الموضوع: من هو بهلول
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-08-2005, 01:07 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,184
افتراضي منْ هو بهلول؟

أخي ألياس أحب أن أضيف إلى ما تفضّلت به من قصص جميلة عن "بهلول" وفعلا كان بهلول وجحا من أهم شخصيّات الواقع القصصي الذي تطرّق إلى بساطة فيها حكمة لهذين الرجلين حتى ألف عنهما الكثير من قصص الخيال لكن هناك الكثير من الواقع في بعض هذه الروايات ولزيادة الفائدة أضيف التالي:

منْ هو؟:
لقد تضاربت الأنباء عن هذه الشخصيّة ونسج حولها الكثير من القصص وهناك من يزعم أنه شخص مجنون وهناك من يقول بحكمته وتعقّله لكن الأهم من كلّ هذا أن هذه الشخصية الفريدة شغلت الناس في عصرها فصارت موضع حديث وتندّر ومفاكهة وغيره. يقال إنه توفي في بغداد سنة 190 هجرية وأن قبره في بغداد. أما عصره فكان العصر العباسي وخاصة أيام الخليفة "هارون الرشيد" وهو رافق جميع مرحلة حكمه التي عرفت بأنها من أخصب المراحل من حيث نمو الفكر الأدبي والفكري والتنظيم في بعض أسس الدولة وتشكيل الدوائر والوزارات.
إليكم بعض القصص عن هذا الرجل "بهلول" والذي يقال أنه كان شقيق الخليفة ولكن التاريخ لا يذكر شيئاً من ذلك وعلى الأغلب يسمّيه الناس ب "البهلول" بأل التعريف وليس ب "بهلول".


هو : أبو وهيب بهلول بن عمر الصيرفي الكوفي ، ولد بالكوفة وعن مجالس المؤمنين ، أن بهلولاً كان من أصحاب الاِمام الصادق عليه السلام وأنّه كان يستعمل التقية ، وان الرشيد كان يسعى في قتل الاِمام الكاظم عليه السلام ، ويحتال في ذلك، فأرسل إلى حملة الفتوى يستفتيهم في إباحة دمه متهماً أياه بارادة الخروج عليه، ومنهم البهلول، فخاف من هذا واستشار الكاظم عليه السلام فأمره بإظهار الجنون ليسلم، وفي روضات الجنات: ان الرشيد أراد منه ان يتولى القضاء، فأبى ذلك ، وأراد أن يتخلص منه فاظهر الجنون، فلما أصبح تجانن وركب قصبة ودخل السوق وكان يقول : طرقوا خلوا الطريق لا يطأكم فرسي ، فقال الناس : جن بهلول ، فقال هارون : ما جنّ ولكن فر بدينه منا ، وبقي على ذلك إلى أن مات، ويظهر من أخباره ومناظراته انّه كان من أهلال موالاة والتشيع لاَهل البيت عليه السلام عن بصيرة نافذة ، وله كلمات حسنة ومواعظ بليغة وأشعار رائقة منها قوله :



يـا مـن تمتع بالدنيا وزينتها

ولا تنام عن اللذات عيناه

شغلت نفسك فيما ليس تدركه

تقول لله مـاذا حين تلقاه


وقال للرشيد يوماً :


هب أنك قد ملكت الاَرض يوماً

ودان لك العباد فكان ماذا

ألست تـصير فـي قبر ويحث


وعليك ترابه هـذا وهذا




القصة الأولى:


حكمة البهلول




دخل بهلول ذات يوم على هارون وهو يتنزه في بعض عماراته الجديدة، فسأله أن يكتب شيئاً عليها، فأخذ بهلول فحمة وكتب بها على بعض الجدران: رفعت الطين ووضعت الدين، رفعت الجص ووضعت النص، فإن كان من مالك فقد أسرفت، والله لا يحب المسرفين، وإن كان من مال غيرك فقد ظلمت، والله لا يحب الظالمين



يروى أن البهلول نصح أمير المؤمنين هارون الرشيد فقال:




وهب أن قد ملكت الأرض طُراً *** ودان لك العبادُ فكان




ماذاأليس غداً مصيرك جوف قبـــر *** ويحثوا التُراب هذا ثم هذا




يعتمر برأسه عمامة ركيكة اللف عتيقة و ممزّقة, بادياً لمن شاهده
بهذا المظهر بأنّه صعلوكاً من الصعاليك.
بهلول بمظهره كان رثّ الثياب, ينتعل حذاءً بالياً و كانت الدعوات توجّه الى بهلول لحضور الاجتماعات الشعبية و المآدب
و الولائم التي يقيمها عليّة القوم لعدّة اعتبارات :
منها قرابته لهارون الرشيد, وللحكمة التي يتمتّع بها بهلول, ثمّ
للطافته و دعابته . و الحقيقة انّ بهلول كان بحاجة الى غشيان هكذا امكنة لغرض توعية الامّة و توجيهها و تصحيح مسارها عن طريق النكتة و السخرية و الدعابة. حدث ذات مرّة ان دعي بهلول الى وليمة فحضرها و لكن على غير المألوف منه, اذ احتمّ و لبس افخر ما عنده من ثياب و عمامة و حذاء و خرج اليهم بزينته تحوطه كلّ مظاهر الابّهه و الوقار. فوجئ بهلول عندما دخل عليهم بآيات الترحيب به و الاستقبال المهيب و الاحترام المتزايد والحفاوة البالغة له الغير مألوف لديه من اصحاب المجلس. بل اكثر من كلّ ذلك وجد المدعويين و هم من عليّة القوم : كلّ يدعوه الى الجلوس بجانبه.
اختار بهلول مكاناً له في صدر المجلس, في محلّ متبيّن و متميّز
على الجميع, بعكس جلوسه المعتاد دائماً حينما كان يأتيهم على
هيئة صعلوك فيكون جلوسه في الاخير و في موضع الاحذية بالذات. و بعد ان مدّ السماط للطعام و وضعت عليه ما لذ و طاب من الاطعمة والاشربة, و شرع المدعوّون بالاكل , بدأ الجلساء ( يتعارفون ) يعزمون على بهلول: هذا يدعوه الى هذا النوع من الطعام و ذلك يدعوه للنوع الثاني, تحيّر صاحبنا من امر جلساءه , و عن السرّ في حسن معاملتهم ايّاه, فتبيّن انّ سرّ اهتمامهم به لما يلبسه من ثياب فاخرة, وهي: (جبّته) قفطانه الحريري المطرّز بالذهب و لعمامته الفاخرة.
وبالطبع كان بهلول حكيم زمانه على غير ما يظنّه عامّة الناس به
من جنون و صعلكة , فاراد ان يحارب هذا المرض النفسي في الناس من حبّ للظهور و الفخفخة و التملّق و الرياء واحترام المظاهر الخدّاعة. اخذ بهلول يأتي بالاطعمة و يظعها بكم الجبّة تارة و تارة اخرى في جيبها ثمّ يظعها في طيّات عمامته قائلاً لهما ( لجبته و عمامته ) كلا على بركة الله هنيئاً مريئا, فانّ الاحترام لكما يا جبتي و يا عمامتي, وانّ جميع هذا التعظيم و التبجيل لكما وليس للذي يرتديكما, اذ لولاكما لما حصل لي هذا التقدير و الترحاب
.



آمال.. وهواجس
تنفّس الصبح.. بينما كان هارون وصاحبه في طريقهما إلى « الكوفة » ودخلا المدينة على حين غفلة من أهلها.. كانا يرتديان زيّ التجار
.
ما أن أشرقت الشمس حتّى كان سوق المدينة يغصّ بالباعة والمبتاعين والعابرين.. وغاب « الخليفة » في زحمة الناس.. أرهف أُذنيه للأحاديث العابرة.. كان يود أن يسمع صدىً لثناء أو مديح أو تمجيد « للخليفة » هارون الرشيد الذي عزم على الحج هذا العام ماشياً.. ولكنه لم يسمع شيئاً. وأثار اهتمامَه أحاديثُ متقضبة عن ضريبة العُشر التي باتت ثقيلة على الأهالي.. ولمح عن قُربٍ أحدَ حرّاسه يسأل عن « صفوان الجمّال »..
همس جعفر وهو يشير إلى رجل عليه سيماء الزهد:
ـ أتعرف ذاك الرجل ؟
ـ لا.. ومَن يكون ؟
ـ بهلول المجنون
.
ـ وهل هو مجنون حقاً ؟
ـ لا يبدو عليه ذلك.. ولكن تذكرت ما حدث ذات يوم في حضرة أخيك
..
ابتسم جعفر وأردف:
ـ استدعاه ذات مرّة وأمر بإحضار رجل آخر من أهل البصرة يدعى « عليّان ».. وكان هو الآخر يُرمى بالجنون.. فبدره « الهادي » قائلاً: أيش معنى عليّان ؟! فأجابه بقول أدهش الحاضرين.
تساءل هارون:
ـ وماذا قال له ؟
ـ قال له: أيش معنى موسى أطبق.. فثارت ثائرة « الهادي » وصاح به: يا ابن الفاعلة! فالتفت عليّان إلى بهلول، وقال: كنا اثنين، فصرنا ثلاثة..




المناظرة الثالثة والعشرون

حكى صاحب المجالس عن الشيخ الاَجل المتكلم محمد بن جرير بن رستم الطبري انّه روىفي كتاب الايضاح أن البهلول كان ماراً في بعض أزقة البصرة فرأى جماعة يسرعون فيالمشي أمامه فقال لرجل منهم : هؤلاء البهائم الشاردون بلا راع إلى أين يذهبون؟!
فقال له ذلك الرجل من باب المزاح : يطلبون الماءوالكلأ !!
فقال له البهلول : كيف ذلك مع قلة الحمى والمنعالشديد ، واللهلقد كان العلف كثيراً رخيصاً ولكنهمأحرقوه بالنار ، ثم أنشد هذه الاَبيات:




بـرئت إلــى الله من ظالم
لسبط النبــي أبي القاسـم

ودنــت إلهي بحب الوصي

وحب النبي أبـي فاطــم



وذلك حـــرز من النائبات
ومـن كل متهــم?غاشـم

بهم أرتجـي الفوز يوم المعاد

وأنجو غداً من لظى ضارم



فلما سمعوا كلامه رجعوا إليه ، وقالوا له : إنهم ذاهبون إلى مجلسوالي البصرة محمد بن سليمان ابن عم الرشيد .
فقال : لاَيشيءٍ تذهبون إليه ؟
فقالوا : إن عمرو بن عطاء العدوي منأولاد عمر بن الخطاب ، ومن علماء الزمان حضر مجلسه ، ونريد تحقيق حاله ومعرفة مبلغفضله وكماله ، وإن كنت تذهب معنا لتناظره كان ذلك حسناً !
فقال لهم بهلول : ويلكم ، مجادلة العاصي توجب زيادة جرأته على العصيان ، ويمكن أنتوقع أصحاب البصيرة في الشبهة ، ولا شكّ في وجوداللهتعالى ، ولا شبهة في الحق ولا التباس ، فإذا كنتم من أهل المعرفة تقنعون بما أخذتممن أهل العرفان .
فلما يئسوا منه ذهبوا إلى مجلس محمد بنسليمان ، وحكوا له ما جرى لهم مع البهلول ، فأمر غلمانه بإحضاره فأحضروه ، فلما وصلإلى قرب دار محمد بن سليمان ، قام عمرو بن عطاء العدوي واستأذن محمد بن سليمان فيمناظرة بهلول؟ فإذن له .
فلما وصل بهلول إلى الدار قال : السلام على من اتبع الهدى وتجنب الضلالة والغوى .
فقالعمرو بن عطاء : السلام على المسلمين ، إجلس يا بهلول ؟
فقال بهلول : أتأمرني بشيء لا مدخل لك فيه ، وتتقدم فيه على رجل فضله عليك ظاهر ،ومثلك في هذا الباب مثل رجل طفيلي على خوان رجل آخر ويريد أن يمتن على الناسويعطيهم من هذا الخوان !!
فبقي عمرو بن عطاء مبهوتاً لايحير جواباً !!
فحينئذٍ قال محمد بن سليمان لعمرو بن عطاء : كنت تريد أن تناظره ، وهو في حديث الورود جعلك ساكتاً مبهوتاً !
فقال بهلول : أيها الاَمير هذا الاَمر ليس صعباً عنداللهتعالى ، أما قرأت قوله تعالى : ( فبهتَ الذي كفرَ واللهُ لا يهدي القومَالظالمين).
ثم قالمحمد بن سليمان للبهلول : المجلس مجلسي وقد أذنت لك في الجلوس
!
فدعا له بهلول فقال : عمراللهمجلسك، وأسبغ نعمه عليك ، وأوضح برهان الحق لديك ، وأراك الحق حقاً ، وأعانك على اتباعه، وأراك الباطل باطلاً ، وأعانك على اجتنابه .
فقال عمروبن عطاء : يا بهلول التزم طريق الحق وابتعد عن الهزل ، وتكلم كلاماً حسناً !؟
فقال بهلول : ويلك ! هل يوجد كلام أحسن من هذا الكلامالاِلهي ؟ وهل يوجد كلام جدي غيره ؟ فأنت تكلم كلاماً تقياً ، ولا تشر إلى عيوبالناس قبل أن تنظر في عيب نفسك !
فقال عمرو بن عطاء : أنتترى نفسك من مشهوري زمانك ، وتدعي الاطلاع على المعارف ، فأريد إما أن تسألني أوأسألك ؟
فقال بهلول : لا أحب أن أكون سائلاً ولا مسؤلاً !!
فقال العدوي : لماذا ؟
قال : لاَني إذا سألتك عن شيء لا تعلمه ؟ لا تقدر أن تجيبني عنه ، وإذا سألتني تسألنيبطريق أهل التعنت والعناد ؟ فيختلط الحق بالباطل ، والذين هم كذلك نهىاللهتعالى عن مجالستهم بقوله تعالى : ( وإذا رأيتَ الَّذينَ يَخُوضونَ في آياتِنا فأعرِض عنهُم حتى يخُوضُوافي حديثٍ غَيرهِ وإِما يُنسينَّكَ الشيطانُ فلا تقعُد بعدَ الذكرى مع القومِالظالمين).
فقالا لعدوي : إن كنت من أهل الاِيمان ، فقل لي ما هو الاِيمان ؟

فقال بهلول : قال مولاي جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : الاِيمان عقد بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل الجوارح والاَركان.
فقال العدوي : تقول ان إمامك الصادق ! فيظهر من هذا انه في زمانه لم يكن صادق غيره ؟
فقال بهلول : هو كذلك، ومع ذلك فهذا يجري عليك فإن سُميَّ أبا بكر الصديق ،فهل في زمانه لم يكن صديق غيره ؟!
فقال العدوي : بلى ، لميكن غيره ؟
فقال بهلول : كلامك هذا ردٌ على الكتاب والسنة، أما الكتاب : فلأناللهتعالى جعل من آمن باللهورسوله صدِّيقاً ، فقال : ( والذينآمنوا باللهورسُله أولئك هُمُ الصديقُون)، وأما السنة فلأن الرسول صلى الله عليه وآله قال لبعض أصحابه : إذا فعلت الخير كنتَ صدِّيقاً.
فقال العدوي : إن أبا بكر سمي صدِّيقاً لاَنه أول رجل صَدق الرسول صلى الله عليه واله
.
فقال بهلول : مع أن الاَولوية ممنوعة ، تخصيصه بذلك خطأفي اللغة ، ورداً على الآية المذكورة ؟!
فترك العدوي هذهالجهة وجعل ينتقل معه من غصن إلى غصن إلى أن قال لبهلول : من إمامك ؟
قال : إمامي من أوجب الرسول صلىاللهعليه وآله له على الخلق الولاء ، وتكاملت فيه الخيرات ، وتنزّه عن الاَخلاق الدنيات، ذلك إمامي وإمام البريات.
فقال له العدوي : ويلك إذاًلا ترى أن إمامك هارون الرشيد ؟
فقال البهلول : أنت لاَيشيءٍ ترى أن أمير المؤمنين خال من هذه الصفات والمحامد ، واللهإني لا أظن إلا أنك عدو لاَمير المؤمنين ، مخالف له فيالباطن وتظهر الاعتقاد بخلافته ، وأقسم باللهلو بلغههذا الخبر لاَدبك تأديباً بليغاً.
فضحك عند ذلك محمد بنسليمان ! وقال لعمرو بن عطاء : واللهلقد ضيعك بهلول ،وجعلك لا شيءَ ، وأوقعك في الورطة التي أردت أن توقعه فيها ، وما أحسن بالاِنسان أنيبتعد عما لا يحسنه ، وما أقبح به أن يدخل في شيءٍ يعلم أنه ليس من أهله ، ثمّ أمربعض غلمانه فأخذ بيد عمرو بن عطاء وأخرجه من المجلس !
وقال لبهلول : ما الفضل إلا فيك ، وما العقل إلا عندك ، والمجنون من سماك مجنوناً ،يا بهلول ، أخبرني : أيهما أفضل علي بن أبي طالب عليه السلام أو أبو بكر؟
فقال بهلول : أصلحاللهالاَمير : إنعلياً من النبي صلىاللهعليه وآله كالصنو من الصنو،والعضد من الذراع ، وأبو بكر ليس منه ، ولا يوازيه في فضله إلا مثله ، ولكل فاضلفضله !
ثم قال محمد بن سليمان لبهلول : أخبرني أولاد عليأحق بالخلافة أو أولاد العباس ؟
فرأى بهلول أن المقام حرج ! فسكت خوفاً من محمد !
فقال له محمد : لم لا تتكلم؟
فقال بهلول : أين للمجانين قوة تمييز وتحقيق هذهالاَمور!



وقع للبُهلول أنّه رآه ـ وهو صبيّ ـ يبكي والصبيان يلعبون، فظنّ أنّه يتحسّر على مابأيديهم، فقال له: أشتري لك ما تلعب به ؟ فقال: يا قليل العقل، ما لِلَّعِب خُلِقنا، فسأله البهلول: فلماذا خُلِقنا ؟ قال: للعلم والعبادة. فسأله البهلول مستغرباً: مِن أين لك ذلك ؟ فأجابه: من قوله تعالى: « أفَحسِبتُم أنّما خلَقْناكم عبَثَاً وأنّكم إلينا لا تُرجَعون! »
ثمّ سأله البهلولُ أن يَعِظَه موعظة، فوعظه بأبيات، ثمّ خرّ رضي الله عليه مغشيّاًعليه.. فلمّا أفاق قال البهلول له: ما نزلَ بك وأنت صغيرٌ ولا ذَنْبَ لك ؟! فقال له الإمام العسكريّ عليه السّلام: إليكَ عنّي يا بهلول، إنّي رأيت والدتي تُوقد الناربالحطب الكبار، فلا تتّقد إلاّ بالصغار، وإنّي أخشى أن أكون من صغار حطب جهنّم
.
وأُضيف في مصادر أخرى إلى هذاالخبر: أن البهلول قال: يا بُني أراك حكيماً؛ فعِظْني وأوجز. فأنشأ عليه السّلام يقول:




أرى الدنيا تجهّزُ بانطلاقِ


مشمِّرةً على قَدَمٍ وساقِ


فلا الدنيا بباقيةٍ لحيٍّ ولا حيٌّ




على الدنيا بباقِ


كأنّ الموتَ والحَدَثانِ فيها


إلى نَفْس الفتى فَرَسا سباقِ

فيامغرورُ بالدنيا رُوَيداً


ومنها خُذْ لنفسِك بالوَثاقِ





وأمّا عباداته.. فهي أظهر من الشمس، وأشهر مِن أن تُذكر، عُرفت بتوجّهها وانقطاعها إلى الله جلّ وعلا، وباتّصالها وإخلاصها وتعدّد مجالاتها، حتّى شهد له الأعداء والموكّلون به في حبسه.. من ذلك:




• أنّ العبّاسيين دخلوا على صالح بن وصيف عندما حُبس أبو محمّد العكسريّ عليه عنده، فقالوا له: ضيّقْ عليه ولا توسّع. فقال لهم صالح: ما أصنع به وقد وكّلتُ به رجلَين شرَّ مَن قدرتُ عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمرٍ عظيم!
ثمّ أمر صالح بإحضار الموكّلَينِ فقال لهما: وَيْحكُما! ما شأنكما في أمر هذا الرجل ؟ فقالا: ما نقول في رجلٍ.. يصوم النهار ويقوم الليلَ كلَّه، ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصُنا وداخَلَنا ما لا نملكه من أنفسنا. فلمّا سمع ذلك العبّاسيّون انصرفوا خائبين .

وروي أيضاً: أنّه سُلِّم إلى نحرير، وكان يضيّق عليه في حبسه ويؤذيه، فقالت لنحريرامرأته: إتّقِ الله؛ فإنّك لا تدري مَن في منزلك! وذكرتْ له صلاحه وعبادته، وقالت: إنّي أخاف عليك منه. فقال: واللهِ لأرمينّه بين السباع.
ثمّ استأذن نحرير في ذلك فأُذِن له، فرمى بالإمام عليه السّلام إلى السباع.. فلم يشكّوا من أكلها له، فنظرواإلى الموضع ليعرفوا حاله، فوجدوه عليه السّلام قائماً يصلّي والسباعُ حوله، فأُمربإخراجه إلى داره.
وحُبس عليه السّلام عند عليّ بن نارمش ـ وهو أنصب الناس وأشدّهم على آل أبي طالب ـ وقدخُوِّل أن يُؤذي الإمام كيف ما يشاء، فما أقام عنده إلاّ يوماً حتّى وضع ابن نارمشخدّيهِ للإمام عليه السّلام، وكان لا يرفع بصره إليه؛ إجلالاً وإعظاماً، فخرج مِن عنده وهو أحسن الناس بصيرةً، وأحسن الناس فيه قولاً
.
ولمّاحبسه المعتمد العبّاسيّ عند عليّ بن جرين في سنة 260 هجرية، كان يسأل سجّانَه عن أخباره في كلّ وقت.. فيُخبره أنّه عليه السّلام يصوم النهار ويصلّي الليل
.




المناظرة السابعة



روي في بعض الكتب إن البهلول أتى إلى المسجد يوماً وأبو حنيفة يقرّر للناس علومه ، فقال في جملة كلامه : أن جعفر بن محمد (الصادق عليه السلام) تكلم في مسائل ، ما يعجبني كلامه فيها :
الاُولى ، يقول : إن
الله سبحانه موجود ، لكنه لا يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وهل يكون موجود لا يُرى ؟ ما هذه إلاّ تناقض.
الثانية ، إنّه قال : إنّ الشيطان يُعذب في النار مع أن الشيطان خُلق من النار ، فكيف يعذب الشيء بما خلق منه ؟ !
الثالثة ، إنه يقول : إن أفعال العباد مستندة إليهم مع أنّ الآيات دالة على أنّه تعالى فاعل كلّ شيء !
فلما سمعه بهلول أخذ مداةً وضرب بها رأسه وشجه ، وصار الدم يسيل على وجهه ولحيته ، فبادر إلى الخليفة يشكو من بهلول !!
فلما أحضر بهلول وسئل عن السبب ؟ قال للخليفة : إن هذا الرجل غلّط جعفر بن محمد عليهما السلام في ثلاث مسائل :
الاُولى : إن أبا حنيفة يزعم أن الاَفعال كلّها لا فاعل لها إلاّ
الله ، فهذه الشجة من الله تعالى ، وما تقصيري ؟ !
الثانية : إنّه يقول : كلّ شيء موجود لا بدّ أن يُرى ؟! فهذا الوجع في رأسه موجود ، مع أنّه لا يُرى ؟ !
الثالثة : إنه مخلوق من التراب ، وهذه المداة من التراب ، وهو يقول : إن الجنس لا يُعذب بجنسه ، فكيف يتألم من هذه المداة ؟
فأعجب الخليفة كلامُه ، وتخلّص من شجة أبي حنيفة.
____________








التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 25-08-2005 الساعة 10:19 PM
رد مع اقتباس