عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 23-04-2007, 12:35 AM
SabriYousef SabriYousef غير متواجد حالياً
Silver Member
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 594
افتراضي

الصديق العزيز أبو نبيل
تحية

أوافقكَ على تعقيبكَ تماماً، وأنا يا صديقي عندما ردّيت على أنه ليس من الضروري أن يفهم المتلقي وجهة نظر القارئ بل يكتفي أن يتذوقه ويستفيد منه بصيغة أو بأخرى، قاصداً بذلك أن ليس بالضروري أن يفهم القارئ أو المتلقي أو الناقد رأي ووجهة نظر الشاعر مثلما يفهمه الشاعر الكاتب، فأحياناً يشطح الشاعر خاصة في التداعيات والتألقات السريالية، أو الرمزية أو أي أسلوب آخر، فيه نوع من الخصوصية والعمق، ففي هذه الحالات ربما بعض القرّاء غير العميقين في الولوج إلى عوالم فضاءات الشاعر، فلا يفهموا قصد الشاعر، ففي هذه الحالة لا أهدف من هكذا قارئ سوى أن يتمتع بقراءة نصي أو يتذوقه وحتى إن لم يتذوق أو لم يستفد منه فهذا رأيه! بمعنى آخر الشعر فيه نوع من النخبوية، خاصة الشعر العميق والجامح، هذا يحتاج إلى قارئ لبيب وعميق وناقد له خبرته في التوغل في عوالم هكذا نوع من الكتابة، وإلا لو نظر قارئ عادي إلى نص من نصوص الأب يوسف سعيد، الأرض السماء التراب الماء، فضاءات الأب يوسف سعيد، سيقول عن هكذا نصوص انها غير مفهمومة وغامضة وربما يعتبرها نصوص ضعيفة نظراً لأنه لا يستطيع أن يتذوقها ولا أن يفهمها، فليس من مهمة الشاعر في هذه الحالة أن يفهّم مَن لا يفهم هكذا نص، وما ينسحب في هذا الجانب ينسحب أيضاً على الفن التشكيلي فالذي يرسم لوحته بطريقة سريالية أو تشكيلية وتجريدية معينة مركّزاً على اللون والتناغم اللوني والهارموني وإلى آخره من تجليات اللون، فيأتي مشاهد ما لا يفهم ماذا يعني اللون والتجريد ويطلق أحكاماً مسطحة على هذا النوع من الفن، وهكذا يا صديقي، الفنان المبدع شاعراً كان أو رساماً أو موسيقياً يبدع لنفسه أولاً وللقارئ والمتلقي ثانياً وكل إبداع يخرج للنور بكل تأكيد يصبح من حق القارئ يقول مايقوله عنه، لكنه هناك قول موضوعي وهناك نقد عميق وهناك نقد وقول وتعقيب غوغائي وغير موضوعي وبالتالي لا يصب في خانة النقد بقدر ما يصب في خانة التطفل على فضاءات الإبداع ورحاب النقد، لهذا أرى أن الناقد هو كاتب، يقرأ النص بطريقة مبدعة بحيث يغوص في أعماق الكاتب ويبرز إبداعه بطريقة ربما يعجز الشاعر نفسه عن إبرازها، وهذه من مهمة النقد، لا أن يأتي ناقد هاوٍ أو ناقد غير عميق ويطلق أحكامه على الشعر المهجري برمته ويعتبره خالياً من الحكمة ومن الموهبة، وهناك آلاف الشعراء والشاعرات لم يسمع بهم ولم يقرأ لهم، هذه أحكام غير منطقية، حتى نحن الذين قدم ورقته عنا، لم يقرأنا بعمق ولم يقدّم ورقته بشكل دقيق، فلم يضرب مثلاً واحداً أو شاهداً عن نصي كي يشرح للقارئ خصوصية ما من خصوصية نصي، بان اكتفى بكلام انشائي لا يصب في خانة النقد والتحليل!
من البديهي يا صديقي أن يفهم المتلقي نصنا، فلا نكتب لأنفسنا فقط، لكن هذا الذي يفهمنا لا بد أن يكون قارئا عميقاً دقيقاً ومتذوقاً للشعر وله خبرة في هذا المجال!

سأقول لكَ نكتة ربما تناسب هذا السياق!
كان والدي أيام زمان يشاهد البرامج التلفزيونية وكان هناك برنامج ليوسف الصيداوي عن اللغة، والاعراب وأصل الكلمة ومشتقاتها والخ، وعندما كان يقدم الصيداوي برنامجه كان والدي ينظر إليه بضعة دقائق مركّزاً جل إنباهه على الضمة والكسرة والممنوع من الصرف، وخبر محذوف مقدم تقديره كذا وكذا ثم يتوغل في تفاصيل لا يفهمها الصديلاني أو المهندس فكيف سيفهمها والدي الفلاح، وكنتُ أقول بابا أراك منسجماً مع البرنامج، فكان يقول لي،
موتعرف يا صبري أشقد أعنت من هذا، ورّم قلبي، بوش لملمو كيسير، فادي كيقمش من كتر ما ورّم قلبي، موتقلّي اش كيقل هذا الراس الدانوك، شيلو أحسن ما أظربوا كبالي وأكسر سمو المفتوح كما الجابكة، على اش كيحكي؟؟؟؟ هاهاهاهاها
فكنتُ أقول له ، ولو أبو سليمان، كيحكي على بيرمة آزخ؟ فكان يندهش قائلا لي، قي راس الدانوك أزخيني وي؟
طبعاً أزخيني وي، فكان يجيبني، لٌخا قي ميحكي كمانا؟
لأنه عاش في الشام ونسي أزخينيته، فكان يقول، كاكا يوم أسود لمّا راح راس الدانوك للشام، هاهاهاها
كان يجري حوار بيني وبين والدي أجمل من مسلسل غوار الطوشة، فتصور!

وهناك آلاف بل ملايين القراء على طريقة الوالد، ناهيك على أن الشعر له فضاء وقابل للتأويلات وكما قلتَ في ردك كل قارئ وناقد له رؤيته قد تقترب أو تبتعد من جوهر النص فالأمر يتعلق بقدرة القارئ على التوغل في أعماق النص!

تفضل إليك ورقة الكاتب حسين سليمان التي نشرها في جريدة الزمان، وعلى ضوئها قل كلمتك وانطباعكَ على تحليله ونقده وابتعاده عن جوهر أسس النقد والتحليل

.................................................. ..............
الشعر السوري اللبناني في مرايا المهجر
2007/03/21



الشعر السوري اللبناني في مرايا المهجر
استعادة الريحاني ومطران ونعيمة في مهاجرين جدد

حسين سليمان
هل حقق رواد الأدب المهجري الذي كان معظمهم من بلاد الشام المؤتمل الذي يطمح له الأدب بشكل عام؟ هل كان هناك رواد شعر مهجري لا يميزهم فقط عامل البعد بل أسلوب الرؤية ونمط الروح الجديدة التي اختلطت بروح غريبة؟ في تلك الآونة التي ازدهر فيها الأدب المهجري ممثلا بأمين الريحاني وجبران ونعيمة ومطران كان الأدب العربي يزدهر أيضا في الداخل ويترقب الحداثة (الشعرية) ويتأهب لفتح نافذته لاستقبالها سواء عن طريق الداخل أم عن طريق الخارج. وان نلقي نظرة خاطفة لما حدث فسنستلهم نظرة واحدة ألا وهي أن الأدب المهجري لم ينفصل عن أدب الداخل فقد كان يتغذي من نسجه ويعتال عليه وبالتالي لم يضف إلي روحه ماكان يجب أن يضيف من روح عالمية سائدة آنذاك.
منذ سنتين تقريبا أقام الأديب السوري لطفي حداد مؤسسة جذور الأدبية ومعه بعض الأدباء ذلك أن حلم رابطة القلم والعصبة الأندلسية مازالت في أذهان المهجريين وخاصة المقيمين في أمريكا، كانت إنطلاقة جميلة ملئية بالأمل لكنها لم تمش كما خطط لها وحصل انقسام فيها أشار إلي البون الشاسع بين أدباء الآن وأدباء رابطة القلم. هذا يؤكد أن مفهوم الأدب المهجري مفهوم غائب وغير محقق. وسيعمل إذن الأدباء المهجريون الموهوبون فرادي من دون عصب أو روابط.
لقراءة آمال نوار يجب التحلي بقدرة التجريد وبالخيال الجديد الذي يؤسس لعوالم غريبة الطابع لا يستسيغها المرء في البداية. ويبقي عالم المهجر غربة فهي احدي أسس المقام الشعري عند أغلب المغتربين. لرصد لغة المهجر في قصائد آمال نوار يجب التعرف إلي عوالمها قبل هجرتها إلي الولايات المتحدة. والسؤال الآن ماهو مدي تأثير المهجر في العمل الأدبي؟
معظم أعمال المهجريين يبحث في الاغتراب ومقارنة روحهم الضائعة مع روح كانت لهم ايام وجودهم في الوطن الأم. هذه اللعبة الأدبية لم تتجاوز خطي المهجريين الأوائل ومع الاعتبار أن الزمن تجاوز محنة اللوعة الرومانسية ولغة وجدان بداية القرن الفائت فإن الصورة المهجرية الآن صورة قاتمة لا ترتفع فوق صورة الرواد.
ومع أن المنعطف السياسي أكثر بروزا وأكثر وضوحا مما كان سابقا إلا أن المعرفة والوضوح لم تمنحا الروح طاقتها الإيجابية فهناك انقسام ذو طبيعة ديمقراطية بين الكتاب المهجريين في كيفية تناول قضية الوجود العربي. هذا الانقسام بدا في أكثر من مرة تشتتا منه تفردا في الرأي. الذي أريده هنا هو الموقف السلبي من طبيعة الأمل العربي.
في مقطع قصيدة آمال نوار نقرأ الطابع الإيجابي وأننا أمام شاعرة تقرأ ظهر الكف كي تقول مافي باطنه. يجب قراءة الإطار قبل قراءة ماداخل الإطار وهذا ماتجيده آمال نوار ــ ربما هنا إضافة اسلوب جديد؟ فهي لاتقول الكلمات بقدر ماتقول الإطار وهي عملية صعبة وشاقة ــ وفي الواقع هي عملية اختراع صعب لوظيفة اللغة. يتضح ذلك أيضا عند الشاعرة اللبنانية الفلسطينة الأصل منيرة مصباح حيث لغة القصيدة ليست بين طيات الأسطر بل هي خارج الفيض والمعني التي تقوله الكلمات. هنا كأنها محاولة لتحميل اللغة وظيفة أخري ذلك لتغيير مميزاتها وقدرتها المألوفة. في مجموعتها الشعرية "تاج علي الحافة" نقرأ مقدرة آمال نوار علي التجريد وفي القصائد طاقة لا توجه الي الصورة الشعرية مباشرة بقدر ما توجه إلي الطاقة الصوتية المجردة، إلي النفس الذي يحمله الهواء، وكأنما الطاقة هنا جاءت كي ُتذهب من قوة التجريد وتمنح عروق القصيدة الحياة والجمال. في مفتتح المجموعة قصديتها الطويلة أخف من النسيان:
"أيتها الدروب/ بأي عصفور أجرح طبيعتك الهامدة/ وبأية ظلال أتفاقم لأتقن الغبش؟/ سأخلط رغبتي بمطر ثقيل/ وأدع المرارة تشتد في حبيبات/ سأتواري في طيات الألم/ وفي القصب العميق للخواء"
" يسكنني الشوق مثل محطة/ تعبق روحها بالصقيع،/ ويرشح فخارها بغصات عنب/ وزعت حباته في حقائب/ وأهرق دمه في خاطرة"
كيف يمكن ــ مثلا ــ أن نفهم البيت الشعري "وبأية ظلال أتفاقم لأتقن الغبش؟"؟ فالبيت قد زلزلته كلمة "أتفاقم" "وبأية ظلال ... لأتقن الغبش؟" كان من الممكن أن نفهم البيت بسهولة لو حلت كلمة أتحد مكان اتفاقم. بأية ظلال أتحد لأتقن الغبش؟ ثم الظلال غير الغبش وهنا في هذا المزج انبعثت صور تجريدية صعبة تمر بستارها الحاجب فلا يبقي منها غير الطاقة التي يحسها القارئ. وبعكس المصرية إيمان مرسال التي تصنع صورها السهلة (سردية الطابع) وتفاجئ بها القارئ نجد أن صور آمال صور بعيدة المدي وقد تكون ناضبة لمن لا يملك رؤي واسعة. وعكس ذلك ما نراه عند الشاعر السوري مروان علي حيث يخطو ببساطة علي طريق مستو ــ علي الطريقة الكردية الصوفية ــ ويحمل قصائده بغربة شديدة طابعها صوفي سردي: أنا مروان علي/ ولدت في القامشلي/ وسأموت في امستردام/.... حملتني الحياة حملها الثقيل وكنت كمن يمشي علي الماء أحيا وأفكر بالآخرين/ ناسيا نفسي وحياتي الشخصية لدرجة كنت اشعر انني الآخرون وكان الآخرون ينظرون الي/ غريبا عنهم " تختلف قصائد مروان علي عما نقرأه من قصائد لشعراء آخرين ذلك بما تحمله من تجارب حياتية مباشرة لا تعود إلي الذهنية والثقافية التي تقتل في الأغلب روح الشعر.

صعوبة صناعة الصورة
مما نطالع من أشعار ونصوص أدبية نجد أن المستوي العام هو مستوي يتذبذب مع العالمية ويقترب من المعاصرة إلا أن المعاصرة صفحة محيط واسع لا يدل علي سموها سوي الصور الجديدة الغريبة والتي يصعب صناعتها وكذلك مقدار الروح التي تخفق فيها. الشكل الذي يكتبه الشعراء هو شكل حديث إلا أن الحداثة هنا لا تكفي فلقد تحول الأدب وأمسي صيغة ذاتية حرة تعكس بعض الأحيان خبرة براغماتية.
هنا يقلب لطفي حداد صفحة الاغتراب واللوعة كي يقول ان الاغتراب هو بحث عن الحضارة. يصير السوري حضاريا حين يعيش بعيدا عن الوطن.
وبشكل عام نري أن الرؤية الابداعية في المغترب الآن هي رؤية قد حسرت مكانة اللوعة في القصيدة كي تحل محلها النظرة ــ بعيدة المدي ــ الكلية للوطن الأم.
تلعب أيضا فرات اسبر لعبة ذكية حين تنظر الي الماضي وتدمج حدثين في حدث واحد اسمه الغربة. فالغربة الان هي غربة الزمن الذي ابتعد عن عمر الطفولة وغربة المكان الذي ابتعد عن مكان الوطن.
الحالة كما أنها مقارنة بين العصر الواقع وبين عصر رواد الشعر المهجري. حيث نري أن العصر الحالي يمتاز بالشجاعة وبالتنوع وقد أضاف عاملا آخر إلي أعماله ألا وهو الحرية فالمرأة الشاعرة تبحث عن معني انوثتها في مجتمع ذكوري ــ ليس بالبحث من أجل التقاط صوت غريب بل بحث له طابع القلق الوجودي والرجل الشاعر يبحث في ميدان الحب ومتعة الحياة وفوق كل ذلك هناك غطاء الوطن وهمومه لكنه يبقي في الساحة الخلفية ويصعب بعض الأحيان تبيانه.
وإن كان ثمة اختلاف بين شعراء المغترب وبين المقيمين في الوطن الأم فهو اختلاف طيع اللغة وأنزلها من إيقونتها لغة جديدة أو مختلفة ويكفي لهذا أن نجازف ونقارن بين شاعرين كي نري مقدار الاختلاف. حيث امتزاج اللسان بلغة أخري أضفي ميزة توسيع الحدود الضيقة مما جعل عملية بناء الصورة الشعرية لها حدين او بعدين ذلك لانتمائها الي الصورة الانكليزية والي الصورة العربية معا.
السؤال المطروح الآن سؤال خالج الكثيرين وهو عن مدي أهمية الأدب المهجري المعاصر: لماذا تقاعس عن الركب ليجعل من أدب الرواد مثالا لا يمكن الوصول إليه؟
يبدو لوهلة قد تكون حقيقية وصادقة أن الأدب المهجري أدب معزول غير معتني به كما كان في السابق، أدب لا يفتح نافذته علي العالم، وكأن الكاتب الشاعر كما هو شأن كثير من كتاب الداخل لا يكتب إلا لنفسه، لا يكتب سوي لمرآته الذاتية. ومع أن هناك نوعين من الكتاب ينتجان في النهاية صورة الأدب، الأول من يسلط الضوء علي المشاريع الخارجية والثاني من ينزوي ويدخل في النفس لعناق الذات. في كلا الحالتين يجب توافر الرؤيا التي يعمل عليها الأدب. فمن دون رؤيا وموهبة اختراق المألوف سيكون العمل الأدبي من دون عمر، يموت في مهده. ويلمح د. مشوح إلي حالة كتاب المهجر حيث كتاب المهجر يكتبون الشعر لأن لديهم فراغا ووقتا!! وهنا قد تصدق هذه المقولة ذلك حين يلاحظ المرء انعدام الموهبة في أعمال المهجريين. لكن هذه المقولة ايضا تصدق علي معظم كتاب الداخل.
إن كنا من المؤمنين أن الأدب المهجري المعاصر هو أدب دون المستوي مثله مثل أخيه أدب الداخل فربما سنوفر التحليل بكلمة قصيرة وهي أن الأدب بشكل عام قد وصل نهاياته حيث سنجد الألمعية المبدعة تتحول إلي مجال التقنية وعلوم الاستهلاك وإن مبدعي العصر قد هجروا الأدب نحو مناح أخري. وقصة موت القارئ أو القراءة لم تأت من عبث. إنها تنحدر ويكاد يندر بعد اليوم وجود قارئ حريص جاد.
وهكذا بانعدام القراء ينعدم الابداع وينحسر النقد وتتغلب الصحافة والدعاية اليومية علي الحساسية الروحية.
لقد توقفت مرات عن قراءة رواية سارماجو "سنة موت ريكاردو ريس" أنفقت اكثر من خمس سنوات اقرأ بين فترة واخري الصفحة الاولي ثم أرميها جانبا، هل كانت الترجمة السبب أم كان الاسلوب والنهج أو طريقة التفكير؟ سأقول ان الخيال الذي يحرره سارماجو هو خيال غريب يلتف ويلتوي كموج البحر، يخرج نحو العالم ثم يعود إلي الأعماق، كلما احاول ان اقرأ هذه الرواية أقع في شرك غير مبرر، شرك وهمي أن هذا العمل هو عمل ساذج، لذا لعبت مع الرواية لعبة أخري أن أقرأ عنوة خمسين صفحة منها ثم أقرر تركها أو متابعتها. لكن في الصفحات المتقدمة أكتشفت الترداد الذي يعمل عليه هذا الكاتب وعندها امتلكني العمل، أكاد أقول ان هذا العمل هو معجزة أدبية.

هل يتعافي النص ويتوهج؟
لقد عزز هذا الدرس حالة القراءة عندي، فالقراءة فن وموهبة، لا يكفي أن أنتظر كي يتلقفني النص كشبكة صيد بل علي كقارئ أن أكتشف النص وأحرره من موته. النص العميق كما أظن هو نص قد أوقعته الحروف والكلمات وصار فريسة تحتضر وينتظر القارئ كي يرفع عنه الحصار. والكلام سيكون هنا للنصوص الجميلة السؤال الآن هل النص يتعافي ويتوهج حين ترفع عنه وتفتح عليه؟ أم يبقي هزيلا ميتاً؟ يبقي الجواب ضمنيا ويملكه ربما كل قارئ.
أوردت هذا المثال كي أبين أن القراءة أي قراءة تبقي قراءة ذاتية، فالذي يصعد نحو السطح ويأخذ قيمته الفنية ــ اليوم ــ ربما غدا يهبط ليصبح من دون قيمة فنية. ونحن بطبيعة الحال، البشر، القراء نقرر علي مر العصور العمل المجيد المبدع، ونرفض الأعمال التي لا نتوافق معها، هذا الرفض وذلك القبول هما حساسية الاستقبال لدي الوعي الانساني، إن كان النص لا يدخل فسوف يظل خارجا، وقيمته محنطة. اليوم يخرج علينا نص فنراه ميتا لكن بعد عشر سنوات أو خمسين عاما يقوم معافي كي يسخر من أجيال لم تعطه حقه. هذا يحدث كثيرا. من الصعب تقييم العمل المهجري المعاصر تقييما نهائيا، لقد اوقفتني "انشودة الحياة" للسوري صبري يوسف هذا الإصرار والمتابعة المدفوعة بقوة غريبة كي تخلق خيالا فضفاضا لا أري فيه عمقا ولا حكمة، هل هناك ركائز أغفلتُها فانفلت مني العمل وانهار نهائيا؟ مالذي يريده الشاعر من هذا العمل الذي يمده كل يوم ويمده ويمده انشودة الحياة! هل الذي يريده صبري يوسف لا نعرفه نحن القراء أم أننا لم نتعرفه ولقد خطا خطوات بعيدة خارجة عن مساحة الذائقة التي نملكها؟ أن تكتب كلمة واحدة وتكررها مائة مرة فسيكون الحاصل روح وتجريد يحاكيان الباطن الانساني، تفقد الكلمة معناها ويفقد الخيال أبعاده فالذي يتحرك في الفراغ هو صوت، مجرد صوت لا أكثر لكنه سيتواءم مع كلية النفس وعندها ستنعكس الآية كي تصبح الكلمات جوفاء فاقدة المعني تنتظر النفس ــ تنتظر القارئ أن يملأها. هذا اسلوب آخر جدير بالنظر، وهناك عند الشاعرات المهجريات بالخصوص هذا النفس وهذه القدرة المجهولة التي نرفضها ولا نتذوقها ــ هي تجريد الحواف وقلب الباطن ظاهرا حتي تتراجع المخيلة عن إدراك المعني وهنا يأتي مكيال آخر كي يكيل وإن اقتصرنا علي مكيالنا فسنوسم العمل بالهابط الذي لا ملامح ابداعية فيه.
لو جئنا بعد آلاف الأعوام وقرأنا مرة أخري هذا النص. هناك بالتأكيد معارضة ونكوص نقدي لهذه الحركة غير الفنية حيث ما يضيف الي النص القديم رونقه ليس فنية النص بل السنوات الطوال ــ النص المعتق الذي لونته الحقب بلونها المخضب، لون النحاس الأخضر كما يلمح فلاسفة العمارة والنحت لهو اللون الأكثر قيمة، ليس اللمعان وحده مايحمل الوهج بل ان طلاء الزمن هو الذي يدفع القدرة علي أن تقف وتحسب أن اللون الكامد في داخله تجلي وحكمة، في داخله قصة الزمان. وماذا يريد خالقو الفنون سوي القبض علي الزمان وتحديده، تحويله في النهاية إلي مكان. لقد وفق العرب الأوائل بوقوفهم علي الأطلال فالزمان لديهم هو المكان ــ البناء عندما يشيخ ويمسي علامات، حجارة متناثرة هنا وهناك. لو جئنا وقرأنا النص السابق فسنري فيه قدرة مختلفة، وهج يخط خطوطا طولية تريد أن تؤلف بين الوطن والقلب المغترب. إن الفراشات التي تهيم علي مائدة الوطن والنحلة التي ترقص علي زجاجة الحزن هما المسافة والمسافة هنا ليست بعداً بل هي عمق يخالج روح الشاعرة حتي أنها لا تستطيع التقدم نحو مائدة الوطن سوي بشظايا أفكارها. هذا الوجد الوطني الذي يتواري وراء مائدة العشاء الأخير!! لن يكون الوطن تلك المائدة اليسوعية ليتواري في صورة اليوتوبيا بل هو لوحة تشكيلية عرضتها الشاعرة ونتذكر حين نتملي هذا العمل ميثولوجيا التحول: شظايا تهبط من بعيد ــ من السماء ــ كي تحقق الهدم والإعمار مرة أخري.
للشعراء الرجال "اكرم قطريب، مروان علي، فراس سليمان، صبري يوسف.." صور واضحة تعطي ظهرها للرمزية المغرقة وللتجريد الأعمي الذي لا قارئ له اليوم في العالم العربي. علي العكس من النساء الشاعرات حيث معظمهن شاعرات تجريد واستثني هنا جاكلين سلام. ومن حظ التجريد أن كتابه من النساء حيث لهن حظ من القراءة (الواهنة) أضعاف الرجال، إلا أن الطبيعة الانثوية مسكونة بالاحاسيس علي عكس الرجال الذين هم عن حق أصحاب التجريد والخيال المغرق. وهنا ــ هذا التضارب والتعاكس ــ قد يكون علامة سيئة ذلك حين تدار المنصة 180 درجة تأتي دلالة انحسار الشعر. إنها آية جلية ذلك حين يذهب الشعر بقدميه كي يتواري ويغيب ومايبقي منه سوي بقايا آثار يقلبها الشاعر بين يديه ــ إنها النهايات ومايبقي في اليد غير انعكاس مقلوب الصفحة.

Azzaman International Newspaper - Issue 2650 - Date 22/3/2007

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2650 - التاريخ 22/3/2007







مع خالص المودة
صبري يوسف ـ ستوكهولم
رد مع اقتباس