تعميم محردة... عندما تتحوّل القيود المحليّة إلى مؤشّر على اتجاه أوسع في سوريا بقلم:
تعميم محردة... عندما تتحوّل القيود المحليّة إلى مؤشّر على اتجاه أوسع في سوريا
بقلم: فؤاد زاديكي
لا يُمكن النّظر إلى التّعميم الصادر عن مجلس مدينة محردة، والذي يمنع الكافيتريات من تقديم المشروبات الروحية ويقيّد طبيعة نشاطها، على أنّه مجرّد إجراء إداري معزول، بل يأتي في سياق سلسلة من القرارات والممارسات التي أثارت نقاشًا واسعًا حول مستقبل الحرّيّات العامّة في سوريا بعد وصول السلطة الجديدة إلى الحكم. فبالنسبة لكثير من السوريين، لا يمثّل هذا القرار مجرّد تنظيم لعمل المقاهي، وإنّما تقييدًا للحريات الشخصية والاقتصادية، خاصّة أنّ محردة مدينة ذات أغلبية مسيحية عُرفت تاريخيًّا بخصوصيتها الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي جعل هذا التعميم يُنظر إليه على أنّه يمسّ نمط الحياة الذي اعتاد عليه سكانها.
وتزداد هذه المخاوف مع صدور قرارات أخرى ذات طابع محافظ، مثل فرض ضوابط على لباس السباحة في الشواطئ العامة والدعوات المتكرّرة إلى الالتزام بما يُوصف باللباس المُحتشم، وهي خطوات رأى فيها كثيرون توجّهًا نحو زيادة حضور المعايير الدينية في المجال العامّ، حتّى وإن لم يصدر حتى الآن قانون عامّ يفرض الحجاب على جميع النساء. كما أثارت قرارات أخرى، مثل إلغاء حفل الفنان السرياني المسيحي شادي جميل في دار الأوبرا بحجّة مواقفه المؤيدة للنّظام السابق، جدلًا واسعًا بسبب اتهامات بازدواجية المعايير، إذ أشار منتقدون إلى أنّ شخصيّات فنّية أخرى كانت أيضًا مؤيّدة للنظام السابق ولم تُواجه إجراءات مماثلة.
وفي الوقت نفسه، وثّقت منظمات حقوقية وهيئات تابعة للأمم المتحدة وقوع انتهاكات خطيرة بحقّ مدنيين خلال أحداث الساحل والسويداء، ودعت إلى إجراء تحقيقات مستقلّة ومحاسبة المسؤولين عنها، بينما رفضت السلطات السورية بعض هذه التقارير واعتبرتها مُنحازة أو مُسيسة. وقد أسهم هذا التباين بين التقارير الدولية والموقف الرسمي في تعميق القلق لدى قطاعات من السوريين بشأن مسار المرحلة الجديدة، ولا سيّما فيما يتعلّق بحماية حقوق الإنسان وحقوق الأقليات.
لذلك، فإنّ الجدل الدائر اليوم لا يقتصر على قرار منع بيع المشروبات الروحية في مدينة بعينها، وإنّما يتعلّق بالسؤال الأوسع حول طبيعة الدولة التي تتشكّل في سوريا، وحدود الحريات الفردية، ومدى احترام التنوّع الديني والثقافي، الذي ميّز المجتمع السوري لعقود. ويرى منتقدو هذه السياسات أنّ تراكم مثل هذه الإجراءات، حتى وإن بُرِّر كلُّ واحد منها على حدة، يبعث برسالة تدفع إلى القلق بشأن مستقبل الحريات العامّة والتعدّدية، في حين تنفي السلطات أن تكون هذه القرارات جزءًا من مشروع لفرض هُوِيّة دينيّة معيّنة على المجتمع، وتؤكّد أنّها تدخل ضمن صلاحياتها التنظيمية أو اعتبارات تراها مناسبة للمصلحة العامّة. ومن ثمّ، يبقى تقييم هذا المسار موضع جدل سياسي ومجتمعي، لكنّه يستند إلى وقائع وقرارات أثارت بالفعل نقاشًا واسعًا داخل سوريا وخارجها.
__________________
fouad.hanna@online.de
|