المكان الذي تبوس فيه السماء الأرض
أختي الحبيبة جورجيت:
فعلا القصص التي تختارينها ويختارها أخونا ألياس إنما هي دائماً ذات مغزى وفائدة، وهي تحمل النصح والإرشاد المجّاني وليست مثل هذه القصص إلاّ خلاصة تجارب الناس فهي إذن حكمة وتوعية وهذا يبدو جليّاً في قصصك وقصص ألياس. أما عن الجنة الحقيقيّة في هذه الأرض فهي فعلا بيت الإنسان وأسرته، فهو إن كان مرتاحاً في بيته فهي الجنة ومتى لم يكن مرتاحاً فهو في جحيم مطلق. وأهل آزخ على الرغم من بساطتهم استطاعوا أن يتفهموا هذا ويجعلوا للبيت أهميّة بل وضربوا أمثلة كثيرة في هذا المجال وممّا قالوه: "جنّتي بيتي" أي أن المرء يحسّ وهو مرتاحاً في بيته كأنه في جنّة النعيم، وقالوا: "بيتي بيتاتي، يخبّي عيباتي" و "المالو بيت ما لو ربّ" و حزّورة "لي بيت... لي بيت" كنا نتحزّر لنعرف أية عائلة هي المقصودة ولم تكن تلك الحزازير للتسلية فقط بل هي كانت تدلّ بوضوح على مدى عمق الحياة الاجتماعيّة المشتركة التي كنا نعيشها فكل واحد كان يعرف الأخر، كل عائلة كانت تعرف تقريباً كلّ شئ عن العوائل الأخرى وهنا في أوروبا الجار لا يعرف عن جاره شيئاً وربما لا يعرف أنه جاره ، والأولاد قلّما يسألون عن آبائهم!
إنّ مثل هذه الظواهر الحياتية كانت ثرية بالمحبّة والإلفة والترابط والمشاركة، فحين كان يلمّ بأحد ما مصاب كان الكل يسأل عنه ويقف إلى جانبه ممّا كان يخفف من وقع الشدّة والمحنة عليه، وللبيت أثر كبير في حياة المرء وتكوين الشخصية الاجتماعية ونقول على سبيل المثال تدليلا على أهميّة البيت المثل القائل: "البيت مدرسه وه" أي البيت هو مدرسة وتربية وتوجيه وهو الدروس الأولى للمرء في الحياة العملية. بارك الله فيك وبأخينا ألياس لما تقدمانه من جهد طيّب ومن نتاج مفيد ومسلّي. أخوكم فؤاد
|