يوميّات صرصور
اليوم الخامس
لم تكن للصرصورة (حبيبة قلبي) أيّة معرفة مسبقة بالدار التي أقيم فيها, كما لا تعرف مدى ارتفاع الشباك عن سطح أرض الغرفة لذا وفيما هي تحاول النزول من الشباك إلى أسفل تعثّرت قدمها فسقطت على الأرض وكان أن صرخت بصوت عالٍ ذعرتُ لدى سماعي فسألتنا عمّا بها؟ فأجابت أنها تعثّرت (تدرقلت) قدمها وسقطت على الأرض وهي تشعر الآن بآلام شديدة جداً.
خشيتُ من أن يسمع صاحب البيت صوت صراخها فأسرعتُ إليها وطلبت أن تشير بيدها إلى منطقة الألم التي تشعر بها فقالت إنها في رجلي اليمنى. تحسستُ رجلها بيدي وعرفت أن كسراً قد حصل تسبب به ذلك الارتطام بالأرض فهوّنت عليها قائلا: لا تخافي إنه مجرد كسر بسيط وسأقوم بإجراء اللازم إذ لديّ خبرة طويلة في هذا المجال منذ كنا نعيش في جماعات كبيرة فكانت تقع أحداث وتحصل حوادث فيها الكثير من الخطورة وقد تعلّمت من الكبار الذين كنت أراقب ما يفعلونه.
حملتها على ظهري وجئت بها إلى حيث سيكون عش زوجيتنا السعيد ومكان فرحنا المقرّر إقامته بعد تعافيها وتماثلها إلى الشفاء ألا وهو خلف دولاب (خزانة) الملابس, الملجأ الأمين الضيّق الذي يوفّر لي الحماية من مخاطر صاحب البيت متى علم بوجودنا فهو ومهما حاول لن يستطيع الوصول إلينا إلاّ متى حرّك الدولاب من موضعه وهذا يحتاج بالتأكيد إلى رجلين اثنين أو أكثر. وكنت خبرت أن طريقة التجبير كانت تجري إما بطريقة التجبير الصلب وهو سند القسم المكسور بربطه إلى جسم مقوّى ككتاب أو خشبة أو أي جسم صلب يساعد على منع القسم المكسور من الحركة وبالتالي ممّا سوف يتسبّب له بمضاعفات خطيرة والطريقة الشعبية الثانية التي كان يستخدمها أجدادنا في تجبير الكسور كانت التجبير(الجبيرة) المرن أي ربط القسم المكسور بجسم آخر مرن القوام كأن يكون وسادة أو غطاء سرير أو مطوي عدّة طيّات و تصلح هذه لمثل حالة الصرصورة اليوم.
أسرعت إلى قطعة قماش (خرقة) جلبتها من داخل الدولاب (خزانة الملابس) وقمت بكسر بيضة وإخراج ما بداخلها من صفار وأضفت إليها بعض الدقيق ومن هذا المجبول وضعت فوق الرجل ولفّيت عليها قطعة القماش بعدما قمت بغسلها بحذر بالماء الساخن بعض الشيء لكي ترتخي الأعصاب وتشعر بقليل من الهدوء بعد هذا التوتر الحاصل لها, وطلبت منها عدم الحركة وحمدت الله أن كيس الدقيق كان مفتوحاً وإلاّ كان أملي سيخيب, فبدونه لا جدوى لأنه يدخل في تركيبة عمل هذه الجبيرة. لكن وأنا أقوم بعملية التجبير بدأت أفكر في الذي جرى لها في اليوم الأول وخشيت أن تعتبر هذا الحادث الطارىء دليل شؤم على حياتنا الزوجيّة المزمع إقامتها.
التزمت الهدوء والسكينة وقلت لها: كل ما تريدينه وتشتهينه سآتي لك به إلى عندك وعليك لبعض الوقت أن تلزمي الهدوء وتلتزمي بالتعليمات التي أعطيتك إياها, فأومأت برأسها إيجاباً وأنا أقول إن هذا الإنسان لو عرف بقصة وجودنا هنا في داره لقام بقلب الدنيا ولسعى إلى التخلّص منّا بكلّ تأكيد. فالإنسان ميّالٌ إلى العنف بطبعه وهو يستخدم هذا العنف ضد أبناء جلدته من البشر, فكيف بنا نحن معشر الحشرات الذين نعتبر في نظر هذا الإنسان وغيره من أسوأ خلق الله. نحن لا نفتك ببعضنا البعض على الأقل ونراعي حرمة أخوتنا في الحيونة و(الحشرتة) أما هو فلا يراعي ذمة ويسعى إلى خداع أخيه من أجل حفنة من المال ويسعى إلى القتل والقهر من أجل أن يسيطر على غيره. إن عالم الإنسان مليء بالعجائب والغرائب والمتناقضات. فيما نحن نعيش ببساطة لو أدرك الإنسان قيمتها لحسدنا عليها!
ولكي نجري مقارنة بسيطة بيننا وبين الإنسان لنرى من منّا هو الأفضل؟ إننا نستطيع وبكل سهولة أن نقوم بالأمور التالية لنزعج الإنسان بشكل كبير:
1 - أن نظهر علناً في حضور أصدقائه وزوّاره ونقوم ببعض الحركات الإستفزازيّة أمامهم للتقليل من قيمته ولإظهاره بأنه قذر ولا يهتم بنظافة البيت وبمكافة الحشرات فيه.
2 - نستطيع أن نجري معه عراكاً منذ الصباح الباكر ونجعله يتأخر عن عمله ونتسبّب له ببعض المشاكل مع رئيسه في العمل.
3 - نستطيع إثارة أعصابه بالتلاعب بها في ظهور واختفاء متتابع لإثارة غيظه ومتى حاول اللحاق بنا نلجأ إلى أمكنتنا المفضّلة وهي الضيّقة والتي يصعب عليه الوصول إليها.
4 - نستطيع أن نجعل إمرأته أو أخته أو أمه لساعات طويلة واقفة فوق الكرسي أو الطاولة تخشى من النزول لأنها تخافنا ويكون ظهورنا المفاجىء لهؤلاء النسوة بمثابة الرعب والاشمئزاز والتقزّز.
هذه أضرار معنوية بإمكاننا أن نتسبب للإنسان بها ناهيك عن الأضرار المادية الجسيمة منها مثلا:
1 - قرض الملابس والسجاد والملاحف والبشاكير وكل ما يقع تحت أيدينا وهذا بالطبع يعقبه وجوب شرائه لآخر جديد وهكذا دواليك.
2 - نستطيع ترك برازنا في كل مكان من البيت مما ينشر رائحة كريهة وإزعاجاً له ولضيوفه.
3 - نستطيع نقل بعض الجراثيم والميكروبات إلى حيث يقيم وإدخالها في أطعمته دون أن يدري. لكن ضمائرنا ليست ميّتة لنفعل معه مثل هذا إلاّ متى حاول التعدّي علينا.
4 - نستطيع التبرّز في أطعمته وصحونه وحتى في براداته التي يستخدمها لحفط المأكولات.
وبإمكاني أن أسرد قائمة طويلة من هذه المضارّ التي نستطيع أن نتسبّب له بها. ومن هذا السّرد أردت أن أبيّن لكم أننا نفكر بطريقة واقعية ولسنا مثله كوحش العصر يحيل حياة الناس إلى جحيم وكم يحلو له لو أنّه داس بقدمه بعنف على رقابنا وحطّمها تحت نعاله! مَنْ منّا أرحم؟ نحن أم هو؟ نستطيع أن نتعايش بهدوء وأمن وسلام وإليكم الإعلان عن بعض أساليبه القذرة التي يستخدمها ضدنا:
1 - استطاعت بعض الدول أن تستخدمنا كوسيلة تجسس على دول أخرى. كما استطاعت أن تزرع في أجسامنا كاميرات مراقبة دقيقة ومكروفونات لنقوم بالكشف عن ضحايا الكوارث الطبيعيّة وكل هذا يصبّ في مصلحة الإنسان وعلى حساب حياتنا.
2 - تمكّن بعض التلاميذ الكسالى في روسيا من استخدامنا لأغراضهم الخاصة حيث أنهم قاموا (على ما سمعنا) بتجويع مجموعة من إخوتنا الصراصير بعدما علموا أننا نستطيع لعق الحبر الجاف فجاؤوا بشهاداتهم والمملوءة بعلامات متدنية وأطلقوا إخوتنا, بعد أن تمّ وضع العسل فوق الحبر, فقامت بالتهام العسل والحبر الناشف وقام التلاميذ بعد ذلك بوضع العلامات التي أرادوها لكي يخدعوا ذويهم وليخفوا عنهم حقيقة تراجعهم الدراسي.
3 - تقوم مجموعة من إخوانكم البشر بتجارب قذرة علينا وغير أخلاقية إذ يزيلون أجنحتنا ويقلعون قرون الاستشعار لدينا ويحّملونا وزناً يفوق عشرين مرّة قدرة وزننا وتحمّلنا.
4 - تتعلّمون في المدارس أن الصراصير هي المخلوقات الوحيدة التي تثير الإشمئزاز والتقزّز والقرف.
5 - تتعلمّون في المدارس طرقاً عنيفة لمكافحتنا والقضاء علينا دون رحمة أو شفقة وتستخدمون في ذلك المواد الكيميائية الفتّاكة بأساليب قمع وفتك بشعة.
6 - تقومون كبشر بحملات تعبئة ومداهمة لأماكن تواجدنا دون سابق إنذار لتفتكوا بنا.
7 - تستخدمون أجسادنا المجفّفة كأصباغ أحمر الشفاه لنسائكم بعد أن تقوموا بطحنها وإجراء بعض التحويلات عليها ومن ثمّ تقبّلون نساءكم على قبورنا!
7 - تثيرون الناس كل الناس ضدنا وتشيعون أننا خشرات قذرة يجب التخلّص منها وبهذا تتعدّون على مشاعرنا بدون عذر أو سبب.
قطع صوت صراخ الصرصورة مجموعة التأملات بالمقارنة بيننا معشر الصراصير وبينكم معشر البشر فأسرعت إليها وأنا أرجوها أن تخفض صوتها لئلا تجلب علينا لعنة صاحب البيت وبطشه وسألتها عمّا تريده؟ وإلى غد واليومية السادسة بااااي
التوقيع
صرصور
__________________
بشيم آبو و آبرو روحو حايو قاديشو حا دالوهو شاريرو آمين
im Namen des Vaters
und des Sohnes
und des Heiligengeistes amen
بسم الآب والأبن والروح القدس إله واحد آمين