![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مذابح السريان الآشوريين والمسؤولية الكردية - الجزء الثالث
بقلم سعيد لحدو- سوريا ومع استلام السلطان عبد الحميد للحكم (1876-1909) حتى بدأ المشروع يتكشَّف بصورة أوضح، فتشكلت فرق الفرسان الحميدية من الأكراد بصورة أساسية، ومُنحت كل الصلاحيات لإنهاء الوجود الأرمني في الإمبراطورية العثمانية. وبدأت الاعتداءات ليس على الأرمن وحدهم، وإنما على السريان الآشوريين أيضاً، وما المانع من ذلك مادام هذا الأمر يكسبهم عطف السلطان، والكثير من السبايا والذهب. فعاثت فرق الموت تلك خراباً في جميع المناطق المسيحية أرمنية كانت أم سريانية أم غيرها، ولم يجد العثمانيون سبباً واحداً لردع تلك الفرق عن اعتداءاتها على مواطنين ورعايا الدولة العثمانية. لا بل كانوا يزيدونها تشجيعاً وعند أي احتجاج أوربي على فظاعة المجازر التي تحدثها تلك الفرق، يكون جواب العثمانيين أنها عشائر جبلية تتقاتل ولا يمكن السيطرة عليها، أو أن هناك انتفاضة أو ثورة أرمنية يجري قمعها. وبالطبع لم يكن أي من الإدعاءين صحيحاً. ولقد كان لفكرة الجامعة الإسلامية التي رفع شعارها العثمانيون وبخاصة في فترة حكم السلطان عبد الحميد، والتي اعتبروها شعاراً أساسياً لسياستهم أسوأ الأثر على الرعايا المسيحيين. فاتخذها العثمانيون ذريعة لتشديد الضغط على أولئك الرعايا أشد من ذي قبل، وشجعوا الأكراد على الاعتداء عليهم، ويؤكد ج. ليبسيوس في كتابه (ألمانيا وأرمينيا) عن المجازر التي حدثت في السنين (1894- 1896): ›› فإن الفظائع الوحشية في ديار بكر لم ُترتكب ضد الأرمن فحسب، بل ضد السريان الأرثوذكس أيضاً‹‹(7). ويورد الكاتب نفسه في كتاب آخر له أرقاماً مؤكداً قوله السابق: ››في سهل آرباك بين الحدود الإيرانية والرافد الشمالي لبحيرة وان كان الجنود غير النظاميين – أي الفرق الحميدية – قد قتلوا نحو 260 أرمينياً و300 شخصاً من السريان الأرثوذكس‹‹(8). الحرب والفرصة الكبرى: مع إطلالة الحرب العالمية الأولى، كانت خطة الإبادة الشاملة للمسيحيين قد باتت جاهزة وأن الفرصة باتت سانحة بسبب ظروف الحرب. وكان حزب الاتحاد والترقي التركي قد أعدَّ العدة ووضع خطة الإبادة منذ ما قبل الحرب ببضع سنوات، وتوزع أعضاؤه المهام فيما بينهم، وبالطبع كان المقصود بالدرجة الأولى هم الأرمن، لكن حين امتدت ألسنة اللهيب إلى السريان الآشوريين لم يرَ الاتحاديون سبباً لإطفائها، فنالت من السريان بالقدر نفسه من الوحشية، والألم الذي نالته من الأرمن الذين أعتبرهم الأتراك مذنبين لمطالبتهم بحقوقهم القومية وإصلاح أوضاعهم، وأقاموا لذلك أحزاباً ومنظمات سياسية، في حين لم يقم السريان بأي من ذلك فيما خلا انتفاضة الآشوريين في حكاري عام 1915 والتي ما كانت إلا نتيجة لممارسات وحشية عديدة سبقتها. ولقد كان للأكراد بوجه عام، دور هام في تلك الأحداث. ويؤكد لنشوفسكي ›› بأن الأكراد كانوا جميعاً بجانب تركيا أثناء الحرب، وقد تمكن الأتراك بمهارة من توجيههم لقتال المسيحيين من الآثوريين والأرمن، بحيث أثبت الأكراد أنهم مفيدون للأتراك في أداء المهمات التي أُنيطت بهم في الولايات الشرقية..‹‹(9). وتتكرر المآسي والأعمال البشعة خلال سنوات الحرب وتشمل جميع مناطق السريان الآشوريين ناهيك عن مناطق الأرمن. ويورد الكاتب الكردي كمال أحمد مظهر أمثلة عن تلك الأعمال التي جرت لبعض المناطق الأرمنية، وبالطبع لم تكن مناطق السريان أقل وحشية. فيقول: ››مما يؤسف له أشد الأسف، أن الكرد أسهموا قليلاً أو كثيراً عن وعي أو دونه، بتحريض من الآخرين أو عن عمد. في مذابح الأرمن هذه‹‹. مستأنفاً قوله: ››خلال المذبحة الأولى افتتح أحد مشايخ الطرق واسمه الملا أحمد سعيد، العملية بنفسه في مدينة اورفة في الثامن والعشرين من كانون الأول عام 1895م حيث أمر بإحضار أرمني برئ فبطحوه على الأرض وفصل رأسه عن جسده بيده على مرأى من الجمهور‹‹(10). ويورد أمثلة أخرى عديدة عن الأعمال التي ارتكبت بعد ذلك وأثناء المذابح التالية خلال الحرب فيقول: ››.. وفي حالات معينة كان الرؤساء الأكراد يتممون ما بدأه غيرهم. فإن زعيم الشكاك (سيمكو) مثلاً وضع كميناً في مضيق قوتور لجماعات من الأرمن الذين نجوا من الموت. فباغتهم رجاله وأقاموا لهم مذبحة جديدة.. ‹‹. ويتابع قوله أن في الإمكان عرض نماذج كثيرة أخرى في هذا المجال إلا أن ››حفنة واحدة تنبئ عما في الحمل، كما يقول المثل الكردي. وإذا كانت الحفنة متعفنة فإن الحمل يكون أشد عفونة بكثير‹‹(11). ولعل اغتيال مار شمعون بنيامين غدراً على يد سيمكو هذا في الثالث من آذار عام 1918 وهو في ضيافة هذا الأخير ساعياً للصلح وتوحيد الجهود، بناءً على اتصالات سابقة بينهما لإقامة دولة (كردية-آشورية) وفق برنامج اقترحه البطريرك الآشوري، جعلته يحبِّذ اللقاء بسيمكو، رغم التحذيرات التي وصلته بأن سيمكو يُعد العدة لاغتياله، ذلك لأن الهدف كان أكبر من أن يحجم عن اللقاء بسبب تحذيرات من هذا النوع. ويرى الحيدري (12) أن الإنكليز اتفقوا مسبقاً مع سيمكو لقتل المار شمعون، إذ أنهم أرادوا بذلك اتخاذ الآشوريين قاعدة يستندون إليها في ترويج سياستهم الاستعمارية في هذه المنطقة الاستراتيجية، وان يكونوا دائماً بحاجة لطلب المساعدة منهم. فالسفير البريطاني في استانبول، حينما كان يرفع احتجاجه للباب العالي على هجمات الأكراد ضد الآشوريين، فإن حكومته كانت من جهة أخرى، تشجع الأكراد على مقاتلة الآشوريين. ويرى الأستاذ جلال الطالباني في هذه العملية الخسيسة جريمة بحق الحركة الكردية قبل الآشورية إذ يقول: ››إن التاريخ الكردي ملئ بالمحبة والود تجاه الآشوريين ينبذ هذه العملية –اغتيال مار شمعون-‹‹ ويضيف: ››إن عملية الغدر والإجرام التي دبرها سيمكو ضد إخواننا الآشوريين تسوّد صفحاته وخلقت مصاعب جمة للحركة الوطنية الكردية مازالت آثارها باقية‹‹(13). ومن الواضح أن سيمكو هذا كان عميلاً مزدوجاً، للإنكليز من جهة، وللإيرانيين من جهة أخرى. وليس أدل على ذلك من أن السلطات الإيرانية التي شجعت سيمكو لاغتيال المار شمعون نصبت له كميناً أثناء توجهه إلى طهران عام 1926 بدعوة منها، لتنصيبه زعيماً للقبائل الكردية عند مدينة أوشنو، وتمكنت من قتله (14) والتخلص من وعودها له. والغريب في الأمر، وكما لاحظنا في حالة بدرخان بك. وربما كان الأمر هنا أكثر مفارقة، أن كثيراً من القوميين الأكراد يعتبرون سيمكو مناضلاً قومياً كردياً، ويجلُّون ذكراه، متجاهلين القول السابق للأستاذ جلال الطالباني، وهو أحد أهم زعماء الحركة الكردية المعاصرة، وشهادته الواضحة فيه. محاولين بذلك الاختباء خلف ظلال أصابعهم المشيرة إلى جرائم الأتراك ومسئوليتهم عن ذلك. مع العلم أن المسؤولية التركية ليست خافية على أحد. وهناك آلاف الوثائق الدامغة عنها، وعشرات الكتب التي دوّنها شهود عيان ومعاصرون للأحداث. وكلها تتحدث بتفصيل شديد عما عاناه مسيحيو الإمبراطورية العثمانية، وبخاصة الأرمن والسريان الآشوريين، من إبادة للجنس منظمة ومخطط لها ومدبرة منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى. وما يهمنا في هذا المقال الموجز عن هذه القضية هو إظهار ما ناله السريان الآشوريون من حملة الإبادة المنظمة تلك، بالنظر إلى طغيان المأساة الأرمنية والتغطية الإعلامية التي حظيت بها عالمياً لتشمل حتى مذابح السريان الآشوريين تحت اسم المذابح الأرمنية. وكذلك إظهار الدور الكردي فيها، وتحديد المسئولية الكردية عنها. ولعل المشاركة الكردية كانت أكثر فاعلية تجاه السريان الآشوريين من الأرمن، بسبب التجاور والتداخل الجغرافي في مناطق في سكناهم، وهذا ما أفقد السريان الآشوريين ميزة هامة عندما تكون منطقة جغرافية واسعة متجانسة بشرياً وقوميا،ً مما أعجزهم عن إمكانية تنظيم القوى الذاتية للدفاع والمواجهة. فكان الاستسلام لخناجر المعتدين الطريق الوحيد المتاح أمامهم. ولا زال حتى اليوم يعيش بيننا من الشعبين الكردي والآشوري أناس عاشوا تلك الأيام، وما زالوا يذكرون تفاصيلها. ولا حاجة بنا إلى إيراد أمثلة من كتابات أجانب ودبلوماسيين تحدثوا عنها، لمزيد من التأكد، سواء كانوا معاصرين أو شهود عيان أو مشاركين فاعلين في تلك الأحداث، كالسفير الأميركي في القسطنطينية هنري مورغنتاو أو غيره. مما سبق يتضح أن ما نال السريان الآشوريين من تلك المأساة البشرية ليس بالشيء القليل. وما التناقص الشديد بأعدادهم في المنطقة، بعدما كانوا يشكلون غالبية السكان في الماضي القريب، سوى الشاهد الأكبر على مدى الفظاعة التي مارسها الإنسان تجاه أخيه الإنسان في منطقة تميزت بعطائها الحضاري والإنساني على مدى آلاف السنين من الإبداع والمدنية. Published: 2006-05-11 |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|