أخي نبيل التاريخ لا يصنع شيئاً فيما الجغرافيا هي المتلقي الجيّد من معلّم التاريخ الذي هو الإنسان وليس أي إنسان إن الذي يكتب التاريخ والذي يخطط حدود الجغرافيا بمفهومها المتعارف عليه هي القوة ولا شيء آخر سوى القوة وكلّ تعبير آخر هو هرطقة فكرية والظلم الذي عانت منه الشعوب قديماً لا تزال تعانيه شعوب هذه الأيام ولكن بشكل أكثر فظاعة وشراسة وهمجية.
إن الأبطال كتبوا التاريخ بشكل أو بآخر من خلال انتصاراتهم كما أن انهزاماتهم محت كل ما كتبته انتصاراتهم من قبل، ولو ربح هتلر الحرب العالمية الثانية ما كان ليكون بطلا قومياً فحسب بل وربما كان سيصير نبياً. ولأنه خسر الحرب فقد صار مجرم حرب وديس عليه بأقذر حذاء.
إن السياسة يا أخي نبيل هي أسوأ داء عرفته البشرية (علماً أنه ليس بالإمكان العيش من دونها) وما السياسيون سوى لاعبين قذرين يراهنون على مصائر شعوبهم ويتاجرون بها. وفق مصالحهم وملء جيوبهم وتعبئة خزائنهم في بنوك العالم. هكذا كان الإنسان منذ القديم فكان الأقوياء هم الذين يذكرهم التاريخ وملايين من الناس الطيبين والودعاء لم يذكرهم التاريخ فماتوا ولم نسمع عنهم شيئاً أو حتى نعرفهم لأنهم لم يمارسوا القوة ويسخّروها لمنافعهم الشخصية واستمرارية سلطانهم وجبروتهم!
التاريخ تحت حذاء القوة والجغرافيا التي رسمتها السياسة الأمريكية في شمال العراق كخط جغرافي جديد هو خير دليل على صحة ما أقول فالحق مهما كان متى لا تدعمه القوة يكون نصيبه الفشل والقوة متى كانت غاشمة تستطيع تحويل الباطل إلى حق والحق إلى باطل.
لا تحاول إيهام نفسك بيافطات عريضة ومزخرفة وملونة يكون لها عطر ما فكل هذه ممسوخات تاريخية. التاريخ يا عزيزي هو تدوين الأحداث وتسجيل الوقائع فمن يكتب هذه الوقائع؟ هل أكتبها أنا وأنت؟ أم يكتبها فلان وعلان من الذين يملكون مصادر القرار وتوجيه دفة التاريخ لما يخدم مصالحهم ورؤاهم وأفكارهم حتى ولو كانت خبيثة وسيئة.
ليس التاريخ هو الذي يكتب لأنه لا يستطيع أن يتجاوز حدود القوة التي تضعه ضمن إطار معيّن وما الجغرافية سوى التلميذ المتلقيّ يا عزيزي نبيل!
فؤاد
|