![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
كتاب هوامش فؤاد زاديكي سيرة سيكولوجية (5) رُجُولَتُنَافِي مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ العُمْرِ، حِينَ يَتَخَطَّى الإِنْسَانُ جِسْرَ الشَّبَابِ المُتَدَفِّقِ نَحْوَ أُفُقٍ أَكْثَرَ وَقَارًا، تَتَجَلَّى الرُّجُولَةُ لَا كَلَفْظٍ عَابِرٍ، بَلْ كَحَالَةٍ وُجُودِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، تُشَكِّلُ المِفْصَلَ الحَقِيقِيَّ فِي رِحْلَةِ العُمْرِ. هِيَ لَيْسَتْ بُلُوغًا جَسَدِيًّا فَحَسْب، بَلْ ارْتِقَاءٌ فِي مَدَارِكِ العَقْلِ، وَنُضْجٌ فِي مَشَاعِرِ النَّفْسِ، وَاتِّزَانٌ فِي تَقْدِيرِ الأُمُورِ. هُنَاكَ، عِنْدَ هَذَا المُنْعَطَفِ، يَجِدُ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ أَمَامَ مِرْآةِ الحَقِيقَةِ؛ لَا مَجَالَ لِلأَوْهَامِ، وَلَا مَهْرَبَ مِنِ اخْتِبَارِ القُدْرَاتِ. فَتَبْدَأُ المَسْؤُولِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، وَيَبْدَأُ مَعَهَا امْتِحَانُ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ، وَالفِكْرِيَّةِ، وَالنَّفْسِيَّةِ، لِيُثْبِتَ الإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الوُقُوفِ عَلَى أَرْضٍ صُلْبَةٍ، لَا تَهُزُّهَا رِيَاحُ التَّقَلُّبَاتِ. وَمَعَ بُدُورِ هَذِهِ المَرْحَلَةِ، تَنْفَتِحُ أَبْوَابُ الحَيَاةِ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا؛ فَيَخْتَارُ الإِنْسَانُ شَرِيكَ دَرْبِهِ، وَيَشْرَعُ فِي بِنَاءِ أُسْرَةٍ تَكُونُ لَهُ مَأْوًى وَمَسْؤُولِيَّةً، وَهِيَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ اللَّبِنَةُ الأُولَى فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ. وَهُنَا، لَا تَعُودُ الأَحْلَامُ أَفْكَارًا مُجَرَّدَةً، بَلْ تُصْبِحُ مَشَارِيعَ تَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ دَؤُوبٍ، وَصَبْرٍ طَوِيلٍ، وَحِكْمَةٍ فِي التَّدْبِيرِ. إِنَّ الرَّجُلَ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ يُقَدِّمُ أَقْصَى مَا عِنْدَهُ مِنْ جُهْدٍ وَعَطَاءٍ، يَسْعَى لِإِثْبَاتِ ذَاتِهِ، وَلِتَأْمِينِ مُسْتَقْبَلِ أُسْرَتِهِ، وَيَجِدُ نَفْسَهُ مُلْزَمًا بِجُمْلَةٍ مِنَ الوَاجِبَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالأُسَرِيَّةِ الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْهَا. وَمَا بَيْنَ الحُلْمِ وَالوَاقِعِ، يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِالعَقْلَانِيَّةِ، وَأَنْ يُرَاعِيَ إِمْكَانَاتِهِ، فَلَا يَنْدَفِعُ وَرَاءَ الرَّغَبَاتِ انْدِفَاعًا أَعْمَى، وَلَا يَغْفَلُ عَنْ حُدُودِ وَاقِعِهِ. وَهُنَا يَكْمُنُ السِّرُّ الخَفِيُّ فِي نَجَاحِ كَثِيرٍ مِنَ الزَّيْجَاتِ أَوْ فَشَلِهَا. فَكَمْ مِنْ أُسَرٍ سَقَطَتْ فِي هُوَّةِ المَشَاكِلِ لِأَنَّهَا أَدَارَتْ ظَهْرَهَا لِلْوَاقِعِ، وَانْسَاقَتْ خَلْفَ نَزَوَاتِ الرَّغْبَةِ وَالمَظَاهِرِ الخَادِعَةِ. فَالتَّبْذِيرُ، وَالسَّعْيُ لِامْتِلَاكِ كُلِّ مَا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ، لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى النَّجَاحِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بَابًا لِلتَّعَثُّرِ وَالِانْهِيارِ. وَكَثِيرًا مَا نَرَى أُسَرًا أَثْقَلَتْهَا الدُّيُونُ، فَأَصْبَحَتْ أَسِيرَةَ القَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ، حَتَّى تَتَصَدَّعَ أُسُسُهَا، وَتَتَشَتَّتَ رُؤَاهَا، فَيَكُونُ المَآلُ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ إِلَى الِانْفِصَالِ وَالطَّلَاقِ. وَلَيْسَتِ الأَسْبَابُ المَادِّيَّةُ وَحْدَهَا هِيَ مَا يُزَعْزِعُ كِيَانَ الأُسَرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا عَوَامِلُ نَفْسِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ، تَتَسَلَّلُ فِي الخَفَاءِ، كَسُوءِ التَّفَاهُمِ، وَغِيَابِ الحِوَارِ، وَفَقْدَانِ التَّوَازُنِ بَيْنَ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ. وَفِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ أَيْضًا، تَتَّسِعُ دَائِرَةُ العَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَتَتَشَكَّلُ صَدَاقَاتٌ جَدِيدَةٌ نَاتِجَةٌ عَنِ الِاحْتِكَاكِ المُبَاشِرِ بِالمُجْتَمَعِ. وَيَسْعَى الإِنْسَانُ إِلَى بِنَاءِ شَبَكَةٍ مِنَ العَلَاقَاتِ تَدْعَمُ اسْتِقْرَارَهُ، وَتُسَاعِدُهُ فِي شَقِّ طَرِيقِهِ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ أَفْضَلَ. هُنَا، يَبْدَأُ الحِصَادُ الحَقِيقِيُّ؛ حِصَادُ مَا زُرِعَ فِي أَرْضِ الشَّبَابِ مِنْ أَفْكَارٍ وَخِبْرَاتٍ وَتَجَارِبَ. فَمَا كَانَ يُبْذَرُ أَمْسِ، يُحْصَدُ اليَوْمَ، وَمَا أُهْمِلَ فِي البِدَايَةِ، يَظْهَرُ نَقْصُهُ فِي النِّهَايَةِ. وَيَخْتَلِطُ عَلَى كَثِيرِينَ مَفْهُومُ الرُّجُولَةِ بِمَفْهُومِ الفُحُولَةِ، وَهُمَا فِي الحَقِيقَةِ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضٍ. فَالرُّجُولَةُ هِيَ مَوَاقِفُ، وَقِيَمٌ، وَالْتِزَامٌ أَخْلَاقِيٌّ، أَمَّا الفُحُولَةُ فَلَا تَتَجَاوَزُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ الجَانِبَ الغَرِيزِيَّ الضَّيِّقَ. وَفِي بَعْضِ المُجْتَمَعَاتِ الشَّرْقِيَّةِ، تَنْقَلِبُ المَعَايِيرُ، فَيُرْفَعُ مِيزَانُ الفُحُولَةِ عَلَى حِسَابِ القِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَيُخْتَزَلُ مَعْنَى الرُّجُولَةِ فِي بُعْدٍ وَاحِدٍ، مُتَجَاهِلًا ثَرَاءَهَا وَعُمْقَهَا. وَهَذِهِ ظَاهِرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ، لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهَا، إِذْ تَتَسَلَّطُ فِكْرَةُ الجِنْسِ عَلَى جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنَ الِاهْتِمَامَاتِ، رُبَّمَا بِسَبَبِ القُيُودِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، أَوِ الكَبْتِ النَّفْسِيِّ، أَوِ الغِيَابِ الوَاعِي لِلتَّثْقِيفِ. إِنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ فِي هَذِهِ البِيئَاتِ تُحَاطُ بِجُدْرَانٍ مِنَ المَنْعِ وَالتَّجْرِيمِ، فَتَتَكَوَّنُ نَظْرَةٌ قَاسِيَةٌ، أَحْيَانًا غَيْرُ عَادِلَةٍ، تُضَيِّقُ الخِنَاقَ عَلَى الفَرْدِ، وَتَدْفَعُهُ نَحْوَ مَسَالِكٍ قَدْ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً. وَمَعَ ذَلِكَ، تَبْقَى الرُّجُولَةُ الحَقِيقِيَّةُ قَادِرَةً عَلَى التَّجَلِّي فِي كُلِّ ظَرْفٍ، فَهِيَ لَيْسَتْ مَرْهُونَةً بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، بَلْ هِيَ خِيَارٌ وَاعٍ، وَمَوْقِفٌ نَبِيلٌ، يَتَجَسَّدُ فِي الصِّدْقِ، وَالإِخْلَاصِ، وَالتَّحَمُّلِ، وَالقُدْرَةِ عَلَى حِمَايَةِ مَنْ نُحِبُّ، لَا بِالقُوَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ بِالحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا فِي الرُّجُولَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ غَايَةً تُدْرَكُ، بَلْ رِحْلَةٌ تُعَاشُ، تَتَشَكَّلُ مَعَ كُلِّ تَجْرِبَةٍ، وَتَنْضُجُ مَعَ كُلِّ اخْتِبَارٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الإِنْسَانُ ذَلِكَ التَّوَازُنَ الدَّقِيقَ بَيْنَ القُوَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ… وَهُنَاكَ، فَقَطْ، تَكْتَمِلُ مَعَالِمُ الرُّجُولَةِ الحَقِيقِيَّةِ. يُتبع... |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|