الموضوع: صوم نينوى
عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 18-02-2008, 05:53 PM
الصورة الرمزية ابو سومر
ابو سومر ابو سومر غير متواجد حالياً
Titanium Member
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
المشاركات: 910
افتراضي

سلام المسيح معك وصوم مجيد
اشكرك على هذا الموضوع عن صوم نينوى / الباعوثا / كما يطلقها اهل العراق
وهذا مقال ايضا بهذه المناسبة ... تحياتي القلبية

النبي المتمرّد


بقلم الدكتور صموئيل عبد الشهيد

هل سمعت قصة يونان النبي؟
قد تكون واحداً من الأكثرية الساحقة التي لا تعرف شيئاً عن يونان النبي، أو إن ما تعرفه لا يتجاوز الملامح العامة لقصته التي دوَّنها الوحي الكتابي. ولئلاّ تكون واحداً من الذين أهملوا قراءتها، فلم تلفت لك انتباها، أود هنا أن أوجز لك هذه القصة لتكون مطّلعاً على بعض جوانبها فتعي ما أرمي إليه من حديثي عن يونان.
اختار الله يونان أن يكون رسوله إلى أهل نينوى لينذرهم بما أعده الله لهم من دينونة إن لم يرجعوا إليه ويتوبوا. ولكن يونان، وهو اليهودي المتعصب لم يعبأ بهلاك نينوى وأهلها وكل حي فيها، فأراد الهرب إلى البلدة الأسبانية ترشيش. فأبحر في سفينة تجارية مخرت عباب البحر الأبيض المتوسط. ولكن ما لبثت أن هبت عاصفة هوجاء كادت أن تغرق السفينة بمن عليها؛ وبعد أن تداول البحارة في ما بينهم، وصلّوا إلى آلهتهم أيقظوا يونان الذي كان غارقاً في سبات عميق في قعر السفينة، وبعد استجوابه طلب إليهم أن يطرحوه إلى البحر فتهدأ العاصفة. ترددوا في بادئ الأمر ثم أذعنوا إلى طلبه، وألقوا به إلى اليم، فسكتت العاصفة. أما يونان فقد ابتلعه حوت وبقي في جوفه ثلاثة أيام. وعندما صلِّى إلى الله واستغفره ذنبه أمر الله الحوت أن يقذفه من جوفه إلى شاطئ البحر. من هناك مضى يونان إلى نينوى حيث كرز برسالة التوبة فنجت المدينة من دينونة الله الماحقة.
لم يغتبط يونان النبي بنجاة المدينة من غضب الله، فانطلق إلى خارج المدينة وجلس تحت ظل شجرة يتفيّأ ظلالها اتّقاءً لحر الشمس. ثم خاطب الله بقلب حزين ونفسٍ منسحقة قائلاً:
"آه يا رب أليس هذا كلامي إذ كنت بعد في أرضي؟ لذلك بادرت إلى الهرب إلى ترشيش لأني علمتُ أنك إله رؤوف ورحيمبطيء الغضب وكثير الرحمة ونادم علىالشر.فالآنياربخذنفسي مني لأن موتي خير من حياتي" (يونان 1:4-3).
وإذا أردنا أن نتأمل في مواقف يونان فإننا نجدها تتلخص في ثلاثة نوازع:

أولاً: النزوع نحو الانطوائية:
لقد ثار سخط يونان على الله لأنه كان رحيماً محباً ورؤوفاً، فأراد أن يوفر الفرصة لأهل نينوى لكي يخلصوا. لقد خلق الله الإنسان على صورته ومثاله فلم يهن عليه أن يراه يهلك بخطيئته، بل قرر أن يتيح له الفرصة أولاً لكي ينجو من الغضب الماحق الذي لا بُدّ أن ينزل به إن أبى أن يرتد عن ضلاله. هذه الحقيقة لم تطب ليونان لأن قلبه كان مفعماً بالغضب والحقد على أهل نينوى. فهم من جنس لا يمتّ بالصلة إلى شعب الله، عبدة أوثان، وأبناء هلاك. هم قوم انقلبوا على الله منذ القديم، منذ أيام نمرود الذي تمرّد على الله وعزم أن يشيد برجاً يطاول به عنان السماء، ويتحدّى به الله. أليس نمرود هو باني مدينة بابل، وهذه البلدة نينوى عاصمة الملك في تلك المنطقة من أرض الفرات التي لا يقيم فيها سوى كل عاصٍ وعاتٍ؟ لم ينظر يونان إلى قلب الله، ولم يحاول أن يكتشف عمق محبته ورحمته بل أراده أن يجري عدله ويستأصل أهل نينوى. لقد نسي يونان حقيقة مرة في تلك اللحظة. نسي أن تاريخ معاملات الله مع شعبه في القديم كان يقوم على الرحمة والمحبة، ولولا ذلك لانقرض الشعب اليهودي منذ آلاف السنين. لم يكن موقف شعب الله القديم أفضل من موقف شعب نينوى، فقد أثاروا غيظه بخطاياهم وفجورهم، وتخلوا عن عبادة الله الحي واعتصموا بالأوثان يقدمون على مذابحها تقدماتهم، ومحرقاتهم. بل إن جريمة الشعب اليهودي كانت أكثر فداحة من جريمة أهل نينوى لأن الشعب اليهودي قد اختبروا معاملات الله، وشاهدوا معجزاته، واطلعوا على نواميسه وشرائعه، ومع ذلك، فقد جنحوا نحو الشر، وابتعدوا عن إلههم، ورفضوه على الرغم من كل ما فعله لهم من خير، وما أفاض عليهم من بركات. أما شعب نينوى فلم يعرفوا الإله الحقيقي، ولم يشهدوا عجائبه. فكيف تناسى يونان مواقف الله من شعبه، وأغفل مراحمه فاحتج عليه لأنه أشفق على أهل نينوى وأظهر لهم رحمته. إن يونان لم يكن جاهلاً بطبيعة الله، ولكنه تنكّر لها.
ثانياً: النزوع نحو التعصب الديني
فيونان يهودي النزعة، يؤمن بالإله الواحد خالق السموات والأرض، وبدلاً من أن يحمل رسالة الخلاص إلى جميع الأمم ويبشّر بها، نراه يتقوقع على نفسه، ويرفض حمل مسؤولية البشارة بكلمة الله. لربما كانت هذه خطيئة الشعب العبراني الكبرى إذ قادهم تعصّبهم الديني أن يعتزلوا عن جميع الأمم.. بل الحقيقة أنهم اختلطوا بالأمم لا ليكرزوا بكلمة الحق بل ليستوردوا منهم معتقداتهم، وتقاليدهم، وعاداتهم التي كانت تتناقض مع شرائع الله. فمن ناحية أهملوا جميع ما أوصاهم به موسى، وتجاهلوا تحذيرات الله وإنذاراته، فارتكبوا الشر في عينيه كبقية الأمم الوثنية، ومن ناحية أخرى لم يبلّغوا البشارة الحية، ولم يدعوا الأمم إلى معرفة القدوس تعصباً لتديّنهم، وإنكاراً لحقوق الشعوب الأخرى بالخلاص. ومن المؤسف حقاً أن هذا الوضع الشائن الذي مرَّ فيه الشعب اليهودي لا يختلف كثيراً عن وضع الغالبية المسيحية اليوم. فإن الكنيسة قد اتخذت مواقف حيادية من أخطر القضايا التي تجابه رسالتها، ودعوتها في مجتمع أصبح الله ألعوبة في يديه وتحوّلت كلمته المقدسة إلى مأثورات عامة لا علاقة لها بخلاص الجنس البشري. فكل إنسان يؤمن بما يوحي له هواه، وينساق وراء ميوله حتى لو تناقضت مع تعاليم الكتاب المقدس، وتعليلات اللاهوتيين التي أصبحت أكثر أهمية من رسائل الرسل، وبدلاً من أن تلعب الكنيسة دوراً باهراً في تحويل أنظار العالم إلى مصدر كل خلاص ومحبة، أخضعت ذاتها للعالم، وأصبحت الكنيسة مستعبدة للنظرة "المدنيّة" تتعصب لها وتدافع عنها، وباسم التسامح تسربت البدع والأهواء إلى الكنيسة ودمّرتها أشدّ تدمير. إن "يونان" على الأقل حاول أن يحافظ على بقاء عقيدته في مذهبه التعصبي، أما الكنيسة اليوم، فإنها أخفقت في المحافظة على نقاوة التعليم الكتابي واستسلمت للعالم. لقد أخطأ يونان في تعصبه لأن الأمر الذي صدر إليه كان من عند الرب الرحوم، أما الكنيسة فقد أخطأت أيضاً لأنها نحرت وصية الإرسالية الكبرى على مذابح إهمالها "وتسامحها".
ثالثاً: النزوع نحو الوطنية
لقد غلبت نزعة الوطنية على يونان فأفقدته رؤياه الروحية، مع العلم أن هذه الرؤيا لم تكن صادرة عنه بل كانت وحياً إلهياً وأمراً واضحاً من الرب إلهه. لقد عرف يونان أن شعب نينوى، لا بد في يوم من الأيام أن يكون سبب دمار أمته واستعباد وطنه. فقد وردت النبوءات تعلن هذه الحقيقة، ولم يكن يونان غافلاً عنها ولكن كان لله مقاصد تختلف عن مقاصد يونان. ولم يكن الله إلهاً محلياً، بل هو خالق السماوات والأرض وفاطر هذا الكون بأسره. والواقع أن الله كان يسعى لإنقاذ شعبه من المصير الرهيب لأنه وفّر له فرصاً عديدة للرجوع إليه حتى إبّان الفترة الأخيرة من تاريخه القديم، ولكن الشعب تمادى في إثمه، ولم يتصوّر في لحظة من اللحظات أن الله سيتخلّى عنه. لقد أدرك يونان، بوحي إلهي جميع هذه الحقائق، فازداد سخطه وغضبه، واشتدت فيه نزعته الوطنية ضد أعداء أمته. كانت كل قطرة من دمه تهيب به أن ينتقم من أعداء وطنه فما بال هذا الإله، إله إسرائيل يأمره الآن أن يذهب إلى نينوى ويكرز بالتوبة فيها كي تنجو من الإبادة؟ إن هذا لا يتّفق مع العقل والمنطق. ونسي يونان أن المنطق هنا هو منطقه وليس منطق الله، وأنه يحتجّ بوحي من كراهيته وحقده وليس بدافع الرحمة التي تملأ قلب الله.
والسؤال الخطير الذي أطرحه في ختام هذه المقالة. ما هو موقف المسيحي الروحي من أعدائه وأعداء أمته؟ هل تغلب كراهيتنا وحقدنا على أعدائنا على منازع المحبة والشعور بالمسؤولية من أجل خلاص النفوس الضالة؟ أتحفّزنا نقمتنا على الذين أساءوا إلينا على اللامبالاة، فنترك هذه النفوس التي مات المسيح من أجلها غارقة في ظلمات جهلها وخطيئتها؟ وماذا عن وصية الإرسالية الكبرى التي عهد بها المسيح إلينا، هل نهملها ونتغافل عنها؟ إن فعلنا فسيأتي ذلك اليوم الذي نقدم حساباً عسيراً عن أنفسنا أمام عرش الله الديان.
__________________
ܐܠܠܗܐ ܚܘܒܐܗܘ
ܡܘܢ ܢܐܬܪ ܒܪܢܘܫܐ ܐܢ ܥܠܡܐ ܢܩܢܐ ܘܢܦܫܗ ܢܝܚܣܪ
- الله محبة -

((ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم وخسر نفسه ))

// الرب يسوع حامي بلاد الرافدين //
// طور عابدين بلد الاجداد الميامين //

التعديل الأخير تم بواسطة ابو سومر ; 18-02-2008 الساعة 05:57 PM
رد مع اقتباس