلين من مختلف الانتماءات الدينية والمذهبية، وقد قدّم المسلمون والإيزيديون واليارسانيون والمسيحيون تضحيات كبيرة في سبيل الدفاع عن مناطقهم وهُوِيتهم وحقوقهم القومية. ومن ثم فإنّ احتكار البطولة أو النضال لفئة دون أخرى يمثّل قراءة انتقائية للتاريخ أكثر مما يمثل وصفًا موضوعيًّا له.
وفي المقابل، فإنّ الردّ الذي كتبه السيّد دلدار بدرخان، رغم أنّه انطلق من الدعوة إلى وحدة الشعب الكردي ورفض احتكار التاريخ والهوية، لم يخلُ هو الآخر من بعض التعميمات، التي تحتاج إلى قدر من الدقّة العلمية. فمن الصّحيح أنّ الدّين لا يحدّد الأصل العرقيّ، وأنّ الانتماء القوميّ لا يُقاس بالمعتقد الديني، إلّا أنّ القول إنّ الدين لا علاقة له إطلاقًا بالهُوِيّة التاريخيّة يحتاج إلى شيء من التوضيح، لأنّ بعض الديانات الكردية القديمة، كالإيزيدية واليارسانية، أسهمت بالفعل في حفظ عناصر من التراث الثقافي واللغوي والاجتماعي للكُرد خلال فترات طويلة، وهو ما يجعلها جُزءًا مُهمًّا من التاريخ الكردي، دون أن يمنحها ذلك حقّ احتكار هذا التاريخ أو تمثيله وحدها.
كما أنّ القول بأنّ جميع الكُرد يعودون إلى الجذور نفسها لا يمثّل حقيقة تاريخيّة ثابتة، بل هو تعبير سياسي أو قومي أكثر منه نتيجة علمية. فالدراسات الحديثة في التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الوراثة تُشير إلى أنّ الكُرد، شأنهم شأن معظم شعوب الشرق الأوسط، هم حصيلة امتزاج مجموعات بشرية عديدة عاشت في المنطقة عبر آلاف السنين، وليسوا امتدادًا لسلالة نقية واحدة. ولذلك فإنّ مفهوم "النقاء العرقي" نفسه لم يَعُدْ مقبولًا في العلوم الإنسانية الحديثة، سواءً عند الحديث عن الكرد أو العرب أو الفرس أو الأتراك أو السّريان أو الأرمن أو الآشوريّين أو غيرهم، لأنّ الشعوب تتكوّن بالتّفاعل التاريخي والثقافي والهجرات والاختلاط السكّاني، لا بالاستمرار البيولوجي الخالص.
ومن هنا فإنّ الخطأ المنهجي لدى الطرفين يَكمن في الانطلاق من مسلّمات غير مُثبتة علميًّا، فالدكتور مهدي كاكائي يُحوّل فرضيات تاريخيّة ولغويّة إلى حقائق قطعيّة، ثم يبني عليها استنتاجات تمنح جماعة معيّنة امتيازًا تاريخيًّا لا تُؤيده الأدلّة، بينما يردّ دلدار بدرخان بخطاب وحدويّ محمود في مقصده، لكنّه يَقع في المقابل في تعميمات تاريخيّة لا يُمكن الجزم بها، مثل الحديث عن أصل واحد مؤكّد لجميع الكرد. والحقيقة التي تقترب منها معظم الدراسات الحديثة هي أنّ الشعب الكردي تشكّل عبر تاريخ طويل من تفاعل شعوب وثقافات متعدّدة في فضاء زاغروس وطوروس، وأنّ جميع مكوّناته الدينية والمذهبية واللغوية شاركت في بناء هُوِيّته القومية، دون أن يملك أيّ مُكوِّن حقًّا حصريًّا في تمثيل الماضي أو احتكار الأصالة أو الادعاء بأنّه وحده الوريث الشرعي للميديين أو للتاريخ الكردي بأسره.
إنّ احترام مكانة اليارسانيين أو الإيزيديين أو أي مُكوّن كردي آخر لا يقتضي المبالغة في نسبته إلى الماضي، كما أنّ الدفاع عن وحدة الشعب الكردي لا يَستلزم إغفال التعقيد التاريخي لتكوينه. فالتاريخ لا يُكتَب بالشّعارات، بل بالأدلّة، والهُوِيّة القوميّة لا تُبنَى على إقصاء الآخرين أو احتكار الأمجاد، وإنّما على الاعتراف بأنّ جميع أبناء الشعب الكردي، على اختلاف معتقداتهم ولهجاتهم ومناطقهم، كانوا شُركاء في صناعة تاريخهم المشترك، وأنّ هذا التنوّع كان ولا يزال أحد أهمّ عناصر غِنى التّجربة الكرديّة، لا سببًا لتقسيمها أو المفاضلة بين مكوّناتها.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:35 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke