العزيز ملكي مراد حردان
ليس مهمّاً أن تعود فيروز للغناء سواء دُقّت لها الأجراس أو لم تُدَقّ، لأنَّ فيروز ليست بحاجة أن تغنّي وتتابع مسيرتها الفنيّة الإبداعية بأغانٍ جديدة، وما قدّمته فيروز يكفي لأجيال وقرون أخرى قادمة، فيمكن أن نسمع أغانيها إلى أجلٍ غير أجلٍ مسمّى، فماذا ستقدم أكثر ممَّا قدَّمته عبر مشوارها الفنّي الباهر؟ لأن رصيدها الغنائي مدرسة إبداعية خالصة، لأنه لا يوجد في مشرق العالم العربي، ولا مهتم بالموسيقى في العالم الغربي إلا وقد سمع واستمع إلى أغاني فيروز، لهذا أنا أرى أنها أعطت الكثير الكثير، وما عليها الآن إلا أن تستريح من عناء رحلة العمر الفنية المبدعة، ونسمع أغانيها بهدوء دافئ في ليالينا القمراء وصباحاتنا الندية، فهي غذاء للروح في الصباحات الباكرة والليالي القمراء، وليالي الشتاء الحزينة!
عندما عبرت البحر، لم آخذ شيئاً معي، سوى بضعة أشرطة لفيروز، وعندما اشتدت وطأة الغربة بي فتحت حقيبتي الصغيرة وبدأت أسمع أغاني فيروز وإذ بي أجد غربتي تتبدّد على ايقاع صوتها المنعش للروح، ووجدت أن لفيروز فضل كبير عليّ بتخفيف غربتي منذ أن كنتُ في الوطن الأم وحنّى الآن، وفي إحدى دردشاتي مع الأصدقاء والصديقات، سألني أحدهم ماذا ممكن أن تقدِّم لفيروز طالما تحبّ فنّها وروعة أغانيها بهذا الشكل العميق؟ وقفت مذهولاً لهذا السؤال، ثم بعفوية خالصة قلت، لو احتاجت يوماً ما فيروز كيلو دم من دمي سأقدِّمه لها هدية بدون أي تردّد، ضحك الأصدقاء وضحكنا، فيما كنّا نسمع"زورونا كل سنّة مرّة"، دارت الأيام وترعرت غربتي أكثر، وتعمّقت أغاني فيروز إلى الأعماق أكثر فأكثر، فما وجدت أجمل من العبور عميقاً في عوالمها الفنية كي أستوحي من فضاءات إبداعها نصّاً شعريا يليق بقامتها الشامخة، لكنّي كلما كنتُ أحاول العبور كنتُ أجدني عاجزاً عن ترجمة هذا الفيضان الشامخ، باستثناء مقاطع شعرية خفيفة بين الفينة والأخرى وما كانت تشفي تلكَ المقاطع غليلي الذي أنشده، لكنّي منذ فترة قصيرة شعرت أنني أوشكتُ أن أمسك الخيوط التي تقودني إلى عوالمها الفنية الفسيحة، لهذا أجدني منهمكاً بالاشتغال على نصٍّ شعري مفتوح، أستوحي فضاءاته من أغاني فيروز التي تبلسم الروح وتخفِّف من جراحات القلب وغربة الإنسان!
فيروز مدرسة فنّية رائدة، وما قدَّمته فيروز لم يقدمه أي مبدع آخر من لون أغانيها، وكما تمّ تخليد أم كلثوم وعبدالوهاب وبليغ حمدي و .. سيتم تخليدها على مدى الدهور، لأنها فنانة القرون في لون الأغنية الصباحية الشفيفة والمنعشة للروح .. وما كنتُ أصدِّق أن للإنسان علاقة بالملائكة، إلا بعد أن سمعت صوت فيروز، آنذاك تيقّنت أن فيروز من السلالة الملائكية صوتياً، أهلاً بكم وبفيروز وبكل الأحبة الرائعين في هذا العالم!
مع خالص المودّة والإحترام
صبري يوسف ـ ستوكهولم
التعديل الأخير تم بواسطة SabriYousef ; 01-12-2005 الساعة 10:05 PM
|