أخي أثرو بداية موضوعك قيّم للغاية وطرحه لم يأتِ متأخراً لأنه حديث الساعة وكلّ ساعة وقبل أن اقوم بالرد على مجموع الأسئلة التي تكرمت وقمت بطرحها فإني أود القول:
إننا كشعوب سريانيّة على اختلاف انتماءاتها الآشورية والكلدانية والسريانية لم نحسّ بأي انتماء وطني بعدما فقدنا الموطن الأصلي لنا ونحن لم نشعر بانتماء حقيقي وواقعي إليه إلا من خلال الروايات والأحاديث وما كان ينقل إلينا من الأجداد فنحن نعيش غربة حقيقية منذ فتحنا عيوننا على هذا الواقع والغريب هو الشخص الذي لا وطن له والوطن ليس أكوام حجارة وأرض وشجر بل الوطن هو الكرامة فأين تجد كرامتك في هذه الأوطان؟ لقد عشنا في وطننا الثاني سورية بعد هجرة آبائنا لموطنهم الأصلي في تركيا وذهبنا إلى المدارس وعشنا عمرنا في سورية وقمنا بخدمة العلم وخدمة الوطن والمجتمع من خلال المهنة التي كنا نمارسها كل في مجال عمله وتخصصه. لكني أقول وبصراحة وبكل أسف إنني لم أكن أحس بانتماء حقيقي لهذا الوطن الجديد لأن تمييزا واضحا كان حصل في الآونة الأخيرة وذلك قبل مغادرتنا البلد بين المواطنين بحسب انتماءاتهم وميولهم السياسية وغير ذلك. حيث أن حقوق الناس كانت منتهكة وضائعة والوصوليات ومسح الجوخ والمحزوبيات وأمور أخرى هرت النظام السياسي والاجتماعي للبلد وصار الحكم في يد فئة معينة قامت باستغلال كل شيء, فحرم المواطن من أشياء كثيرة حتى من حقه من التعبير أو غيره من أبسط الحقوق ككائن بشري يريد أن يعيش بشرف وسلام وحرية دون أن يتعرض للقهر أو التعدي المبرر وغير المبرر. إذن في وطننا الثاني لم نشعر بحقوق المواطنة فالذي كان يطلب منّا كواجبات كان يفوق ما يمكن الحصول عليه كحقوق. قد يأتي من يزاود ويبيع الوطنيات ويحاول التشدق بالكلام المنمق إلا أن كل هذا لن يغيّر شيئا من الواقع وهو أليم والمواطن السوري لا يعيش في الوقت الحاضر بخير.
في تركيا وهي بلد الآباء والأجداد وموطن الأمة السريانية الأصلي أغبن حقنا وانتهكت كرامتنا وتم الاعتداء علينا وعلى مقدساتنا بشكل فظيع ومأساوي لذا فرّ جميع أو أغلب المسيحيين من تركيا إلى ديار الله الواسعة هربا من هذا البطش التركي والفتك الدموي والتعدي الكردي في آن واحد.
قدمنا إلى أوروبا ونحن مشبعون بأحلام وتمنيات كثيرة فمنها ما تحقق ومنها ما لم يتحقق بعد وعلى الصعيد الشخصي أستطيع القول: لطالما أعيش في هذا البلد بحريتي وكرامتي وحقوقي محفوظة وكرامتي مصانة فلا أحد يستطيع التعدي علي ومتى كان لي حق عند أعلى السلطات أستطيع المطالبة بحقي دون كمّ لفمي أو تقييد يدي ورجلي وتهديدي بالموت إن لم أتعامل مع السلطة أو أنتمي إلى حزبها الحاكم أو أعيش بلا رأي وبلا كرامة وهذا ليس من المواطنة في شيء. فإني أقول نعم أعيش مواطنة حقيقية غير مزوّرة ومتلاعب بها هنا.
نعيش في المانيا نقوم بما يتوجب علينا القيام به ونحصل على حقوقنا كاملة لأنها دولة القانون والدساتير والمؤسسات وليس دولة (كل من إيدو إلو). وفي هذا البلد حصلنا على الجنسية الألمانية واشترينا بيتاً جميلا بجهدنا وعملنا الدؤوب وصار لنا عمل وسيارات ولم أكن أحلم في سورية أن أملك دولاب سيارة!!! هذه هي الحقيقة. هنا تعمل بجدك ونشاطك وتأخذ حقك كاملا دون نقصان فلا شرطي يأتي لتملأ جيبه رشوة ولا رجل أمن يأتي ليتسلبط عليك ويحاول خلق مشاكل لك ما لم تدفع له!!!! قول الحقيقة مرّ على الدوام لكن السكوت عن الحق جرم وإثم وكما يقال فالساكت عن الحق شيطان أخرس. لو كنت في سورية اليوم لما استطعتُ أن أعبر عن رأيي هذا بصراحة وكنت سأنام في بيت خالتي لمدة لا يعرفها سوى الله!!!! لا حرية في بلداننا ولا كرامة لمواطنينا ولا إحساس حقيقي بالانتماء لهذا الوطن بل يكاد يشعر المواطن العادي بأن هذا الوطن هو ملك لفئة من الناس تتحكم في كل شيء.
والآن وبعد هذه النبذة الصغيرة التي أردت منها وضع النقاط على الحروف آتي للرد على أسئلتك الكريمة يا أخي أثرو
1_ هل تحقق ما كنت تتوخاه من الهجره؟؟؟ نعم يا أخي أثرو بكل صدق وسبق أن نوّهت عن النجاح الذي حققنا بعضه هنا.
2_هل أنت أو أنتي سعيد بما تحقق لك أم تشعر بأنك لقاء ذلك فقدت أشياء أخرى ربما هي أهم بدأت تشعر بها؟؟؟ حققنا أمورا كثيرة ونحن راضون عنها تماما غير أننا ومن الناحية الاجتماعية خسرنا الشيء الكثير وأولادنا يعيشون بالفكر الغربي الذي لا بد أن يعيشوا معه وفيه بالطبع السالب والموجب ككل مجتمع في العالم.
3_هل تستفقد ما تربيت عليه من عادات وتقاليد وغيرها ؟؟؟ نعم وهذا طبيعي فنظام الحياة وما يسود من أفكار وعادات ومفاهيم وتقاليد تختلف مائة بالمائة عما يسود في بلداننا التي قدمنا منها.
4_هل صحيح أن الجيل الثالث من أولادنا سيكون انتماءهم الى البلد الذي هاجرنا اليه ....وما هو رأيكم بذلك؟ نعم وبرأيي أن هذه ظاهرة صحية لا بدّ منها فلا أبنائي ولا أبناؤك يستطيعون العيش في مجمتعنا الذي قدمنا منه هذه هي الحقيقة.
5_ هل تنصح أحداً من أقاربك أو معارفك بالهجره في ظل الظروف الصعبه التي تجتاح أوربا. أنصحه متى كان لديه هدف وكانت لديه المقدرة على التحمل والصبر وعلى العموم نعم فالحياة هنا أفضل من هناك بآلاف المرات بل لا توجد أية إمكانية للمقارنة بين الحالين.
6_هل تشعر بأنك مُميز عن البوذي والمسلم في مجتمع يدعي المسيحيه أم أن الكل سواسيه طالما ذو (رأس أسود )كما يقولون بالألمانيه .لأ فالمجتمعات الغربية لم تعد مجتمعات دينية كما كانت عليه قبل أكثر من خمسين سنة والدين مفصول عن الدولة لذا فلا تمييز بين الناس على أساس الدين بخلاف ما يجري في المجتمعات الإسلامية بكل أسف حتى هنا متى قابلت عربيا مسلما وعرف أنك عربي يبادرك فورا بالسؤال التالي: هل أنت مسلم؟ إنها من سخريات القدر ومن سخافات ما يعيشه مثل هؤلاء العميان عقليا وفكريا. الفروق توجد فقط أحيانا بين الأجانب والألمان في رخص الحصول على عمل فالألمان يعطون الأولوية في الحصول على عمل. وقد يظهر تمييز من خلال البشرة لكن من قبل ناس ولأسباب شخصية لا علاقة للدولة البتة في مثل هذه التفرقة أو التمييز. وعلى العموم فالناس هنا في أوروبا هم متدينون فقط على الهوية ولا يمارسون الدين إلا بشكل شكلي جدا وعادي حتى أنه وقبل أحداث سبتمبر عرفنا عوائل ألمانية وهي على أساس مؤمنة كانت لا تماتع في تزويج بناتها من شباب مسلم غير أن النظرة بعد تلك الأحداث غيرت الكثير من المواقف والمفاهيم في جل أوروبا. والدليل على ذلك ما نراه بين الفينة والأخرى من رسوم كاريكاتيرأو غيرها من مقالات تتهجم على معتقدات المسلمين. النظرة اختلفت تماما لكنها لم تأخذ الحد المطلوب منها أن تأخذه بعد.
7_وأخيراً ما هو رأيكم في المجتمعات الغربيه. رأيي أن المجتمعات الغربية مجتمعات راقية ومتحضرة تحافظ على كرامة المواطن وحقوقه وتوفر له جميع احتياجاته الحياتية ولا يوجد تمييز وإن وجد فهو على نطاق ضيق وشخصي على الأغلب. وإني سعيد بالعيش في هذا المجتمع وبالانتماء إليه مواطناً لأني أعيش حرا كريما دون خوف أو ضغوط.
شكرا لك يا أخي أثرو
__________________
fouad.hanna@online.de
|