هل تذكرون طفولتكم؟
هل تذكرون طفولتكم؟
مما لا شك فيه أن كل شخص منا عاش طفولة فيها الحلو والمرّ وفيها الحرمان والألم وفيها الجوع والشبع وفيها الحزن والفرح وفيها الطيش وخيبة الأمل وفيها الحماقة وما إلى ذلك مما كان يساور ذهننا كأطفال وصبية نعمل أحياناً ما لم يكن مقبولا أو معقولا في نظر الكبار أو أولياء أمورنا. إلا أن للطفولة على الرغم من كلّ هذا النزق وتلك الهفوات براءة وانطلاق ومرح وعدم تفكير جدّي بأمور الحياة ومتطلّبات الواقع اليومي لأن الذي كان يهمنا بالدرجة الأولى كان اللعب والعبث وقضاء أكبر وقت خارج البيت وأحياناً لم نكن نأتي إلى البيت إلا متأخرين عندكا كنا نلعب البوكه هرا وغيرها من الألعاب الليلية.
ولدت في مدينة القامشلي وانتقل أبي بنا إلى قرية بره بيت حيث أمضيت قسماً هاماً من طفولتي المبكرة فيها ولي فيها ذكريات جميلة دوّنت بعضها في كتابي الذي سيصدر قريباً (تاريخ قرية بره بيصا) ثم انتقنا إلى ديريك في أواسط الستينات أي في 1956 حيث دخلت مدرسة السريان الخاصة الإبتدائية ونظراً لكوني قدمت من القرية فإني كنت أمتاز بقوة بدنيّة كثيراً ما كانت تسبب لي مشاكل مع أصدقاء المدرسة حيث كنت أعتدي عليهم ومما أذكره أني كنت دائماً أقوم بضرب زميل المدرسة نعيم حنا اسطيفو وكنت بالمقابل آكل قتلتي في البيت بعدما كان والده يشكوني لدى أبي وصرت أخشى التعدي على أحد وكما يقال أزخينياً (انكسرتْ عيني).
أردت من هذا العرض البسيط فقط التذكير ببعض الأهازيج والأناشيد وجمل السجع التي كنا نرددها في تلك الآونة وكانت أياماً جميلة على الرغم من كل شيء. سأقوم بتسجيل بعض أهم هذه الأهازيج الأزخينية التي كانت تتردد على ألسنة الأولاد عموماً ممن هم في سننا والأكير سنا منا كذلك. بعض هذه الأهازيج قمت بجمعه وشرحه في كرّاس مخطوط سوف أقوم بنشره فيما بعد.
صمص صميمه.. ياكل خرا الميمه. كانت هذه العبارة تكرّر عندما يراد السكوت وكانت تتبع بكلمة اليحكي أي الذي يتكلّم أو سوف يتكلّم وكان يراد من ذلك الانقطاع عن الكلام كما أسلفتُ.
أبونا برّخ برّخ.. قبل ما وردة تفرّخ. وكان يراد من هذا القول أن وردة قد أقامت علاقة مع الرجل الذي يلزم زواجها به وعليها أن تسرع في زواجها وإعلانه لكي لا تتبهدل فهي حامل. ومت فضح أمرها وانكشف سرّها فإنها ستصير حدبثاً على كل لسان وتلوك سمعتها الألسن القاذفة بالسوء
وركي دلاله بزر قليتي.. وركي دلاله جيبي عبّيتي. كان يراد من هذا القول المرح والغناء ليس إلا وكان الغناء وترديدها يأتي جماعياً ممّا يشكّل جوّاً غنائياً جميلا كنا نحب أن نردده وندرّره كثيراً.
الله الله وحدو .. فرص مرجرجس تحتو. وكانت هذه العبارة تقال عندما يراد تقييم الطفل ليباش المشي أو الوقوف على رجليه لأول مرّةز وفرص مرجرجس هو الجرادة ذات اللون الأخضر رجلاها طويلتان وكم كنا نلعب معها ونحن نلاحقها ونغني لها هذه الأبيات.
موخل موخل ديركّه. كانت أغنية طويلة نسينا كلماتها.
سيدى رشّه .. خراب خُشّه. كانت المرحومة مرت حنا قمبرو ولكون لون بشرتها كان داكناً فقيل عنها (رشّه) أي سوداء باللغة الكردية. وكان تدير دكاناً في حارة سيمالكه في ديريك أي الحارة التي على طريق مر يعقوب.
جمّال يا جمّال .. سرقولك إجمالك. يرد الشخص المغمض العينين: سيفي تحت راصي ما بسمع كلامك! وهي كانت واحدة من جملة الألعاب التي كنا نمارسها ونحا صغار.
ش?ر?عی م?ر?عی .. إمّك ت?وم وترکعی .. ثلاثاً والآ أربعي. وهي أهزوجة كنا كثيراً ما نردّدها ونحن نلعب ونقصد بها السخرية من أم زميل اللعب.
عصفور باب الصّور صبعي فستو .. إستو فصبعي. لا شك أن بعض الأهازيج كان فيها مثل هذه العبارات البذيئة غير أنها كانت تصدر عنّا ببراءة الأطفال والتي لم يكن منها قصد ممّا تجمله هذه الأيام من معان سيئة وغير مقبولة.
?بّرنا راص الملاّ .. خري فالكهدينه. وهي تضرب كمثل كذلك يراد منها أننا رفعنا من وزن فلان وقيمته فصنع أسوأ الأفعال. أي خيّب أملنا فيه!
حزقي حزقي يا مطرة .. تنطركي مريم عظرة. كنا نرددها أثناء سقوط الأمطار بغذارة.
شلّي ملّي .. قام وقاللّي .. عربيّة حين?الیو. وكمنا نصوّت بها عندما نلعب لعبة الحين?الیو المعروفة وعندما تضرب الدربولكه لمسافة بعيدة ومن ثم تحمل باليد ويتم الركض بها لغاية الوصول إلى الهدف الذي منه انطلقت مضروباً بها بالعصا من فريق الخصم.
ده قولولو قولولو .. سطرة و?نطرو قصّولو .. ?وخ وحرير فصلولو .. ساعة زنيت جيبولو. وهي طويلة وكانت أكثر ما ترددها الفتيات أثناء اللعب والتسلية.
يا قاسم يا ابن الم?رودة .. بيع امّك واشتري بارودة .. والبرودة خير من امّك. كنا نردّدا عندما كانت تقوم مظاهرات ضد عبد الكريم قاسم في سوريا والحمد لله تاريخ العرب معروف بالمعاداة والتهجم وكيل السباب والشتائم كل نظام للنظام الآخر.
سوريّة حرّيّة. كان هذا الشعار يردد أيام حكم شكري القوتلي الذي عرفت سوريا فيه استقراراً ورخاء اقتصادياً وحريات وبرلمان حرّ في الخمسينات من القرن الماضي.
طيّارة طارت فالجو .. فيها عسكر فيها ضو .. فيها ابراهيم هنانو .. راكي علضهر حصانو .. فيها جول وجمال من أبطال القنال. كانت هذه الأنشودة تردد منذ أيام العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والأسماء الوردة في النص معروفة لدى الجميع.
خبز ويصل كما العسل .. خبز وجبن كما التبن. كان الفقراء يقولون هذا لأنهم لم يكونوا يأكلون الجبن كما يفعل الأغنياء وهو نوع من إقناع الذات فمتى كانت البصلة كالجبن في طعمها. مع أنها غنية بالمواد الغذائية ربما أكثر من الجبن ولكن قيل من قبل (خبيز الحنطة علفقير حرامو).
بطبطوكات الربيع .. أنا أخرى وإنت تبيع. عبارات على السجع قد لا تحمل معان إلا أنها كانت تردد وكثيراً ما كان يطيب لنا ترديدها. في تحدّ ومشاكسة للآخرين.
صفّ حضاري .. هوّه حماري .. صفّ التاني ..إمّو شاني .. صقّ التالتْ .. إمّو بالتْ .. صفّ الرابع .. إمّو عالمطابع .. صفّ الخامس .. إمّو عالمكانس .. صفّ السادس ..إمّو عالمكابس . إنها براءة الأطفال حين كنا نتناقر وكل يتهكم على طلاب الصفوف الأخرى واخترعنا لكل صف ما يلائمه من السجع الطفولي البسيط والبريء.
أينل يقف فشمسي .. لا يعيش ولا يمشي .. يوم اللحد أطمرو فالتابوت! هكذا كانت البراءة وهكذا كنا نخلق لأنفسنا ألعاباً وأكثرها كان بالألفاظ والكلمات وكم كان مزعجاً عندما كان أحدنا في الفرصة أو قي نهار مشمس طيّب يريد الاسترخاء لأشعة الشمس الجميلة فيأتي مزعج ما ليحجب تلك الأشعة عنه ويحرمه منها! هكذا كانت تتطلب تلك الأيام.
واحد تنين تلاتة وبسْ .. نزرع بصل يطلع خسّ .. وبسّ وبسّ وبسّ. كنا نرددها أثناء اللعب والتباري في مباريات كرة الطائرة (الفولي بال).
مطر مطر قيقي .. رشّ علدنيبيقي .. دنيبيقي طول طول .. من هون إلى اسطامبول. من الواضح كان يتم ترديدها أثناء سقوط الأمطار ولا تعني كلمة دنيبيق أن المقصدو به الفتيات بل نحن الشباب أيضاً كنا نلعب ونقول هذه الكلمات.
حجنجلي مدندلي .. طلعتو باب المنزلي .. أريتو كرش العربي .. هونْ انبط وهون ان?ط وهون انحطّ. لعبة وسجع لم أفهم له مغزى سوى ذلك.
الله وأكبر والديك مشحور .. والجيجه عورة وقعتْ فالجورة. المعنى واضح لا يحتاج إلى تعليق.
بسم الآب والدّولاب .. نطّ عالكورته كسر الباب. المعنى معروف وواضح لا يحتاج لشرح.
سريان سريان .. كلّن عجيان .. أرمن أرمن طيز مدرمن. كنا نتبادل التهم والعبارات نحن تلاميذ السريان وجيران مدرستنا تلاميذ الأرمن في ديريك.
?روط دينه خوا فروط. أي البروتسانت تخلّوا عن دينهم وباعوه! أعاجيب الأطفال!
صايم صايم عند الله .. فطّار فطّار فالجرّة. كنا نقولها للتشجيع على الصائمين ولذمّ المفطرين.
كركداني كركداني .. طيلع إمّي من أزاني. عندما كنا نسبح وتدخل مياه إلى داخل الأذن كنا نضع راحة يدنا فوق الأذن ثم نحني الرأس لترتاح الأذن فوق الكف ومن ثم نقفز على رجل واحدة ونحن نكرّر هذا ونخال أن الماء سيخرج من أذننا.
أينا الميسه ناموسو .. كلب الشيرو يبوسو. ونقولها للذي يأتي دوره للقيام بعمل قيحاول التهرّب منه.
هربْ هربْ كلب العربْ .. لا كا منّي ما كنْ هربْ. للذم والاشعار بأنه ليس كفؤاً للشخص القائل أو هو ليس ندّاً له.
جرادة ليكي ليكي .. اظبطي الحجر فيديك قبل یجی السنونو تیقلّع زوج عینیکی. كنا نمسك بالجراد ونضع بين يديه حجرة قاصدين أن تمسكها بيديها ونحن مسرورون بما نفعل حيث كنا أكثر نهارنا نمضيه في ال?ولات والبراري.
محمّد فراصو رمّد.
?زوكه راحت الصّراية.. ورفعتْ الصّبعايه. أم الصديق كبرو كوركيس الملقب ?زوکه.
?رقز ومرقز .. علظهر إمّكن يرقس. كان يقولها لنا عبود كورية مرقس.
شمس ومطر .. خالي ختن .. دقّوا السّعيلب فالجبل .. فرّوا الحمام .. بقوا الحجلْ. أغنية معروفة وجميلة لكن ضاعت أغلب هذه الأغاني ولم يعد يذكرها أحد بكل أسف.
جرديكا ظرّط ظرطة هيديكا.
يعقوب صارة طلع عالمنّارة.
هذا البعض من ذكريات الطفولة وما كنا نردده من أهازيج وعبارات متلاطفين متلاسنين دون قصد أذية بل ببراءة أطفال حقيقية وهي لن تنسى أبداً. فقد حفرت في القلب والنفس أخاديد عميقة ليس بالإمكان محوها أو نسيانها. وإلى اللقاء في جانب تراثي آخر من تراث آزخ الحافل بكل جميل ومثير.
|