قصة ابن يوسف هاجركو واستاد شكري مرقز
قصة ابن يوسف هاجركو واستاد شكري مرقز
يعرف عن صديقنا وزميل المهنة الأستاذ الأزخيني والحنك?ي كتير(بوش) شكري مرقز حنكه وحبه الشديد للمزح وكم من نكت خلقها ومن مواقف كانت تجبرنا على الضحك. سواء في الفترة التي كان في دار المعلمين في الحسكة أو عندما كان معلما ومن ثم مديراً ومدرب فتوة في إعداديات ديريك وثانوياتها. حيث انتقل بعد ذلك إلى القامشلي وتزوج فيها من أزخينية من بيت حردو. وتشاء الصدف أن يكون الأستاذ والصديق شكري مرقز مديراً في مدرسة ناظم الطبقجلي وقد كانت لا تزال في الحارة الشرقية مقابل بيت ملكي زيرو. بالقرب من ال?مّ وهو كان المجرى المائي الوحيد الذي يجري في ديريك قادماً من تركيا وقد نشف في الآونة الأخيرة وأذكر الفيضانات التي كانت تحدث أيام هطول الأمطار وذوبان الثلوج وفي إحدى المرات فاضت المياه وطافت على الجسر الذي كان المنفذ الوحيد المؤدي إلى طريق القامشلي ممّا تسبب في قطع الطرقات وأذكر تماماً كيف خرج جميع أهل ديريك في تلك المناسبة وهم يتمتعون بهذا المنظر الذي لم يألفوه من قبل.
كما قلنا كان صديقنا الأستاذ شكري مرقص (مرقز) صاحب نكنة رائعة، مرح جداً ويدخل إلى القلب بطيبته وضحكته التي لم تكن لتفارق وجهه وللتاريخ اقول أن الأستاذ شكري مرقز والمرحوم صديقه حبيب إيشوع موسى كانا قد ألّفا أغنية أزخينيّة على لحن المطرب الراحل فهد بلان الذي كان حبيب إيشوع رحمة الله يحب صوته كثيراً ويغنّي له. وكانت كلمات الأغنية تقول:
"آزخ يا أمّ الضحايا .. منك أبطال المنايا
أبطالٌ مثل الأسود .. ما يهابون المنايا".
وأغنية أخرى تقول: "عالحمّيظة الحمّيظة .. ورحنا تنحوش حمّيظة.. مارنياها الحمّيظة .. حشنا هالكازيبلّو" وهي طويلة لم أعد أذكر كلماتها التي وضعها الأستاذ شكري مرقس.
نظراً لنقص الكادر التعليمي في البلدة وعلى مستوى المحافظة ككلّ، فإنه كان يتمّ استقدام معلمين للمراحل الإبتدائية والإعداديّة من الداخل (وهي عبارة يراد بها المعلمين الذين يأتون إلى المحافظة من دمشق وحلب وحمص وغيرها من المحافظات الأخرى) وكانت منطقتنا تسمى بالمنطقة النائية لبعدها عن المركز وهو العاصمة دمشق. ويكون تعيين أحد هؤلاء المعلمين في مدرسة ناظم الطبقجلي والتي كما قلنا كان مديرها الأخ والأستاذ شكري مرقز (البلوه). وفي أحد الأيام وفي الفحص العملي لمادة العلوم لتلاميذ الصف الرابع، حيث كان الصف الذي يعلّم فيه المعلم الغريب القادم من الداخل. وفي مجرى الفحص جاء دور إبن يوسف هاجركو وهو لا يفقه من الحساب شيئاً ولا من العربي ولا من العلوم نظراً لبساطة الأسرة وأميّتها، فكان التلميذ كسولا ولكنه كان مشاغباً من الدرجة الأولى وصاحب وجه قويّة لا يخجل من أحد ولا يضع قيمة لا لمعلّم ولا لسواه!
كان المعلّم رسم على السبّورة (اللوح) صورة ذبابة وطلب من التلاميذ كلّ على انفراد التحدّث عن أقسام الذبابة وعندما سأل المعلّم التلميذ إبن هاجركو قائلا: ما هي هذه المرسومة على اللوح؟ نظر ابن هاجركو المسكين إلى المعلم مبهوتاً وفتح فاه فاغراً لا يألو على جواب ولم ينطق بكلمة لأنه لم يفهم ما الذي أراده المعلّم منه! أعاد المعلّم السؤال مرة أخرى وبصيغة أبسط: ما هي هذه الحشرة التي أمامك؟ تعقّد الأمر على إبن هاجركو أكثر من ذي قبل وأدرك بينه وبين نفسه أن المعلّم إنما لا يتكلّم شيئاً من اللغة العربية، بل هو يتحدّث لغة مجهولة ولا يعرف من أين أتى بها!
سأله للمرة الثالثة دون جواب البتة وعليه أن يضع علامة لذلك. فما هي العلامة التي سيستحقّها هذا الإبن هاجركو مع عدم فتح فمه ولو بكلمة واحدة تريح أعصاب المعلّم التي فرطتْ من شدّة الغضب. حار المعلّم فيما يفعل ولكي يكون قراره صائباً من دون أن يظلم إبن هاجركو الأفندي قرّر أن يستدعي المدير الأستاذ شكري مرقص ليعرض عليه هذا المشكل الذي صار عويصاً عليه. لكأن كلا منهما يتحدّث لغة مختلفة عن الأخرى تماماً. أرسل التلميذ نفسه ليطلب حضور المدير إلى غرفة الصف ليعرض عليه ما جرى بينه وبين التلميذ. ذهب إبن هاجركو إلى المدير شكري وقال له: استاد شكري! أجاب شكري: ها ابن هاجركو خيرو؟ قال ابن هاجركو: استاد، الإستاد إيريد يريك.. تعا عالصّف! سأله الأستاذ شكري: ورك إبن هاجركو سويت كرتلخ شي نفشتوكه من هوك نفشتوكاتك؟ قال له: لا والله استاد بس هوّه مو اعرف أش كيريد منّك! وقال لازم تجي خفيف. قال المدير شكري: روح هلاّ تاجي.. وكي لازم خفيف معناتا كو سويتْ شي ?بیر! أجاب المسكين: لا بالعظرة ما سويتو تشي. بس موعرف ليش قال روح سيح للمدير وته يجي!
أسرع المدير شكري إلى الصف الرابع وهو مستغرب لما يمكن أن يكون قد حصل في الصف بين المعلّم وإبن هاجركو. دخل الأستاذ شكري غرفة الصف فرأى المعلّم وهو على وضع غير طبيعيّ. فسأله: خيرٌ يا أستاذ ما الأمر؟ فأجاب المعلّم: إني رسمت هذه الذبابة على اللوح وقلت للتلميذ بأن يشرح لي ما يعرفه عنها من الأقسام وما وظيفة كل قسم فلم ينبت ببنت شفة، ولهذا قرّرت استدعاءك لتدارك الأمر فهو امتحان ولا أريد أن اظلم التلميذ! أجابه المدير شكري: إذا كان هذا هو المشكل فلا عليك. ماذا تريد منه أن يقول لك؟ وعمّا تريده أن يتحدّث؟ أجاب المعلّم سؤال المدير شكري قائلا: مثلما قلت لك أجزاءها ووظائف هذه الأجزاء لأضع له العلامة التي يستحقّها.
هزّ المدير شكري راسه وقال: يا إبن هاجركو. تعرف أش كيكو مرسوم عاللوح؟ قالّو إبن هاجركو: اي استاد.. أشطوف موعرف.. هايه زبّيني يه! قالو برافو عليك يا إبن هاجركو. قال شكري: بسْ ليش ما قلت شلأستاد هيكه؟ قالّو ما كا أعرف أش كيريد منّي!
شكري: (وهو يشير بإصبعه إلى أقسامها قسماً قسماً سائلا إبن هاجركو) سائلا إبن هاجركو عنها فأجاب إبن هاجركو: أعرف استاد هويا عينيانن وهويا سقاتانن وهويا لطوال أزانانن وهايه جوفا يه وهاكّا بطنا يه وإزّا تري إزّا راصا وه. ومن جوّا كوفيا مريصين وكوا مخيرا وطلّع عينيا أشقد يلمعون وإزّا ?ر?اوه أش ملّوط ونيعم! وتحدّث إبن هاجركو عن أقسام الزّبّينه كلّن. هلكا ما خلاّ فيا قسم وما حكا عليو وما شرحو. المعلم كان ينظر إلى الحوار الدائر بين المدير والتلميذ كالأطرش في الزّفة. دون أن يفهم كلمة واحدة من كل ما دار بينهما من أسئلة وأجوبة. فاندار المدير إلى المعلم وهو يقول: أرأيت؟ إنه هرّى الزّبّينه شقفه شقفه من راصا إلى بوصا! أشلخ تريد منّو يابو؟
استغرب المعلم من كلام المدير حيث لم يفهم منه أي شيء. فقال المدير للمعلم: إن هذا التلميذ المجتهد استطاع وبامتياز أن يتحدّث لك عن أقسام الذبابة بشكل مفصّل ودقيق وتامّ. فقال المعلّم: هل كان يتحدّث عن أقسام الذبابة كل هذه المدة؟ أجابه شكري: أجلْ يا سيّدي وأي حديث! إنه كان شرحاً ولا كلّ الشروح!
سأل المعلّم المدير شكري: وهل يستحقّ علامة جيّدة لإجاباته؟ أجابه شكري: ورك أش تقول؟ ايمو اتقول خلاّ فيا برتوكه وما جرجرا.. ما خلاّ! فسأل المعلم المدير: ما هي العلامة التي يستحقّها؟ أجاب شكري: ورك حطلو عشرة على عشرة ويستاهل أكتر من هيك كمان.
وبعد انتهاء فصل المسرحية توجّه المدير شكري بالقول إلى إبن هاجركو: ورك يا إبن هاجركو .. يا مژنون. هما كا فتحت سمّك! لا كا وقّفت كما الهبلّوك.. وخلّيتو يزحك عليك! إبن هاجركو ردّ على المدير شكري قائلا: بالله استاد ما فهمتو منّو تشي!
* كنت نظمت قصيدة شعرية في الحادثة ذاتها سوف انشرها في وقت آخر وأرجو أن تكونوا قد استمتعتم بقصة إبن هاجركو مع استاذنا وحبيبنا وصديقنا شكري مرقص له مني كلّ المودّة والمحبّة والتقدير.
التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 27-11-2005 الساعة 06:55 PM
|