عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 14-08-2005, 11:52 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,652
افتراضي ألم الرّحيل المبكّر

ألمُ الرّحيل المبكّر

وقف (جاك) في محطّة القطارات ينتظر قدوم حبيبته (مارلين) وهو يرقب كل قطار قادم وقلبه يهبط فرحاً علّه يلتقي بها كما كلّ مرّة، وكان يأمل في كلّ قطار قادم أن يحمل إليه بشرى وصولها.

لقد تحابّا منذ شهرين وكان الانسجام والتفاهم الحاصل بينهما يكاد يشعر المرء بأن عمره سنوات طويلة، كانا اتفقا على خطوط حياتهما المستقبلية العريضة وعاشا معاً لحظات حبّ جميلة، وعلى الرغم من قصرهذه المدّة التي تعارفا فيها إلا أنّهما بلورا محوراً كان من المقرر أن يشهد ولادة أسرة سعيدة تنعم بالدفء والمحبة والهناء.

كان (جاك) يسكن بعيداً عن موضع سكن (مارلين) ودراستها بحوالي خمسين كيلومتراً، وكانت هي الإبنة الوحيدة لوالدين غنيّين تخرّجت في العام الفائت موظفة و تعمل الآن في إحدى الدوائر الرسمية. فيما كان (جاك) أكبر أخوته الثلاثة وهو أتمّ تحصيله العلمي وتوظّف في إحدى الشركات المشهورة كمهندس كهربائي وهو مسرور بعمله وبما يتقاضاه من أجر.

قدم القطار الذي كان من المفترض أن تأتي فيه (مارلين) حاملة معها بشاشة وجهها المعهودة وهو يمنّي نفسه بأحلام أيام جميلة سيمضيانها معاً في هذه العطلة، وكانتْ قد تلفنت له معلمة إياه عن موعد وصول قطارها ليكون في الوقت المناسب في استقبالها ونقلها بسيارته إلى داره التي شهدت أيام حبّ وغراميّات عشق طيّب لا تنسى ولكي يتسنّى لهما الاحتفال بهدوء بعيد ميلاده الخامس والعشرين والذي يصادف غداً.

وصل القطار ولم تصل (مارلين) فظنّ أنها لم تلحق به فاستقلّت قطاراً آخر وعليه أنْ ينتظر ساعة أخرى إلى أن يأتي القطار التالي ومع مجيء هذا القطار أيضاً لم تأت حبيته فبدأ القلق يساوره والخوف يأخذ بمجامع نفسه وقلبه. ماذا يمكن أن يكون حصل معها؟ سأل نفسه لكنه لم يجد جواباً فكلّ الركاب نزلوا ولم يبق أحد في القطار.

لم تحضر (مارلين) فانشغل بال (جاك) كثيراً... حاول الاتصال بوالديها علّه يقف على خبر عودتها إلى البيت أو هما يعطيانه جواباً عن بعض من كثير من الأسئلة التي باتت تنخر في فكره لكنه وللأسف لم يلق جواباً مريحاً أو شافياً بل جواباً زاد من قلقه أكثر وبات على يقين أن مكروهاً ما قد حصل ل (مارلين) لكنه صار يقول لنفسه: لا... لا ... لا أظنّ ذلك فلو حصل معها أمر ما غير عادي لكانت تلفنت لي واخبرتني !

لم يبق أمامه سوى محاولة أخيرة سيقدم عليها ربما تحمل إليه اطمئناناً وهدوءاً ف (ليلى) صديقتها الأمينة وهي كاتمة أسرارها ولا تكاد تفعل شيئاً دون أخذ رأيها، فهما كانتا تعيشان كأختين فكلاهما حرمتا من أن تكون لهما أخت تشكوان حالهما إليها وتبوحان بسرهما إليها، وحاول الاتصال بها وحين أعلمته أنها لا تعرف عنها سوى أنها قادمة إليه بدأ الشك لديه يتحوّل إلى شبه يقين قاطع من أن الذي يمكن أن يخشى منه قد وقع فعلا.

إلى منْ سيذهب في إدارة المحطة؟ ومنْ سيسأل؟ وهو يعرف أن مثل هذه الرحلات لا يتمّ تسجيل أسماء المسافرين بقوائم وبإمكان كل فرد أن يسافر ببطاقة سفر صالحة. "إن الوضع غير طبيعيّ" قال (جاك) وهو يرفع صوته دون علم منه وهو لم يدرك ذلك إلاّ بعد أن لاحظ شخصاً مارّاً بالقرب منه ينظر إليه باستغراب فهوكان يحدّث نفسه وبصوت عال، لا شك أنه شخص مجنون (هكذا تخيّل للشخص المارّ). وفعلا بدأ أعراض جنون بالظهور على تصرفاته فهو يسير هنا وهناك على غير هدى. جلس على كرسي في المحطة محاولا استجماع قوى تفكيره ليحسن التصرف في مثل هذه الأحوال وبعد حوالي النصف ساعة قرّر مغادرة محطة القطار والذهاب إلى موقع الشرطة ليبلّغ عن الأمر، وهو لا يعرف نوع ولا ألوان الملابس التي كانت ترتديها وهي في طريقها إليه ومثل هذا الأمر يفيد البحث والتحقيق لدى الشرطة.

ذهب (جاك) إلى أقرب قسم للشرطة وبلّغ عن اختفاء صديقته فيما كانت في طريقها إليه في القطار الذي يذهب من... وإلى... وكانت ساعة الوصول الواجبة هي الساعة كذا وغيرها من المعلومات التي يجب تقديمها للشرطة في حال الإعلان عن حالة اختفاء أو فقد لشخص ما. وعدته الشرطة بأن تقوم بالإجراءات اللازمة وهي سوف تعلمه عن أية معلومات تتوفّر لديها.

غادر (جاك) قسم الشرطة وهو حزينٌ جداّ ونسي يوم ميلاده ونسي الدنيا ولم يعد يفكّر بغير حبيبته (مارلين) التي بدأ الآن يخاف عليها أكثر من أي وقت مضى. إنّه يحبّها ولا يستطيع أن يتصوّر حياته من دونها. فهي كانت انسانة رقيقة وجميلة وطيّبة ومرحة وذكيّة ومتفّوقة في عملها شهد لها بذلك رئيسها في العمل لأكثر من مرّة.

مضتْ الأيام وهو يسأل بين الفينة والأخرى قسم الشرطة عمّا إذا توفرّت معلومات جديدة عن (مارلين) لكن بدون نتيجة تدخل الراحة إلى نفسه المتعبة وقلبه الحزين. إلى أنْ رنّ هاتف التلفون في أمسية أحد الأيام وكان النبأ الصاعقة من قسن الشرطة بأنّ صديقته قتلتْ! قُتلتْ؟ ... قتلتْ؟ لماذا قتلتْ وهو يصرخ ويبكي... إنها لم تكن لتؤذي أحداً بل كانت لطيفة وتحبّ كل الناس! لماذا يا ربي كلّ هذا؟ ولماذا هي بالذات؟ هرع كالمجنون الذي لا يأوي على شئ إلى قسم الشرطة وهناك عرف الحقيقة المرّة إن المجرم المجهول اغتصب عذريتها التي كانت ترغب في تقديمها إليه كأعظم هدية في يوم زواجها المؤمل منه...حقّاً قتلتْ (مارلين) أروني جثّتها بربّكم ثمّ بدأ يتصرّف كمجنون فعليّ وخاصّة عندما كشفوا له على جثّتها وهي مشوّهة ومفروشة بدمائها المتجمّدة على جسدها الناعم هذا منذ أيام... لم يصدّق... فصرخ إنها ليست هي... أجل إنها ليست (مارلين) فهي وعدتني بغير هذه النتيجة ثمّ بدأ يضرب الحائط برأسه وإلى أن وصلوا إليه كانت الدماء تنزف من جبهته فسقط أرضاً ولدى معاينته تبيّن أنه أصيب بنزيف في الدّماغ من شدّة الضربات ولم يتمكنوا من إنقاذه بل ربما لو كان صاحياً لما رغب في ذلك بل لشاء ألا يدع حبيبته هناك بعيداً بمفردها فهي تحتاج إلى منْ يؤنس وحدتها وليس سواه بقادر على ذلك وبجدير أن يكمل معها مشوار الحبّ الذي بدآه معاً لقد صدق منْ قال "ومن الحبّ ما قتل".

التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 14-08-2005 الساعة 12:10 PM
رد مع اقتباس