مواعظ (1)
الموعظة التي ارتجلها الأب القس ميخائيل يعقوب في يوم الجمعة العظيمة 6\4\2007 بكنيسة مار أسيا الحكيم في الدرباسية
بشِم آبا وَبرُآ وروحُا حَيُا قَدٍيشُا حَد آَلُؤُآ شَرٍيرُآ آَمٍين
شكراً لله الذي أعطانا أن نعيد ذكرى صلبت المسيح له المجد إلى الأبد آمين . وأبدأ حديثي عن أهمية هذه المناسبة باستعراض بعض الشهادات في التي وردت في مصدرين عن صلبه له المجد .
الأول وهو من العهد القديم والثاني وهو من التاريخ .
أولاً : من العهد القديم .
يوجد في العهد القديم عشرات النبوات عن صلب المسيح له المجد لا مجال لذكرها الآن في هذه العجالة لأن الحديث عنها يطول كثيراً لكنني سوف أذكر البعض القليل جداً على سبيل المثال فقط وليس الحصر .
1- أولى الاستشهادات آخذها من سفر التكوين حيث قال الله تبارك اسمه للحية التي استخدمها إبليس للإيقاع بالإنسان وهو يلعنها : أضع عدواة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه ( تك3: 15 ) . وإن قول الله هذا لا أقول أنه صار وعداً بل هو كان وعداً حين كان الله يتلفظ به . فالحية بعد أن استخدمها إبليس للإيقاع بالإنسان صارت صورة للخطية . انظروا إلى أيقونة مار أسيا الحكيم مثلاً تجدون حيّة تخرج من فم تلك المرأة التي في الصورة ، فإن تلك المرأة كانت خاطئة لكنها تابت على يدي القديس مار أسيا الحكيم فكأنه أخرج حية من بطنها ولذا فحينما أراد الفنان الذي رسم صورة يجسد فيها توبتها على يدي هذا القديس الجليل فإنه رسم حية تخرج من فمها وهي راكعة أمامه . وبالتالي هذه الآية تصبح على الشكل التالي : أضع عدواة بينك يا خطية وبين المرأة وبين نسلك يا خطية وبين نسلها .......
نسل المرأة المقصود أيها الأحبة هو المسيح . لماذا ؟
إن المفهوم الصحيح للنسل بحسب عادات ومفاهيم البشر هو أن الابن يأتي من صلب أبيه . وقد ثبت علمياً أن الرجل هو المسؤول عن تحديد النوع في النسل وهو المسؤول عن إخصاب المرأة . لكن هذا لم ينطبق على المسيح إطلاقاً ، فإن أمه العذراء حبلت به بحلوله وهو كلمة الله في بطنها دون تدخل رجلٍ ثم ولدته . ولذا فإنه يقال : المسيح بن العذراء أو المسيح بن مريم . ومريم بالنوع البشري هي من جنس النساء لذا فهي تدعى امرأة ، أي أن المسيح هو إبن المرأة فهو نسل المرأة ( بالجسد ) . وبذلك يصبح الوعد الإلهي كالتالي : أضع عداوة بينك يا خطيئة وبين المرأة وبين امتداك عبر الأجيال وبين المسيح ابن العذراء ، لكنك يا خطية لن تقوي عليه أما هو فيسحق رأسك . وإن هذا السحق أحبائي تمّ على خشبة الصليب حينما صلب له المجد عليه .
2- أيضاً أذكر في هذا السياق النبوة التي وردت في الإصحاح 53 من سفر أشعياء وعلى لسان أشعياء
القائلة : كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه .... سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة وهو حملَ خطية كثيرين وشفع في المذنبين ( أشعياء 53: 7 – 12 ) .
نعم أحبائي . مثلما تساق النعجة إلى الذبح هكذا سيق المسيح ليذبح على خشبة الصليب وهو صامت وكان في صمته سروراً كاملاً لأنه بتعلقه على الصليب حقق وعده الإلهي السابق الذكر وسحق رأس الحية ( الخطية . إبليس . الموت ) ومنح من يؤمن به عودة إلى رتبته الأولى ( فردوس النعيم ) .
3- أخيراً أذكر النبوات التي وردت في الإصحاح 22 وهو للنبي داود :
-ثقبوا يديّ ورجلي ( مز22: 16 ) . وهذا ما حصل فإنهم حينما وضعوا المسيح على الصليب فإنهم دقّوا المسامير في يديه ورجليه لا ليُثبِّتوه على الصليب فإن هذه المهمة كانت للحبال ، بل من أجل أن ينزف كل دمه ويموت .
-يقتسمون ثيابي وعلى لباسي يقترعون . وهذا ما حدث أيضاً فإن الجنود الذين قاموا بتعليقه على الصليب خلعوا عنه ثيابه واقتسموها فيما بينهم وألقوا قرعة على لباسه ( مت27: 35 ) .
ثانياً . استشهادات من التاريخ منها :
1- المؤرخ الروماني الشهير كورنيليوس الذي مات سنة 55م دون أن يؤمن بالمسيح . كتب تاريخاً عن الامبراطورية الرومانية في 18 مجلد وقد تكلم في كتابه هذا عن صلب المسيح في أورشليم بالتفصيل .
2- بيلاطس البنطي الذي كان والياً رومانياً آنذاك وكان مقره في أورشليم . كتب تقريراً مفصلاً عن صلب المسيح وأرسله إلى طيباريوس قيصر امبراطور روما في ذلك الحين . ذلك التقرير استخدمه ترتليانوس كوثيقة هامة وشهادة قاطعة عن صلب المسيح وذلك في دفاعه الشهير عن المسيحيين .
3- المؤرخ اليهودي الشهير ( جوزيفس ) الذي توفي سنة 97 م . كتب عن تاريخ شعبه تاريخاً في 20 مجلداً وردت فيها قصة ولادة المسيح وتعاليمه ومعجزاته وصلبه وقيامته في اليوم الثالث وظهوره لتلاميذه حباً بهم وذلك بالتفصيل .
4- المؤرخ الإغريقي الشهير ( لوسيان الأغريقي ) كتب أيضاً وبالتفصيل عن صلب المسيح وعن المسيحيين الذين يقبلون الموت ويندفعون إليه لأملهم في الحياة الأبدية التي نالوا استحقاقها مسبقاً بدم المسيح الذي صلب على الصليب ومات عليه .
5- أخيراً في التلمود اليهودي الذي هو أهم كتاب عند اليهود وفي النسخة التي طبعت في أمستردام سنة 1943م وفي الصفحة 42 مكتوب : يسوع الذي يدعى المسيح صلب مساء يوم الفصح .
والآن أحبائي . لماذا صلب المسيح ؟ ولماذا لم يصلب غير المسيح من الأنبياء أو من رسل وتلاميذ المسيح له المجـد ؟
أولاً . لماذا صلب المسيح ؟
إن هذا السؤال يجيب عليه ربنا يسوع المسيح له المجد قائلاً : كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ( يو3: 14-15 ) .
ما قصة الحية التي رفعها موسى في البرية ؟
باختصار ٍ . بعد أن أخرج موسى شعبه من مصر بأمرٍ من الله محرراً إياهم من عبودية الفراعنة فإنهم بين الحين والحين حينما كانوا يتعرضون لقليل من الضيق كالجوع والعطش كانوا يتذمرون على موسى وإله موسى بأن لماذا أخرجاهم من مصر مفضلين لو أنهم ظلّوا تحت استعباد الفراعنة لهم مع الطعام والشراب على الحرية مع قليل من الجوع والعطش بين الحين والآخر . وفي مرةٍ حينما كانوا في أرض أدوم أعادوا الكرة واحتجوا على موسى وإلهه فتسلطت عليهم الحيّات وصار يموت منهم الكثير في كل يوم ، وكعادة موسى في هذه المرة وكسابقاتها من المرات التي تمرّد فيها ذلك الشعب القاسي على محبة الله ، تشفع فيهم لدى الله بأن يرفع عنهم ذلك الغضب واستجاب الله تبارك اسمه وكانت استجابته مشروطة وهي أنه قال لموسى : اصنع لك حية محرقة وضعها على راية فكل من لُدِغَ ونظر إليها يحيا ( عد21: 4-9 ) فصنع موسى حيّة من نحاس ووضعها على راية كما أمره الله فشكلت تلك الحية مع الراية شكل صليبٍ وكان أن كل من لدغته حية ونظر إليها يشفى .
وإذ أن المسيح له المجد قارن بين تعلقه هو على الصليب وبين تلك الحية التي علّقها موسى على تلك الراية الخشبة فلأن الفكرة الجوهرية في حية موسى كانت صورة رمزاً إلى الفكرة الجوهرية في تعلق المسيح على الصليب . كيف ذلك ؟
إن تسلط الحيات على ذلك الشعب كان يؤدي إلى موت الكثير منهم في كل يوم وإن جميعهم وكأنهم كانوا مصفوفين على الدور لتلدغهم الحيات ويموتون . وإن ذلك الموت كان بسبب تمردهم على محبة الله بتحريرهم من استعباد الفراعنة لهم . فإذاً كان موت خطية . ولكن حينما كانوا يأتون بالملدوغ وعلى وجه السرعة لينظر إلى ذلك الصليب الذي صنعه موسى من الحية النحاسية والراية كان سمّ الحية يموت مفعوله السمّي المميت في جسم الملدوغ فكان يشفى ويرجع سليماً . أي أنه كان يأتي مشحوناً بسمّ موت الخطية وينظر إلى ذلك الصليب ويشفى ويعود نادماً تائباً متخلصاً من موت الخطيّة .
هكذا أحبائي إن البشر إذ كانوا كامنين في صلب آدم فإنه حينما سقط تحولت سقطته إلى مورّثة انتقلت إلى كل البشر وإلى انقضاء الدهر ، لذا فقد صار كل إنسان يولد ، يولد وهو مشحون بتلك السقطة ، وكانت تلك السقطة سقطة موتٍ ( موت الخطية ) أي أن كل إنسان صار مشحوناً بموت الخطية كما قال الرسول بولس : .... بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطيّة الموت ، هكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع ..... ( رو5: 12 ) .
لذا فقد لزم الأمر صليباً ينظر إليه ملدوغ تلك الخطية ليشفى من تلك اللدغة ويعود إلى الفردوس وقد اغتسل وتخلّص من تلك المورثة ( موت الخطية الأصلية ) وموت سائر الخطايا ...... وهذا ما عبّر عنه الرسول بولس أيضاً بقوله : أم تجهلون أن كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة . لأنه إن كنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليُبطلَ جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضاً للخطية ( رو6: 3 – 6 ) .
وقد عبّر المرتل السرياني عن هذه الحقيقة باللغة السريانية الخالدة قائلاً : مِن آُدُم شَرٍي موةُآ ومةَح رِؤطِؤ عدَمُا لَمشٍيحُا . مشٍيحُا بَطلِؤ لشٌولطُنِؤ . وةَبرِؤ لعٌوقسِؤ دَحطٍيةُآ . وؤُآ مِةكَرزُآ بكٌل دُإٍين ؤُي زُكٌوةُآ دَؤوُة بَزقٍيفُا . ابتدأ الموت من آدم وامتد سريانه حتى المسيح . والمسيح أبطل سلطانه وكسر شوكة الخطية . وهوذا في كل الأجيال يُكرز ذلك الانتصار الذي حصل على خشبة الصليب .
ثانياً . لماذا لم يُصلب واحد من الأنبياء أو واحد من رسل وتلاميذ المسيح من أجل هذه الغاية ؟
في الحقيقة هناك أسباباً عديدة أذكر منها هذه .
1- إن الخطية وفي الرسم الإلهي كان يلزمها دم ذبيحة ليتمّ التكفير عنها . وإذ أن تلك الخطية ( خطية آدم التي تسمى بالخطية الأصلية ) كانت موجهة إلى مجد الله مباشرة لذا فقد لزم الأمر أن تكون الذبيحة التي تمسحها ذات طبيعة إلهية ، وهذا لم يتوفر إلا في المسيح الذي هو كلمة الله .
2- كما كان في الرسم الإلهي أن من يذبح الذبيحة ويقدمها إلى الله عن الخاطئ أن يكون حصراً كاهناً . وإذ أن خطية آدم التي أصبحت مورثة كانت موجهة إلى مجد الله لذا فقد لزمها كاهناً له طبيعة إلهية وهذا ما لم يكن متوفراً في أي كاهن من كهنة العهد القديم . لذا تجسّد كلمة الله الذي هو الله الكلمة الذي هو كاهن إلهي .
وبجمع هذين السببين في صيغة واحدة نجدها هكذا : ظهر كلمة الله الذي هو الكاهن الإلهي الأعظم متجسداً وقدّم نفسه ذبيحة من أجل خلاص الجنس البشري فكان هو الذبيحة التي لها طبع اللاهوت وكان هو الكاهن الإلهي الذي قدمها . ونعمة واستحقاق دم المسيح على الصليب يشملان جميعكم آمين .