تأمّلتُ ما دار في حديثنا من معاني الصَّمْتِ والسُّكُوتِ، وصغتُه في نصٍّ واحدٍ مترابطٍ
تأمّلتُ ما دار في حديثنا من معاني الصَّمْتِ والسُّكُوتِ، وصغتُه في نصٍّ واحدٍ مترابطٍ بلغةٍ أدبيّةٍ رصينةٍ مع التشكيل الكامل:
بَيْنَ الصَّمْتِ وَالسُّكُوتِ
بقلم فؤاد زاديكي
ليسَ الصَّمْتُ وَالسُّكُوتُ شَيْئًا وَاحِدًا، وَإِنِ اشْتَبَهَا فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. فَالصَّمْتُ حَالَةٌ يَخْتَارُهَا الإِنْسَانُ طَوْعًا، فَيُؤْثِرُ الإِنْصَاتَ عَلَى الْكَلامِ، وَالتَّأَمُّلَ عَلَى الضَّجِيجِ، أَمَّا السُّكُوتُ فَقَدْ يَكُونُ انْقِطَاعًا عَنِ الْكَلامِ حَيْثُ يُنْتَظَرُ الْبَيَانُ، أَوِ امْتِنَاعًا عَنِ النُّطْقِ حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ أَوْلَى وَأَجْدَرَ.
وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ الصَّمْتِ وَالسُّكُوتِ بِاخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ. فَحِينَ يَكُونُ الْحَقُّ مُهَدَّدًا، وَالظُّلْمُ مُسْتَعْلِيًا، وَالْبَاطِلُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، يَغْدُو السُّكُوتُ تَخَلِّيًا عَنِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا جَاءَ الْمَعْنَى الَّذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ الْحِكْمَةُ الْمَشْهُورَةُ: «السَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ». فَالْحَقُّ يَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى كَلِمَةٍ تُقَالُ، وَمَوْقِفٍ يُعْلَنُ، وَشَهَادَةٍ تُؤَدَّى، وَالصَّمْتُ هُنَا لَيْسَ حِكْمَةً، بَلْ عَجْزٌ أَوْ تَقْصِيرٌ أَوْ تَوَاطُؤٌ.
أَمَّا حِينَ يَكُونُ الْكَلامُ لَا يَزِيدُ الْأُمُورَ إِلَّا اضْطِرَابًا، وَالْجِدَالُ لَا يُنْتِجُ إِلَّا الْخُصُومَةَ، وَالاسْتِفْزَازُ لَا يَبْتَغِي إِلَّا جَرَّ الإِنْسَانِ إِلَى مَعْرَكَةٍ عَبَثِيَّةٍ، فَإِنَّ الصَّمْتَ يَتَحَوَّلُ إِلَى قُوَّةٍ وَوَقَارٍ، وَيَصْدُقُ عِنْدَئِذٍ الْقَوْلُ: «الصَّمْتُ أَقْوَى رَدٍّ». فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُقَالُ يَسْتَحِقُّ جَوَابًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَعْرَكَةٍ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُخَاضَ.
وَإِذَا ارْتَقَيْنَا إِلَى آفَاقِ الْجَمَالِ، وَوَقَفْنَا أَمَامَ مَشْهَدٍ يَسْلُبُ اللُّبَّ، أَوْ عَمَلٍ فَنِّيٍّ يَأْسِرُ الرُّوحَ، أَوْ لَحْظَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ تَفُوقُ الْوَصْفَ، أَدْرَكْنَا مَعْنَى الْقَوْلِ: «الصَّمْتُ فِي حَرَمِ الْجَمَالِ جَمَالٌ». فَهُنَاكَ مَوَاقِفُ تَعْجِزُ اللُّغَةُ عَنْ إِحَاطَتِهَا، وَتَقِفُ الْكَلِمَاتُ عَلَى عَتَبَاتِهَا مُنْكَّسَةَ الرُّؤُوسِ، فَيَكُونُ الصَّمْتُ أَبْلَغَ مِنَ الْبَيَانِ، وَأَفْصَحَ مِنْ أَلْفِ خُطْبَةٍ وَبَيَانٍ.
غَيْرَ أَنَّ الصَّمْتَ الدَّائِمَ لَيْسَ فَضِيلَةً مُطْلَقَةً، كَمَا أَنَّ الْكَلامَ الدَّائِمَ لَيْسَ مَزِيَّةً فِي كُلِّ حَالٍ. فَالْإِنْسَانُ خُلِقَ لِيُفْصِحَ عَمَّا فِي نَفْسِهِ، وَلِيُوَاصِلَ غَيْرَهُ، وَلِيَشْهَدَ لِلْحَقِّ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ. وَمَا الصَّمْتُ إِلَّا وَسِيلَةٌ لِتَهْذِيبِ الْكَلِمَةِ، لَا بَدِيلًا عَنْهَا، وَمَا الْكَلامُ إِلَّا أَدَاةٌ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَالْجَمَالِ، لَا غَايَةً فِي ذَاتِهِ.
وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ كُلَّهَا تَكْمُنُ فِي أَنْ نَعْرِفَ مَتَى نَتَكَلَّمُ وَمَتَى نَصْمُتُ؛ فَنَتَكَلَّمُ حِينَ يَكُونُ الْكَلامُ وَاجِبًا، وَنَصْمُتُ حِينَ يَكُونُ الصَّمْتُ أَرْقَى. فَبَيْنَ الصَّمْتِ وَالسُّكُوتِ مَسَافَةٌ تَفْصِلُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالتَّقَاعُسِ، وَبَيْنَ الْوَقَارِ وَالْخَوْفِ، وَبَيْنَ تَأَمُّلِ الْجَمَالِ وَالتَّخَلِّي عَنِ الْحَقِّ. وَفِي إِدْرَاكِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ تَتَجَلَّى حِكْمَةُ الْإِنْسَانِ وَنُبْلُ رُوحِهِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|