Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-03-2026, 08:33 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,978
افتراضي مَلِكَةُ سَبَأ بَيْنَ النَّصِّ وَالتَّارِيخ وَمَلِكَاتٌ يَمَنِيَّاتٌ أُخْرَيَاتٌ بقل

مَلِكَةُ سَبَأ بَيْنَ النَّصِّ وَالتَّارِيخ وَمَلِكَاتٌ يَمَنِيَّاتٌ أُخْرَيَاتٌ

بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي

تَتَرَاءَى قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَأ فِي الذَّاكِرَةِ الإِنْسَانِيَّةِ كَصُورَةٍ مُشِعَّةٍ يَتَقَاطَعُ فِيهَا الدِّينُ وَالتَّارِيخُ وَالأُسْطُورَةُ، فَهِيَ حِكَايَةٌ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي مَصْدَرٍ وَاحِدٍ، بَلْ تَنَاثَرَتْ شَذَرَاتُهَا فِي نُصُوصٍ مُتَعَدِّدَةٍ، يَجْمَعُهَا خَيْطٌ رَفِيعٌ مِنَ الإِعْجَابِ بِتِلْكَ المَلِكَةِ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ أَقَاصِي الجَنُوبِ إِلَى عَالَمِ الشَّمَالِ، وَيَفْرِقُهَا مَا أَضَافَهُ كُلُّ تَقْلِيدٍ مِنْ مَعَانٍ وَدَلَالَاتٍ.

فِي النَّصِّ القُرْآنِيِّ تَتَجَلَّى القِصَّةُ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا الرُّوحِيَّةِ، حَيْثُ يَظْهَرُ النَّبِيُّ سُلَيْمَانُ، مَلِكًا مُؤَيَّدًا بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ، يَتَفَقَّدُ جُنُودَهُ فَيَغِيبُ عَنْهُ الهُدْهُدُ، ثُمَّ يَأْتِيهِ بِخَبَرِ امْرَأَةٍ تَمْلِكُ قَوْمًا فِي أَرْضِ سَبَأ، أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، غَيْرَ أَنَّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَيَبْعَثُ إِلَيْهَا سُلَيْمَانُ كِتَابًا يَدْعُوهَا فِيهِ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَتَتَلَقَّاهُ بِحِكْمَةٍ وَتَسْتَشِيرُ قَوْمَهَا، ثُمَّ تُرْسِلُ هَدِيَّةً تَسْتَكْشِفُ بِهَا نِيَّتَهُ، فَيَرُدُّهَا مُعْلِنًا أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا عِنْدَهُمْ. وَتَتَصَاعَدُ الأَحْدَاثُ حَتَّى تُقْدِمَ المَلِكَةُ بِنَفْسِهَا، فَتَرَى مِنْ آيَاتِ القُدْرَةِ مَا يُدْهِشُهَا، مِنْ نَقْلِ العَرْشِ فِي لَمْحَةٍ، إِلَى الصَّرْحِ الَّذِي حَسِبَتْهُ لُجَّةً مِنَ المَاءِ، فَتَنْتَهِي الرِّحْلَةُ بِنُطْقِهَا بِالإِيمَانِ، مُعْلِنَةً خُضُوعَهَا لِرَبِّ العَالَمِينَ.

أَمَّا فِي نُصُوصِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، فَتَأْتِي القِصَّةُ فِي سِيَاقٍ مُخْتَلِفٍ، إِذْ تَبْلُغُ المَلِكَةُ أَخْبَارُ حِكْمَةِ سُلَيْمَانَ، فَتَرْحَلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِتَخْتَبِرَهُ بِمَسَائِلَ وَأَلْغَازٍ، فَيُجِيبُهَا عَنْ كُلِّ مَا سَأَلَتْ، فَتُبْهَرُ بِعِلْمِهِ وَمُلْكِهِ وَنِظَامِ بِلَاطِهِ، وَتُقَدِّمُ لَهُ الهَدَايَا الجَزِيلَةَ مِنْ ذَهَبٍ وَطِيبٍ وَأَحْجَارٍ كَرِيمَةٍ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى بِلَادِهَا دُونَ أَنْ تُذْكَرَ لَهَا نُقْلَةٌ عَقَدِيَّةٌ أَوْ تَحَوُّلٌ دِينِيٌّ، فَتَكُونُ القِصَّةُ هُنَا أَقْرَبَ إِلَى إِبْرَازِ مَجْدِ المَلِكِ وَحِكْمَتِهِ مِنْ كَوْنِهَا رِوَايَةَ هِدَايَةٍ.

وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ تَنْسَجُ التَّقَالِيدُ الأُخْرَى خُيُوطًا جَدِيدَةً، فَفِي التُّرَاثِ الإِثْيُوبِيِّ تَظْهَرُ المَلِكَةُ بِاسْمِ مَاكِيدَا، وَتَتَّسِعُ القِصَّةُ لِتُصْبِحَ أَصْلًا لِسِلْسِلَةٍ مَلَكِيَّةٍ، بَيْنَمَا تَسْمِيهَا الرِّوَايَاتُ الإِسْلَامِيَّةُ بِلْقِيسَ، وَهِيَ تَسْمِيَاتٌ مُتَأَخِّرَةٌ لَا يَسْنُدُهَا ذِكْرٌ صَرِيحٌ فِي النُّصُوصِ الأُولَى.

وَإِذَا انْتَقَلْنَا مِنْ عَالَمِ النُّصُوصِ إِلَى أَرْضِ التَّارِيخِ، وَجَدْنَا أَنَّ مَمْلَكَةَ سَبَأ لَيْسَتْ خَيَالًا، بَلْ حَقِيقَةٌ رَاسِخَةٌ فِي جَنُوبِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فِي أَرْضِ اليَمَنِ، حَيْثُ ازْدَهَرَتْ قُرُونًا طَوِيلَةً وَسَيْطَرَتْ عَلَى تِجَارَةِ اللُّبَانِ وَالبُخُورِ، وَخَلَّفَتْ نُقُوشًا وَمَعَابِدَ وَآثَارًا تَشْهَدُ بِقُوَّتِهَا وَتَنَظِيمِهَا. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الشَّوَاهِدَ، عَلَى كَثْرَتِهَا، لَا تَذْكُرُ مَلِكَةً بِعَيْنِهَا تَتَطَابَقُ مَعَ شَخْصِيَّةِ القِصَّةِ، وَلَا تُسَجِّلُ زِيَارَةً إِلَى سُلَيْمَانَ أَوْ إِلَى أُورُشَلِيمَ، مِمَّا يَجْعَلُ الرَّبْطَ بَيْنَ النَّصِّ وَالوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ أَمْرًا مَفْتُوحًا عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى اليَقِينِ.

وَمِنْ هُنَا يَنْقَسِمُ البَاحِثُونَ فِي تَقْوِيمِ القِصَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهَا بِنَاءً أَدَبِيًّا يَعْكِسُ مَعَانِيَ دِينِيَّةً أَوْ سِيَاسِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَسْتَنِدُ إِلَى حَادِثَةٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَعَرَّضَتْ لِلتَّضْخِيمِ وَالإِضَافَةِ مَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ، بَيْنَمَا يَظَلُّ الرَّأْيُ التَّقْلِيدِيُّ مُتَمَسِّكًا بِحَرْفِيَّةِ الرِّوَايَةِ فِي انْتِظَارِ مَا قَدْ تَكْشِفُهُ الحَفْرِيَّاتُ المُسْتَقْبَلِيَّةُ.

وَهَكَذَا تَبْقَى مَلِكَةُ سَبَأ شَخْصِيَّةً تَقِفُ عَلَى الحَدِّ الفَاصِلِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالمِيثُولُوجِيَا، تُلْهِمُ المُفَكِّرِينَ وَتُثِيرُ تَسَاؤُلَاتِ البَاحِثِينَ، وَتُذَكِّرُنَا بِأَنَّ بَعْضَ القِصَصِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ إِثْبَاتُهَا كُلِّيًّا، تَبْقَى حَيَّةً بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ مَعَانٍ وَدَلَالَاتٍ تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ قِرَاءَةٍ.
لَم تَكُنْ "بَلقِيسُ" هِيَ المَلِكَةُ اليًمَنِيَّةُ الوَحِيدًةُ فِي تَارِيخِ اليَمَنٍ، فَقَدْ شَهِدَ التَّارِيخُ الْيَمَنِيُّ حُضُورَ نِسَاءٍ فَاعِلَاتٍ فِي مَيَادِينِ الْحُكْمِ وَالسِّيَاسَةِ، وَلَمْ يَقْتَصِرِ الْأَمْرُ عَلَى النُّفُوذِ الرَّمْزِيِّ، بَل شَمِلَتْ بَعْضُهُنَّ الْحُكْمَ الْفَعْلِيَّ وَالسَّيْطَرَةَ عَلَى مَقَالِيدِ الدَّوْلَةِ، فَبَرَزْنَ فِي الْعَصْرِ الصَّلِيحِيِّ بِأَبْرَزِ صُوَرِ الْقُوَّةِ النِّسَائِيَّةِ، وَقَدْ كُنَّ بِمَثَابَةِ نَمُوذَجٍ فَرِيدٍ لِلْقِيَادَةِ الْحَكِيمَةِ وَالْمُثَابَرَةِ السِّيَاسِيَّةِ.

1. تُعَدُّ المَلِكَةُ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَهَابٍ الصَّلِيحِيَّةِ مِنْ أَوَّلِ النِّسَاءِ الْيَمَنِيَّاتِ اللَّوَاتِي شَارَكْنَ الْحُكْمَ رَسْمِيًّا، إِذْ تَوَلَّتْ شُؤُونَ الدَّوْلَةِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ زَوْجِهَا الْمَلِكِ عَلِيِّ الصَّلِيحِيِّ خِلَالَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ الْمِيلَادِيِّ، تَقْرِيبًا فِي الْفَتْرَةِ مِنْ 1047 إِلَى 1067م. كَانَتْ لَهَا مَكَانَةٌ مَرْمُوقَةٌ لِدَرَجَةٍ أَنَّ اسْمَهَا كَانَ يُذْكَرُ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مَا يُعَدُّ عَلَامَةً عَلَى السِّيَادَةِ وَالاعْتِرَافِ الرَّسْمِيِّ بِدَوْرِهَا فِي الدَّوْلَةِ. وَقَدْ سَاهَمَتْ فِي تَرْسِيخِ أُسُسِ الْحُكْمِ الْمَرْكَزِيِّ وَنِظَامِ الْإِدَارَةِ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلِيحِيَّةِ، مُمَهِّدَةً الطَّرِيقَ لِابْنَتِهَا أَرْوَى الَّتِي سَتُصْبِحُ لَاحِقًا مِنْ أَعْظَمِ مَلِكَاتِ الْيَمَنِ. وَقَدِ امْتَازَ حُكْمُ أَسْمَاءَ بِالْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَحَرَصَتْ عَلَى تَعْزِيزِ اسْتِقْرَارِ الدَّوْلَةِ وَنَقْلِ السُّلْطَةِ بِأُسْلُوبٍ سَلِسٍ إِلَى الْجِيلِ التَّالِي.


2. تُعَدُّ أَرْوَى بِنْتُ أَحْمَدَ الصَّلِيحِيَّةِ أَعْظَمَ مَلِكَةٍ فِي تَارِيخِ الْيَمَنِ، فَقَدْ حَكَمَتِ الدَّوْلَةَ الصَّلِيحِيَّةَ لِفَتْرَةٍ تَجَاوَزَتْ الْخَمْسِينَ سَنَةً، مُنْذُ عَامِ 1086م وَحَتَّى وَفَاتِهَا فِي 1138م. وَقَدْ جَمَعَتْ فِي حُكْمِهَا بَيْنَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، حَيْثُ كَانَتِ الْحَاكِمَةُ الْوَحِيدَةُ فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ آنَذَاكَ الَّتِي ذُكِرَ اسْمُهَا فِي الْخُطْبَةِ، وَهُوَ رَمْزٌ عَلَى الْاعْتِرَافِ بِسِيَادَتِهَا الْكَامِلَةِ. نَقَلَتْ الْمَلِكَةُ أَرْوَى الْعَاصِمَةَ إِلَى مَدِينَةِ جَبَلَةَ، وَأَسَّسَتْ مُؤَسَّسَاتٍ إِدَارِيَّةً وَدِينِيَّةً قَوِيَّةً، وَأَعَادَتْ هَيْكَلَةَ الْجَيْشِ وَالْحُكْمِ الْمَحَلِّيِّ، لِتُصْبِحَ الدَّوْلَةُ الصَّلِيحِيَّةُ نَمُوذَجًا لِلْإِدَارَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ الرَّشِيدَةِ. وَوَصَفَهَا الْمُؤَرِّخُونَ بِالذَّكَاءِ وَالْفَطْنَةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمُصِيرِيَّةِ، وَكَانَتْ تُمَثِّلُ ذُرْوَةَ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ فِي الْيَمَنِ وَالْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ. وَقَدْ تَرَكَتْ إِرْثًا سِيَاسِيًّا وَثَقَافِيًّا بَارِزًا، جَعَلَهَا رَمْزًا لِلْقِيَادَةِ النِّسَائِيَّةِ الْقَوِيَّةِ.


3. تُشِيرُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ إِلَى وُجُودِ شَخْصِيَّةٍ تُعْرَفُ بِاسْمِ السِّيدَةِ الْحُرَّةِ فِي فَتْرَةِ حُكْمِ الدَّوْلَةِ الصَّلِيحِيَّةِ، وَكَانَتْ تُمَثِّلُ رَمْزًا لِلْمَرْأَةِ ذَاتِ السُّلْطَةِ وَالنُّفُوذِ السِّيَاسِيِّ. وَرَغْمَ قِلَّةِ الْمَعْلُومَاتِ الدَّقِيقَةِ عَنْهَا، إِلَّا أَنَّ الْمَصَادِرَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ حُضُورَهَا السِّيَاسِيَّ كَانَ فَاعِلًا، وَقَدْ شَارَكَتْ فِي صُنْعِ الْقَرَارِ عَلَى مُسْتَوَى مَنَاطِقَ وَاسِعَةٍ فِي الْيَمَنِ، خُصُوصًا فِي تَهَامَةَ وَالْمَنَاطِقِ الْمُحِيطَةِ بِمَرْكَزِ الدَّوْلَةِ. وَيُعْتَقَدُ أَنَّ لَقَبَهَا "الْحُرَّةُ" يَرْمُزُ إِلَى اسْتِقْلَالِهَا السِّيَاسِيِّ وَقُدْرَتِهَا عَلَى مُمارَسَةِ الْحُكْمِ دُونَ تَدَخُّلٍ مِنَ الذُّكُورِ، مَا يَجْعَلُهَا مِثَالًا عَلَى نُفُوذِ الْمَرْأَةِ فِي عَصْرٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ عَادَةً النِّسَاءُ فِي مَرَاكِزِ السُّلْطَةِ.


4. بِالإضَافَةِ إِلَى الْمَلِكَةِ أَرْوَى وَأَسْمَاءَ بِنْتِ شَهَابٍ، تُشِيرُ النُّقُوشُ وَالْمَصَادِرُ التَّارِيخِيَّةُ إِلَى نِسَاءٍ أُخْرَيَاتٍ، كُنَّ يَشَارِكْنَ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ. فَقَدْ كَانَتْ بَعْضُ النِّسَاءِ مِنَ الأُسْرَةِ الْحَاكِمَةِ يَتَمَتَّعْنَ بِمَكَانَةٍ قَوِيَّةٍ فِي إِدَارَةِ الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي الإِشْرَافِ عَلَى الْقَوَانِينِ وَالْمَوَارِيثِ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى اسْتِقْرَارِ الدَّوْلَةِ. وَيَظْهَرُ مِنَ السِّجِلِّ التَّارِيخِيِّ أَنَّهُنَّ لَمْ يَكْتَفِينَ بِالدَّوْرِ الرَّمْزِيِّ، بَل كُنَّ يَتَحَكَّمْنَ فِي مَفَاصِلِ الْحُكْمِ، وَيَقُمْنَ بِالدَّوْرِ الْفَعْلِيِّ فِي قِيَادَةِ الدَّوْلَةِ وَالتَّدَخُّلِ فِي شُؤُونِ السِّيَاسَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ، مَا يَعْكِسُ عُمقَ إِدْرَاكِ الْمُجْتَمَعِ الْيَمَنِيِّ لِتَقْدِيرِ قُدُرَاتِ الْمَرْأَةِ فِي مَوَاقِعِ الْقِيَادَةِ.



يُمْكِنُ القَولُ: إِنَّ التَّارِيخَ الْيَمَنِيَّ يُقَدِّمُ لَنَا نَمُوذَجًا فَرِيدًا لِلْقِيَادَةِ النِّسَائِيَّةِ عَبْرَ أَسْمَاءَ بِنْتِ شَهَابٍ الصَّلِيحِيَّةِ، أَرْوَى بِنْتِ أَحْمَدَ الصَّلِيحِيَّةِ، وَالسِّيدَةِ الْحُرَّةِ، وَأُخْرَى لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُنَّ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الدَّقِيقَةِ. فَقَدْ أَثْبَتَتْ هَؤُلَاءِ النِّسَاءُ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَادِرَةٌ عَلَى تَوَلِّي الْحُكْمِ وَاتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمُصِيرِيَّةِ بِنَفْسِ كَفَاءَةِ الرَّجُلِ، وَأَنَّ التَّارِيخَ الْيَمَنِيَّ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنَ الْحُدُودِ أَمَامَ طُمُوحِهَا السِّيَاسِيِّ وَالثَّقَافِيِّ. وَمِنْ خِلَالِ دِرَاسَةِ هَذِهِ الْمَلِكَاتِ، نُدْرِكُ أَنَّ دَوْرَ الْمَرْأَةِ فِي الْيَمَنِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ ظِلٍّ لِلرَّجُلِ، بَل كَانَ حُضُورًا فَاعِلًا وَمُؤَثِّرًا عَلَى مَسَارِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ إِرْثٌ يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِفَخْرٍ وَإِعْجَابٍ، وَيُمَثِّلُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ لِفَهْمِ تَارِيخِ الْيَمَنِ السِّيَاسِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-03-2026, 08:38 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,978
افتراضي مَلِكَةُ سَبَأ بَيْنَ النَّصِّ وَالتَّارِيخ بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي تَتَرَاءَى قِصَّ

مَلِكَةُ سَبَأ بَيْنَ النَّصِّ وَالتَّارِيخ

بقلم: فُؤَاد زَادِيكِي

تَتَرَاءَى قِصَّةُ مَلِكَةِ سَبَأ فِي الذَّاكِرَةِ الإِنْسَانِيَّةِ كَصُورَةٍ مُشِعَّةٍ يَتَقَاطَعُ فِيهَا الدِّينُ وَالتَّارِيخُ وَالأُسْطُورَةُ، فَهِيَ حِكَايَةٌ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي مَصْدَرٍ وَاحِدٍ، بَلْ تَنَاثَرَتْ شَذَرَاتُهَا فِي نُصُوصٍ مُتَعَدِّدَةٍ، يَجْمَعُهَا خَيْطٌ رَفِيعٌ مِنَ الإِعْجَابِ بِتِلْكَ المَلِكَةِ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ أَقَاصِي الجَنُوبِ إِلَى عَالَمِ الشَّمَالِ، وَيَفْرِقُهَا مَا أَضَافَهُ كُلُّ تَقْلِيدٍ مِنْ مَعَانٍ وَدَلَالَاتٍ.

فِي النَّصِّ القُرْآنِيِّ تَتَجَلَّى القِصَّةُ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا الرُّوحِيَّةِ، حَيْثُ يَظْهَرُ النَّبِيُّ سُلَيْمَانُ، مَلِكًا مُؤَيَّدًا بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ، يَتَفَقَّدُ جُنُودَهُ فَيَغِيبُ عَنْهُ الهُدْهُدُ، ثُمَّ يَأْتِيهِ بِخَبَرِ امْرَأَةٍ تَمْلِكُ قَوْمًا فِي أَرْضِ سَبَأ، أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، غَيْرَ أَنَّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَيَبْعَثُ إِلَيْهَا سُلَيْمَانُ كِتَابًا يَدْعُوهَا فِيهِ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَتَتَلَقَّاهُ بِحِكْمَةٍ وَتَسْتَشِيرُ قَوْمَهَا، ثُمَّ تُرْسِلُ هَدِيَّةً تَسْتَكْشِفُ بِهَا نِيَّتَهُ، فَيَرُدُّهَا مُعْلِنًا أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا عِنْدَهُمْ. وَتَتَصَاعَدُ الأَحْدَاثُ حَتَّى تُقْدِمَ المَلِكَةُ بِنَفْسِهَا، فَتَرَى مِنْ آيَاتِ القُدْرَةِ مَا يُدْهِشُهَا، مِنْ نَقْلِ العَرْشِ فِي لَمْحَةٍ، إِلَى الصَّرْحِ الَّذِي حَسِبَتْهُ لُجَّةً مِنَ المَاءِ، فَتَنْتَهِي الرِّحْلَةُ بِنُطْقِهَا بِالإِيمَانِ، مُعْلِنَةً خُضُوعَهَا لِرَبِّ العَالَمِينَ.

أَمَّا فِي نُصُوصِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، فَتَأْتِي القِصَّةُ فِي سِيَاقٍ مُخْتَلِفٍ، إِذْ تَبْلُغُ المَلِكَةُ أَخْبَارُ حِكْمَةِ سُلَيْمَانَ، فَتَرْحَلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِتَخْتَبِرَهُ بِمَسَائِلَ وَأَلْغَازٍ، فَيُجِيبُهَا عَنْ كُلِّ مَا سَأَلَتْ، فَتُبْهَرُ بِعِلْمِهِ وَمُلْكِهِ وَنِظَامِ بِلَاطِهِ، وَتُقَدِّمُ لَهُ الهَدَايَا الجَزِيلَةَ مِنْ ذَهَبٍ وَطِيبٍ وَأَحْجَارٍ كَرِيمَةٍ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى بِلَادِهَا دُونَ أَنْ تُذْكَرَ لَهَا نُقْلَةٌ عَقَدِيَّةٌ أَوْ تَحَوُّلٌ دِينِيٌّ، فَتَكُونُ القِصَّةُ هُنَا أَقْرَبَ إِلَى إِبْرَازِ مَجْدِ المَلِكِ وَحِكْمَتِهِ مِنْ كَوْنِهَا رِوَايَةَ هِدَايَةٍ.

وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ تَنْسَجُ التَّقَالِيدُ الأُخْرَى خُيُوطًا جَدِيدَةً، فَفِي التُّرَاثِ الإِثْيُوبِيِّ تَظْهَرُ المَلِكَةُ بِاسْمِ مَاكِيدَا، وَتَتَّسِعُ القِصَّةُ لِتُصْبِحَ أَصْلًا لِسِلْسِلَةٍ مَلَكِيَّةٍ، بَيْنَمَا تَسْمِيهَا الرِّوَايَاتُ الإِسْلَامِيَّةُ بِلْقِيسَ، وَهِيَ تَسْمِيَاتٌ مُتَأَخِّرَةٌ لَا يَسْنُدُهَا ذِكْرٌ صَرِيحٌ فِي النُّصُوصِ الأُولَى.

وَإِذَا انْتَقَلْنَا مِنْ عَالَمِ النُّصُوصِ إِلَى أَرْضِ التَّارِيخِ، وَجَدْنَا أَنَّ مَمْلَكَةَ سَبَأ لَيْسَتْ خَيَالًا، بَلْ حَقِيقَةٌ رَاسِخَةٌ فِي جَنُوبِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فِي أَرْضِ اليَمَنِ، حَيْثُ ازْدَهَرَتْ قُرُونًا طَوِيلَةً وَسَيْطَرَتْ عَلَى تِجَارَةِ اللُّبَانِ وَالبُخُورِ، وَخَلَّفَتْ نُقُوشًا وَمَعَابِدَ وَآثَارًا تَشْهَدُ بِقُوَّتِهَا وَتَنَظِيمِهَا. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الشَّوَاهِدَ، عَلَى كَثْرَتِهَا، لَا تَذْكُرُ مَلِكَةً بِعَيْنِهَا تَتَطَابَقُ مَعَ شَخْصِيَّةِ القِصَّةِ، وَلَا تُسَجِّلُ زِيَارَةً إِلَى سُلَيْمَانَ أَوْ إِلَى أُورُشَلِيمَ، مِمَّا يَجْعَلُ الرَّبْطَ بَيْنَ النَّصِّ وَالوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ أَمْرًا مَفْتُوحًا عَلَى الِاحْتِمَالِ لَا عَلَى اليَقِينِ.

وَمِنْ هُنَا يَنْقَسِمُ البَاحِثُونَ فِي تَقْوِيمِ القِصَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهَا بِنَاءً أَدَبِيًّا يَعْكِسُ مَعَانِيَ دِينِيَّةً أَوْ سِيَاسِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَسْتَنِدُ إِلَى حَادِثَةٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَعَرَّضَتْ لِلتَّضْخِيمِ وَالإِضَافَةِ مَعَ مَرُورِ الزَّمَنِ، بَيْنَمَا يَظَلُّ الرَّأْيُ التَّقْلِيدِيُّ مُتَمَسِّكًا بِحَرْفِيَّةِ الرِّوَايَةِ فِي انْتِظَارِ مَا قَدْ تَكْشِفُهُ الحَفْرِيَّاتُ المُسْتَقْبَلِيَّةُ.

وَهَكَذَا تَبْقَى مَلِكَةُ سَبَأ شَخْصِيَّةً تَقِفُ عَلَى الحَدِّ الفَاصِلِ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالمِيثُولُوجِيَا، تُلْهِمُ المُفَكِّرِينَ وَتُثِيرُ تَسَاؤُلَاتِ البَاحِثِينَ، وَتُذَكِّرُنَا بِأَنَّ بَعْضَ القِصَصِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ إِثْبَاتُهَا كُلِّيًّا، تَبْقَى حَيَّةً بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ مَعَانٍ وَدَلَالَاتٍ تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ قِرَاءَةٍ
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25-03-2026, 09:02 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,978
افتراضي مَلِكَاتٌ يَمًنٍيَّاتٌ أُخْرَيَاتٌ بقلم: فُؤاد زادِيكِي (٢) 1. المًلِكَةُ أسمَاءٌ ب

مَلِكَاتٌ يَمًنٍيَّاتٌ أُخْرَيَاتٌ

بقلم: فُؤاد زادِيكِي
(٢)

1. المًلِكَةُ أسمَاءٌ بِنتُ شِهَابٍ الصَّلِيحِيّةُ

تُعَدُّ المَلِكَةُ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَهَابٍ الصَّلِيحِيَّةُ مِنْ أَوَّلِ النِّسَاءِ الْيَمَنِيَّاتِ اللَّوَاتِي شَارَكْنَ الْحُكْمَ رَسْمِيًّا، إِذْ تَوَلَّتْ شُؤُونَ الدَّوْلَةِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ زَوْجِهَا الْمَلِكِ عَلِيِّ الصَّلِيحِيِّ خِلَالَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ الْمِيلَادِيِّ، تَقْرِيبًا فِي الْفَتْرَةِ مِنْ 1047 إِلَى 1067م. كَانَتْ لَهَا مَكَانَةٌ مَرْمُوقَةٌ لِدَرَجَةٍ أَنَّ اسْمَهَا كَانَ يُذْكَرُ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مَا يُعَدُّ عَلَامَةً عَلَى السِّيَادَةِ وَالاعْتِرَافِ الرَّسْمِيِّ بِدَوْرِهَا فِي الدَّوْلَةِ. وَقَدْ سَاهَمَتْ فِي تَرْسِيخِ أُسُسِ الْحُكْمِ الْمَرْكَزِيِّ وَنِظَامِ الْإِدَارَةِ فِي الدَّوْلَةِ الصَّلِيحِيَّةِ، مُمَهِّدَةً الطَّرِيقَ لِابْنَتِهَا أَرْوَى الَّتِي سَتُصْبِحُ لَاحِقًا مِنْ أَعْظَمِ مَلِكَاتِ الْيَمَنِ. وَقَدِ امْتَازَ حُكْمُ أَسْمَاءَ بِالْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَحَرَصَتْ عَلَى تَعْزِيزِ اسْتِقْرَارِ الدَّوْلَةِ وَنَقْلِ السُّلْطَةِ بِأُسْلُوبٍ سَلِسٍ إِلَى الْجِيلِ التَّالِي.

2. المَلِكَةُ أرزَى بنتُ احمَدَ الصَّلِيحِيَّةُ

تُعَدُّ أَرْوَى بِنْتُ أَحْمَدَ الصَّلِيحِيَّةِ أَعْظَمَ مَلِكَةٍ فِي تَارِيخِ الْيَمَنِ، فَقَدْ حَكَمَتِ الدَّوْلَةَ الصَّلِيحِيَّةَ لِفَتْرَةٍ تَجَاوَزَتْ الْخَمْسِينَ سَنَةً، مُنْذُ عَامِ 1086م وَحَتَّى وَفَاتِهَا فِي 1138م. وَقَدْ جَمَعَتْ فِي حُكْمِهَا بَيْنَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، حَيْثُ كَانَتِ الْحَاكِمَةُ الْوَحِيدَةُ فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ آنَذَاكَ الَّتِي ذُكِرَ اسْمُهَا فِي الْخُطْبَةِ، وَهُوَ رَمْزٌ عَلَى الْاعْتِرَافِ بِسِيَادَتِهَا الْكَامِلَةِ. نَقَلَتْ الْمَلِكَةُ أَرْوَى الْعَاصِمَةَ إِلَى مَدِينَةِ جَبَلَةَ، وَأَسَّسَتْ مُؤَسَّسَاتٍ إِدَارِيَّةً وَدِينِيَّةً قَوِيَّةً، وَأَعَادَتْ هَيْكَلَةَ الْجَيْشِ وَالْحُكْمِ الْمَحَلِّيِّ، لِتُصْبِحَ الدَّوْلَةُ الصَّلِيحِيَّةُ نَمُوذَجًا لِلْإِدَارَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ الرَّشِيدَةِ. وَوَصَفَهَا الْمُؤَرِّخُونَ بِالذَّكَاءِ وَالْفَطْنَةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمُصِيرِيَّةِ، وَكَانَتْ تُمَثِّلُ ذُرْوَةَ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ فِي الْيَمَنِ وَالْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ. وَقَدْ تَرَكَتْ إِرْثًا سِيَاسِيًّا وَثَقَافِيًّا بَارِزًا، جَعَلَهَا رَمْزًا لِلْقِيَادَةِ النِّسَائِيَّةِ الْقَوِيَّةِ.

3. السّيِّدَةُ الحُرَّةُ

تُشِيرُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ إِلَى وُجُودِ شَخْصِيَّةٍ تُعْرَفُ بِاسْمِ السِّيدَةِ الْحُرَّةِ فِي فَتْرَةِ حُكْمِ الدَّوْلَةِ الصَّلِيحِيَّةِ، وَكَانَتْ تُمَثِّلُ رَمْزًا لِلْمَرْأَةِ ذَاتِ السُّلْطَةِ وَالنُّفُوذِ السِّيَاسِيِّ. وَرَغْمَ قِلَّةِ الْمَعْلُومَاتِ الدَّقِيقَةِ عَنْهَا، إِلَّا أَنَّ الْمَصَادِرَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ حُضُورَهَا السِّيَاسِيَّ كَانَ فَاعِلًا، وَقَدْ شَارَكَتْ فِي صُنْعِ الْقَرَارِ عَلَى مُسْتَوَى مَنَاطِقَ وَاسِعَةٍ فِي الْيَمَنِ، خُصُوصًا فِي تَهَامَةَ وَالْمَنَاطِقِ الْمُحِيطَةِ بِمَرْكَزِ الدَّوْلَةِ. وَيُعْتَقَدُ أَنَّ لَقَبَهَا "الْحُرَّةُ" يَرْمُزُ إِلَى اسْتِقْلَالِهَا السِّيَاسِيِّ وَقُدْرَتِهَا عَلَى مُمارَسَةِ الْحُكْمِ دُونَ تَدَخُّلٍ مِنَ الذُّكُورِ، مَا يَجْعَلُهَا مِثَالًا عَلَى نُفُوذِ الْمَرْأَةِ فِي عَصْرٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ عَادَةً النِّسَاءُ فِي مَرَاكِزِ السُّلْطَةِ.

4. بِالإضَافَةِ إِلَى الْمَلِكَةِ أَرْوَى وَأَسْمَاءَ بِنْتِ شَهَابٍ، تُشِيرُ النُّقُوشُ وَالْمَصَادِرُ التَّارِيخِيَّةُ إِلَى نِسَاءٍ أُخْرَيَاتٍ، كُنَّ يَشَارِكْنَ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ. فَقَدْ كَانَتْ بَعْضُ النِّسَاءِ مِنَ الأُسْرَةِ الْحَاكِمَةِ يَتَمَتَّعْنَ بِمَكَانَةٍ قَوِيَّةٍ فِي إِدَارَةِ الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي الإِشْرَافِ عَلَى الْقَوَانِينِ وَالْمَوَارِيثِ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى اسْتِقْرَارِ الدَّوْلَةِ. وَيَظْهَرُ مِنَ السِّجِلِّ التَّارِيخِيِّ أَنَّهُنَّ لَمْ يَكْتَفِينَ بِالدَّوْرِ الرَّمْزِيِّ، بَل كُنَّ يَتَحَكَّمْنَ فِي مَفَاصِلِ الْحُكْمِ، وَيَقُمْنَ بِالدَّوْرِ الْفَعْلِيِّ فِي قِيَادَةِ الدَّوْلَةِ وَالتَّدَخُّلِ فِي شُؤُونِ السِّيَاسَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ، مَا يَعْكِسُ عُمقَ إِدْرَاكِ الْمُجْتَمَعِ الْيَمَنِيِّ لِتَقْدِيرِ قُدُرَاتِ الْمَرْأَةِ فِي مَوَاقِعِ الْقِيَادَةِ.

يُمْكِنُ القَولُ: إِنَّ التَّارِيخَ الْيَمَنِيَّ يُقَدِّمُ لَنَا نَمُوذَجًا فَرِيدًا لِلْقِيَادَةِ النِّسَائِيَّةِ عَبْرَ أَسْمَاءَ بِنْتِ شَهَابٍ الصَّلِيحِيَّةِ، أَرْوَى بِنْتِ أَحْمَدَ الصَّلِيحِيَّةِ، وَالسِّيدَةِ الْحُرَّةِ، وَأُخْرَى لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُنَّ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الدَّقِيقَةِ. فَقَدْ أَثْبَتَتْ هَؤُلَاءِ النِّسَاءُ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَادِرَةٌ عَلَى تَوَلِّي الْحُكْمِ وَاتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمُصِيرِيَّةِ بِنَفْسِ كَفَاءَةِ الرَّجُلِ، وَأَنَّ التَّارِيخَ الْيَمَنِيَّ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنَ الْحُدُودِ أَمَامَ طُمُوحِهَا السِّيَاسِيِّ وَالثَّقَافِيِّ. وَمِنْ خِلَالِ دِرَاسَةِ هَذِهِ الْمَلِكَاتِ، نُدْرِكُ أَنَّ دَوْرَ الْمَرْأَةِ فِي الْيَمَنِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ ظِلٍّ لِلرَّجُلِ، بَل كَانَ حُضُورًا فَاعِلًا وَمُؤَثِّرًا عَلَى مَسَارِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ إِرْثٌ يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِفَخْرٍ وَإِعْجَابٍ، وَيُمَثِّلُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ لِفَهْمِ تَارِيخِ الْيَمَنِ السِّيَاسِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:49 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke