´´
طالما وجّه الروح القدس نصيحته للحكام بأن يُقِّبلوا الابن لئلا يغضب، دون جدوى . وقال لهم «عن قليل يتقد غضبه» (مز2 :12)، فسدوا آذانهم، وانصرفوا لحال سبيلهم. ها قد جاء الغضب فعلاً، ومن يستطيع الوقوف ويالها من سخرية أن الأصحاح الذي تمني البشر في بدايته السلام والأمان، يختم بالهلاك بغتة ولا نجاة (1تس5 :3). حق لهم أن يقولوا مرثاة إرميا الأسيفة «مضي الحصاد وانتهي الصيف ونحن لم نخلص» (إر8 :20)
* * * *
يتوقف الرب عن الاسترسال في هذا الحديث. فقبل فتح الختم السابع وبالتالي فتح السفر الذي هو صك ملكية الرب لكل ما اقتناه له المجد بدمه الغالي ، ذلك الختم الذي هو في ذاته مقدمة للأبواق السبعة وما تتضمنه من دينونة رهيبة، فإن الرب يأتي مقدماً بمشهد رحمة وسط مشاهد الغضب (حب3 :2). إن سرور الرب الحقيقي هو في الرحمة لأن القضاء هو فعله الغريب (إش 28 :21). وفي وسط العواصف والأمطار الشديدة كم ينعش القلب ظهور قوس القزح في السحاب، فلن يهلك كل بشر بل هناك بقية ستخلص بالرحمة من اليهود والأمم من المهم أن نلاحظ أنه في الوقت الحالي لا يفرق الله بين اليهود والأمم، بل إنهما معا يكونان إنساناً واحداً جديداً (أف2 : 11-22). أما بعد اختطاف الكنيسة، عندما يغلق الباب نهائياً في وجه المسيحيين بالاسم، سيخلص الرب أشخاصاً من كل من اليهود والأمم، وسيعود التمييز بينهما كما كان قبلا. . لذا نجد ملاكاً آخر طالعاً من مشرق الشمس معه ختم الله الحي ، يأمر الملائكة الأربعة الذين أعطوا أن يضروا الأرض والبحر بأن لا يفعلوا حتى يتم ختم الأمناء على جباههم. فقبل القضاء سيتم ختم المختارين للدلالة على حفظهم (حز9 :4-6). وكم هو جميل أن من الأسباط الاثني عشر هناك ناجون. ومع أننا نرجح أن العدد المذكور (وهو 12000 من كل سبط) هو عدد رمزي سبب اعتقادنا هذا هو ما يقدره الوحي في أماكن أخري أن عدد المخلصين من هذا الشعب سيكون جيشا عظيماً جداً جداً (حز37 : 10 قارن مع 1 أخ 12 : 22، مز110 : 3). ، إلا أن الحقيقة مؤكدة. فتلك العظام اليابسة التي رآها النبي حزقيال في يومه من كان يظن أنها تقوم وتحيا. لكن هذا ما لابد أن يحدث كما قال له الله القادر على كل شي ء (حز37). على أنه ليس من اليهود فقط، ولا من الأسباط الاثني عشر فحسب، بل أيضاً من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة «جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده» (ع9).
إذاً فهذا الفصل يحدثنا عن ناجين من اليهود ومن الأمم. ولكي يلفت الوحي نظرنا إلى تميز هذين الفريقين نري أن عبارة «بعد هذا» ترد في فاتحة كل قسم من هذين القسمين (ع1، 9). الفريق الأول يصور لنا أمانة الله، فعدم أمانة هذا الشعب لا تبطل أمانته هو من جهتهم (رو3 :3،4و 11 :25-29). والفريق الثاني يصور لنا حكمة الله الذي أمكنه أن يخلص هذا العدد الضخم الهائل من كل الشعوب، في زمن ردئ كهذا هو زمان إثم النهاية، وفي أيام معدودة وقليلة هي أيام الضيقة العظيمة المقصَّرة. والفريقان معاً يصوران قوة الله الذي حفظ هؤلاء وأولئك رغم اضطهاد الوحش والنبي الكذاب لهم، ومن ورائهما الشيطان ببطشه وشراسته.
ولهذا فإنه عندما كانت لدى يوحنا في (ع 13) استفسارات داخلية لم يفصح عنها، فإن واحداً من الشيوخ أجابه عليها بأن هؤلاء المتسربلين بالثياب البيض هم الذين يأتون من الضيقة العظيمة - إنهم والفئة السابقة من اليهود يكونان معاً رعايا الملك الألفي ، وهم يشبهون إلى حد ما الفريقين المذكورين في متى 25. الفريق الأول هم إخوة الرب الأصاغر من اليهود، والفريق الثاني هم الخراف الذين عن اليمين من كل الشعوب. هؤلاء وأولئك سيدخلون الملك الأرضي بأجسادهم الطبيعية مكونين ما نقرأ عنه في أماكن أخري من الكتاب «ملكوت ابن الإنسان» (مت13 :41). لذا نجدهم هنا يحتاجون لأكل وشرب والخروف نفسه سيحل فوقهم للرعاية. وما أجمل هذا؛ فهو ليس فقط الحمل الذي ذُبح لأجلهم (ع14)، بل أيضاً هو الراعي المهتم بأمورهم (ع17). وطبعاً ستتغير أجساد هؤلاء القديسين الطبيعية إلى أجساد روحانية بعد الألف السنة
´
|