
25-09-2005, 02:11 PM
|
|
Silver Member
|
|
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 594
|
|
تسطع ديريك فوق خميلة الروح إهداء: إلى الصّديق العزيز فؤاد زاديكه بمناسبة ذكرى يوم زفافه ملأت الزغاريد فناء الحوش، كليليليليلي! العرق والفرح والعناق يتصبَّب من جباه الجميع، يرقصون أمام العروس، وقبل أن تقترب من عتبة باب الزوجية، يفسحون المجال لواحدٍ من أهل العريس كي يكسر "الشربة" أمام العروس، عربون فرحهم لقدومها، تنكسر الشربة: جرّة صغيرة، فتتناثر السكاكر والفرنكات فيهجم الأطفال لالتقاط السكاكر والفرنكات، ويحرص مرافقي العروس أن لا يتقدّم الأطفال عند بياض فستان الاكليل الجميل، لكن مع هذا فجموح الأطفال وفرحهم لا يمكن كبحه فيرفع أحياناً طفلٌ حافات الثوب ليلتقط فرنكاً ثم يقف والبهجة مرسومة على محيّاه، ترقص الأم وفي يدها المغرفة، وفي الأخرى رغيف خبز تنوّر، تنضح البهجة من عيون الأم والأخوة والأخوات، تعبر العروس متربّعة صدر عشّ الزوجية، تلمع عينا العريس فرحاً، يزداد قلبه خفقاناً وسروراً، مشاعر دافئة تغمر أجواء المكان، فسحة صغيرة للرقص أمام العروسين، الطبل والمزمار يخيّمان على الفرح فيمنحان الفرح فرحاً عميقاً، يعقدون الدبكات والرقص يأخذ مداه الحميم، هذا يلتقط صوراً للعروسين وذاك يرقص وآخر يمتلئ قلبه بهجة، أحد الشبَّان يغمز فتاةً في مقتبل العمر، تتفاجأ، يحمّر وجهها خجلاً، يقترب منها، ترقص الفتاة بعد قليل فينتهز الفرصة ويرقص معها على اِيقاعات خانمان، يضحكُ العريس والعروس هائمة في رحاب الفرح، والديّ العريس يموجان سروراً، تطير الحمام فوق أرجاء المكان، تفرح الأزقة وأطفال الحيّ، الدبكات تزدادُ ألقاً، يقوم عازف المزمار بتلاوة عبارات "الشاباش" على رأس العريس، ثم على رأس العروس فرؤوس أهل العريس والعروس والأصدقاء، تتناثر الليرات فيلتقطها عازف المزمار بإنحناءة شكر وإحترام، سؤالٌ لا يفارقني، هل تمَّ تسجيل وقائع حفل الأكليل على شريط فيديو، كيف فاتنا أن لا نسجِّل حفلات زفاف أيام زمان أم أن كاميرات الفيديو ما كانت قد وصلت آنذاك إلى ربوع ديريك؟!.. ديرك آهٍ يا ديريك، سأخبِّئكِ بين أجنحةِ القصائد، بين خميلة الذاكرة، بين حنين الروح إلى تلكَ الأزقة المزدانة بالطين والخير الوفير، كم كنتُ أتمنّى لو تمّ التقاط وتسجيل "الجراجر" وهي تدرس "قوشات الحنطة"، كانت أكداس الحنطة تملأ البيادر فيوزّعها والدي دوائر دوائر ثم يدرسها بالجرجر: النَّورج، ساعات وساعات وأيام وأيام، وعندما تكتمل، يكوّمها كومات كبيرة، وفي ليلة قمراء يهبُّ نسيم الليل الغربي فيقوم والدي بتذرية التبن كي يفصل حبَّات الحنطة عن التبن، فيتشكل تبن ناعم جدّاً يسمونه العور، والتبن العادي ثم الخشن، وكانوا يطلقون على هذا الأخير القسرة، كانت مخصصة للتنّور مع "الجلّة"، كم يؤلمني أن لحظات التذرية وذكريات كثيرة أخرى في منتهى الروعة والبهاء غير مسجلة على شرائط فيدو، آلاف الذكريات كان لها من الجمال الخلاب ما لا أتخيَّله، كيف تتحمل الذاكرة كل هذه الحميميات، تبكي ذاكرتي شوقاً إلى معالمِ دفء الطفولة واليفاعة، حفلات الأعياد، حفلات الأعراس، بهجة الرحلات والمشاوير، تزغرد أم العريس مرة أخرى ثم يزغردن بقية الأمهات وتقوم التهاني ركباً ما بين الأمّهات، كان لأمّي تهلهيلة ولا كل التهاليل، تهلهلُ بنَفَسٍ طويل وصوتٍ نقي ومفتوح على شهقةِ الليل، آهٍ لو تمَّ تسجيل صوت تهاليلها، أشعر أن كلّ قصائدي باهتة أمام رنين تهاليلها، مَن يدري ربما استمدّيت رحيق شعري من حبق زغاريدها، وقصصي ربّما نبتت من بركات منجل والدي الذي كان يحصد باقات الحنطة على إيقاعات بهجة الطبيعة، ترقص النجوم مشاركةً فرحة العروسين، ينام الليل على إيقاع الفرح، تدور الأيام والشهور والسنين وتبقى ديريك بكل أفراحها وأتراحها ساطعة فوق خميلةِ الرُّوح! ستوكهولم: 25 . 9 . 2005 صبري يوسف كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم sabriyousef1@hotmail.com
|